قراءة ثقافية في مناجاة سماحته مع الإمام الرضا(ع)

كفى غربةً.. الجمال والرمز في شعر قائد الأمّة الشهيد

/ في سحر العاشر من تموز 2026، وبعد التشييع التاريخي المهيب في مدينة مشهد المقدّسة، وفي ختام أسبوع كامل من مراسم الوداع، وُري الجثمان الطاهر للقائد العزيز للشعب الإيراني و«إمام المستضعفين» الثرى في الحرم الرضوي المطهر. نشر موقع KHAMENEI.IRشعراً نُشر حديثاً لقائد الثورة الإسلاميّة الشهيد سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، ناجى فيه الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، مرفقاً بالترجمة. وبهذه المناسبة نقدّم المقال التالي وترجمة الشعر إلى العربية.

كفى غربةً
بسم الله الرحمن الرحيم
في التوسُّل بصاحب عرش الرِّضا، الإمام علي بن موسى الرِّضا(ع) 

أرحني من الدهر صبحاً ومساءً
وأتمم بنظرةِ عينٍ مراماً
وافتحْ من الحُسن باباً جديداً
وزد بيتَ شعرٍ، وأحسن ختاماً
أيا نجلَ ساقي الجنانِ عليٍّ
فملْ نحوَ ظمآنَ يرجو اهتماماً
تملّكتَ قلبي بسحر الدلالِ
وزلزلْ خواصّاً، وزلزلْ عواماً
وخُذ مُهجتي نحو مُلك الرضا
وروِّض حمامي، وأهدِ ابتساماً
ترى ألفَ كفٍّ لشوقٍ تُمدُّ
فجُدْ، وامدُدِ الكفَّ جودَ الكراما
وهذهِ الديارُ شفاءُ اللهيبِ
فداوِ بقطرةِ ماءٍ ضِراماً
أمينُ، أطلتَ النوى عن حِماكَ
فدعْ غربةَ الروح، يمِّمْ مقاماً
وإنْ كنتَ مُعدَمَ كفٍّ وحيداً
فمن باب فيض الرِّضا خذ قِواماً
وحيث ملائكةُ الله تغدو
فخُذْ في زواياه ركناً دواماً

السيِّد عليّ الخامنئيّ
الإمام الشهيد والشعر
لم يكن ارتباط الإمام الشهيد بالشعر علاقة قارئٍ بالنص، بل علاقة صاحب تجربةٍ باللغة بوصفها وعاءً للهوية والثقافة والوجدان. فمنذ سنوات، شكّلت لقاءاته السنوية مع الشعراء في منتصف شهر رمضان تقليداً ثقافياً راسخاً، يؤكد إيمانه بأن الشعر ليس ترفاً أدبياً، بل قوة حضارية تحفظ الذاكرة، وتصوغ الوعي، وتبني الإنسان. وإلى جانب رعايته للمشهد الشعري، كتب الشعر بنفسه، متخذاً من اسم «أمين» توقيعاً أدبياً يكشف جانباً وجدانياً ظل حاضراً إلى جانب شخصيته الفكرية والقيادية. تجدر الإشارة إلى أنه «أمين» هو الإسم الشعريّ للإمام الشهيد الخامنئي(قدّس الله نفسه الزكيّة).
قصيدة تتجاوز المديح إلى المناجاة
القصيدة لا تنتمي إلى تقاليد المديح وحدها، بل إلى أدب المناجاة الروحية. فقائد الأمّة الشهيد لا يقف أمام الإمام الرضا(ع) موقف الواصف، وإنما موقف السائل والمتوسل، طالباً السكينة والهداية وحسن الخاتمة: «أرحني من الدهر صبحاً ومساءً.. وأحسن ختاماً». ومنذ المطلع، تتجلى لغة الدعاء أكثر من لغة الزينة البلاغية، فيغدو الشعر وسيلةً للإبتهال لا للإستعراض.
رمزية الإغتراب.. ومعنى تحقق القصيدة
تبلغ القصيدة ذروتها في قول الإمام الشهيد: «فدعْ غربةَ الروح، يمِّمْ مقاماً». هنا يتحول الإغتراب من حالة مكانية إلى تجربة وجودية، ويصبح مقام الإمام الرضا(ع) رمزاً للسكينة والإنتماء. وبعد إستشهاد قائد الأمّة ودفنه في جوار المرقد الرضوي المقدس، اكتسب هذا البيت دلالة إنسانية وروحية استثنائية؛ إذ بدا وكأن القصيدة سبقت صاحبها إلى مصيره، فغدت المناجاة شهادة شعرية على شوقٍ انتهى إلى اللقاء. ولعل هذا التلاقي بين النص والقدر هو ما منح القصيدة حضوراً واسعاً في الأوساط الثقافية، ودفع عدداً من الشعراء إلى الكتابة على نهجها، بوصفها نصاً تجاوز لحظة نشره ليصبح وثيقة وجدانية مفتوحة على التأويل.
جماليات البساطة وصدق التجربة
تقوم القصيدة على لغة شفافة بعيدة عن التعقيد، تتكرر فيها مفردات الرحمة والجود والشفاء والنور، بما يعكس نزعة صوفية هادئة تتكئ على التراث الإسلامي في بناء الصورة والإيقاع. ولا تستمد قوتها من كثافة المحسنات البلاغية، بل من صدق التجربة الداخلية، حيث تتماهى ذات الشاعر مع حاجته إلى الطمأنينة والقرب الإلهي عبر التوسل بالإمام الرضا(ع).
رسالة ثقافية وروحية
تكشف هذه القصيدة أن الإمام الشهيدلم ينظر إلى الشعر بوصفه فناً معزولاً، بل باعتباره رسالةً ثقافيةً وروحيةً، تُرسِّخ قيمتي الجمال والإيمان معاً. وبعد أن ختم حياته في جوار الإمام الرضا(ع)، اكتسبت أبياته معنى جديداً، لتغدو شاهداً على التقاء الكلمة بالمصير، وتحول الشعر من نصٍ يُقرأ إلى سيرةٍ تُروى.

البحث
الأرشيف التاريخي