الإمام الشهيد الحكيم صاحب الرؤية البعيدة
يحيى رحيم صفوي
المساعد والمستشار الأعلى لقائد الثورة الشهيد(رض)
في عام 2011م، قال لي قائد الثورة الشهيد سماحة آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي(رض) بصورة مباشرة وحضورية: «هل يمكنك أن تُعدّ خطة لإغلاق مضيق هرمز؟» فسألته: «كم من الوقت لدي؟» فقال: «كم من الوقت تريد؟» فقلت: «ثلاثة أشهر«». فقال: إن «عليك أن تعدّها خلال شهر واحد».
بالتشاور وأخذ الرأي من العميد فدوي، قائد القوة البحرية في الحرس الثوري آنذاك، والعميد حاجي زاده، قائد القوة الجوفضائية، والعميد سلامي، نائب القائد العام للحرس الثوري في ذلك الوقت، أعددت خطة كاملة تمتد من الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر، ومن مضيق باب المندب إلى البحر الأبيض المتوسط.
وقد أحال سماحته تلك الخطة، مع تصنيفها السرّي، إلى رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة آنذاك، المرحوم الدكتور فيروز آبادي، كي تتحول إلى تعليمات تنفيذية. وما استخدمته القوة البحرية في الحرس الثوري هذا العام في الإدارة والسيطرة الذكية على المضيق كان مستندًا إلى الخطة نفسها التي أُعدّت بتدبير الإمام الشهيد قبل 15 عامًا.
قيادة الدفاع عن بلاد المسلمين
كان إمامنا الشهيد، طوال 37 عامًا من قيادته العامة للقوات المسلحة الإيرانية، مؤسسًا ومقوّيًا لجبهة المقاومة، من لبنان إلى اليمن والعراق وسوريا وغيرها. وبناءً على اقتراحي في عام 1997م، عيّن الحاج قاسم سليماني قائدًا لقوة القدس في حرس الثورة الإسلامية. وقد أدى هذا التدبير إلى القضاء على تنظيم داعش الإرهابي والحفاظ على لبنان والعراق، رغم أن سوريا فُقدت. كما حافظ على جبهة المقاومة في لبنان والعراق واليمن، وشكّل عمقًا استراتيجيًا وترابطًا في مواجهة مخططات الكيان الصهيوني، من الخليج الفارسي إلى البحر المتوسط، وأسهم بفضل الله في تشكيل قوة إيران الإقليمية.
تعزيز القدرة الصاروخية لحرس الثورة الإسلامية
كان قائدنا وإمامنا الشهيد، طوال 37 عامًا، ذا دور حاسم في تعزيز القوات المسلحة الإيرانية. فعلى سبيل المثال، وفي عام 1998م، سألني: «كم صاروخًا بالستيًا لديكم؟» فقلت: «نحو ألف صاروخ». فقال: «هذا قليل؛ من الضروري أن تمتلكوا ما لا يقل عن ألفي صاروخ، وأن تستعدوا لحرب هجومية طويلة الأمد». ثم أصدر الأوامر اللازمة إلى هيئة الأركان العامة ووزارة الدفاع.
تعييني قائدًا عامًا للحرس الثوري
في آب/ أغسطس - أيلول/ سبتمبر 1997م، حين كنت نائب القائد العام للحرس الثوري، استدعاني وقال: «أريد أن أعيّنك قائدًا عامًا للحرس الثوري، فما رأيك؟» فسكتّ.
فسألني مجددًا، فقلت: «أنا شاب، ومسؤولية الحرس الثوري عظيمة. إذا عيّنتم أي شخص آخر، أعدكم بأنني سأساعده بصفتي نائبًا له». فقال: «لقد تشاورت، وقد وصلتُ بنفسي أيضًا إلى قرار بشأن هذا التعيين». فقلت: «أنا جنديكم، ولي طلبان فقط». فقال: «قل». فقلت: «أولًا، ادعوا لي كي أستطيع أداء هذه المسؤولية الثقيلة. وثانيًا، ادعموني وادعموا الحرس الثوري كي تتقدم الأمور». فقال: «قبل هذا، كنت أدعو لك كل ليلة باسمك، ومن الآن فصاعدًا سأدعو لك أكثر. سأصدر لك الحكم، وسأدعمك أيضًا». فغلبني البكاء، وقبّلت يده وخرجت. وخلال عشر سنوات، أي من عام 1997م إلى 2007م، وبيني وبين الله، لم أكن أعمل بتوجيهاته فحسب، بل كنت إذا أدركت ميله ورغبته أعمل بها.
صلاة سماحته وذكره
عادة ما كانت تُقام صلاتا الظهر والعصر أيام الأحد في حسينية الإمام الخميني(رض). وكان سماحته، عند وقت أذان الظهر، يقيم نافلة الظهر في مكتبه في الطابق العلوي، ثم ينزل لصلاة الجماعة في الطابق السفلي، حيث كان يحضر عدد من المسؤولين المدنيين والعسكريين، من الرجال والنساء.
في صلاة الظهر، كان ذكره في السجود ثلاث مرّات: «سبحان ربّي الأعلى وبحمده». وفي نهاية صلاة الظهر، كان يقرأ تسبيحات فاطمة الزهراء(س)، ثم يضع يده على عينيه وجبهته ويقرأ آية الكرسي. بعد ذلك كان يقرأ نافلة العصر وهو جالس. وبعد انتهاء الصلاة، كان يمرر يده على تربة كربلاء المقدسة حتى سبع مرات، ثم يمسح بها وجهه وجنبيه وصدره.
بعد ذلك، كان يتوجه نحو القبلة ويسلّم على أئمة البقيع وعلى الإمام المهدي(عج)، ثم يتوجه نحو الشرق، باتجاه حرم الإمام الرضا(ع)، ويسلّم عليه.
وكان جميع من حضروا صلاة الجماعة يقفون، فيسلّم سماحته على كل واحد من الرجال والنساء ويتفقد أحوالهم. وكان بعضهم، إذا كان لديه مطلب، يقوله، وكان الإمام الشهيد يستمع بصبر، ويجيب بعضهم. وإذا جاءت امرأة بطفل رضيع وطلبت منه أن يؤذن ويقيم في أذنه، كان سماحته يفعل ذلك. وكان يتعامل مع الأطفال الصغار الآخرين بمنتهى اللطف، ويمسح على رؤوسهم، ثم يغادر.
الحلم والصبر أمام عدم وفاء بعض الأصدقاء والرفاق القدامى
بحسب ما رأيت وسمعت، فإن بعض أصدقاء الإمام الشهيد ورفاقه منذ زمن النضال ضدّ النظام الملكي الظالم، وفي فترة رئاسته للجمهورية، بل وحتى خلال 37 عامًا من قيادته، لم يفوا له. بعضهم جفاه، وبعضهم ظلمه، واتخذ مواقف ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية والثورة الإسلامية. غير أن سماحته، بحلم وصبر بالغين، تجاوز كل عدم الوفاء هذا، وصبر في سبيل الله ومن أجل عدم انقسام المجتمع.
وقد سمعت مؤخرًا أن بعض هؤلاء ندموا بعد الشهادة المظلومة لسماحته. ورغم أن عدد هؤلاء غير الأوفياء كان قليلًا، فإنهم ألحقوا بالبلاد والثورة أضرارًا من جهتهم، نسأل الله أن يختم لنا جميعًا بخير.
المصدر: موقع KHAMENEI.IR
