تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
يجب أن يُطلق على القائد الشهيد لقب «مهندس اقتدار إيران الحديثة»
بمناسبة استشهاد وتشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد، آية الله العظمى السيّد علي خامنئي (قدّس الله نفسه الزكيّة)، أعدّت مؤسسة الثورة الإسلامية للبحوث والثقافة إحياء ذكرى بعنوان «الإمام المجاهد الشهيد»، يتضمن مقالات لشخصيات علمية وسياسية وثقافية وعسكرية بارزة، سيتم نشرها عبر موقع KHAMENEI.IR. إنّ الآراء المطروحة في هذا الإصدار تعبّر عن وجهات نظر كُتّابها. وفيما يلي مقال الشيخ علي أكبر ناطق نوري، رئيس مجلس الشورى الإسلامي في دورتيه الرابعة والخامسة، والمسؤول السابق لمكتب التفتيش في مكتب قائد الثورة الاسلامية الشهيد.
وفي الحقيقة، لم يكن لختام تلك المثنويّة النورانية أن يكون إلّا باستشهادٍ بهذا السموّ. وإنّ كلّ تلك الدعوات الخالصة التي أطلقها طلباً للشهادة، كان من المحال ألّا تُستجاب. كما أنّ هذا الاستشهاد المظلوم، ولا سيما على يد أشقى الناس، سيكون له آثارٌ جلية وتاريخية على الأصعدة الوطنية والعالمية.
ولعلّ من الذكريات الخالدة التي أحتفظ بها، ما يعود إلى فترة ما بعد حادثة الانفجار في مسجد أبوذر عام 1981م، والتي أفضت إلى إصابته. لقد عُدته في المستشفى حينها، ورغم ما كان يعانيه من إعياءٍ شديد، قال لي: «يا فلان! بمقتضى هذه الحادثة كان ينبغي أن أكون في عداد الأموات؛ ولكن لا أدري ما الذي يريده الله العظيم منّي حتى قدّر لي مواصلة الحياة».
بعد سنوات، وذات يوم كنّا نتجول في فناء حسينية الإمام الخميني(رض)، ذكّرته بذلك الحوار، وقلت: «سيدي! أتذكر ما قلته لي بعد حادثة الاغتيال؟ يبدو أن الإجابة على ذلك السؤال قد اتضحت الآن؛ فقد أراد الله تعالى أن يُلقي بمسؤولية القيادة العظيمة هذه على عاتقكم».
حينها أدلى بعبارةٍ بالغةِ الأثر، إذ قال: «في تلك الحادثة، وفي الطريق إلى المستشفى، كنتُ أستعيد وعيي حيناً وأفقده حيناً آخر. وفي تلك اللحظات، كنت أسأل نفسي: لو رحلتُ عن الدنيا الآن، فما الزاد الذي أملكه لآخرتي؟ إن ذكرتُ نضالي، سيقال إنك فعلت ذلك طلباً للثناء، وإن تحدثت عن خطبي ودروسي، فقد يقال إنها كانت طلباً للشهرة والبراعة في الخطابة... فقل لي: ماذا قدّمتَ؟ لقد رأيتُ حينها أن يدي فارغةٌ حقاً!».
انظروا إلى هذا الورع والتدقيق لدى هذا الإنسان الذي لم يكن يرى إلا الله، وقد رحل في نهاية المطاف وهو يحملُ زاداً وفيراً.
بحقّ، يجب أن يُطلق على هذا القائد لقب «مهندس اقتدار إيران الحديثة». فمن بين إرثه الخالد، يمكن الإشارة إلى إرساء دعائم الثقة بالنفس لدى الشعب الإيراني، وإعادة تعريف الاستقلال الاستراتيجي للبلاد في عالمٍ يغرق في التبعية، وبناء التنمية الأساسية في العلوم، وتوطين التقنيات؛ وقد تشكلت كل هذه الإنجازات في ظل نماذج ساطعة من نهجه المعنوي الذي سيظل محفوراً في ذاكرة الشرفاء.
لقد كان السيد الشهيد، بشهادة قرائن لا تُحصى، من بين القلائل الذين آمنوا بالله إيماناً حقيقياً؛ وبكلمةٍ واحدة، كان عاشقاً للرب، عاش عظيماً ورحل ببهاء.
سأكتفي بذكرى واحدة من بين مئات المواقف التي شهدتها في مجال عملي. فخلال تولّي مسؤولية مكتب التفتيش، تلقيتُ تقريراً بتوجيهٍ من سماحته للمتابعة، يتعلق بأحد الأشخاص من أهل السنّة في مدينة «مهاباد» بإقليم كردستان، كان قد اعتُقل وتُوفي أثناء التحقيق.
كان والد المتوفى، وهو شرطي متقاعد، قد كتب رسالةً إلى قائد الثورة على أمل الإنصاف، وكان الكثيرون من أبناء مدينته يسخرون من سذاجته، معتقدين أنه من المحال أن تصل رسالته إلى الشخص الأول في البلاد! إلا أن الرسالة وصلت، فأمرني القائد الشهيد بسعة صدر وتدقيقٍ شديد بأن أتقصى الحقيقة وأتعامل مع القضية بمنتهى الجدّية. شكّلتُ هيئةً وطلبتُ من رئيس القضاء تعيينَ قاضٍ ذي صلاحياتٍ كاملة، وانطلقت اللجنة إلى «مهاباد»، وقد دوّى خبرُها في المدينة كالصاعقة. كان الأهالي يشاهدون مشهداً غير مسبوق في حالةٍ من الذهول.
أمّا والد المتوفى، فقد خاطب مَن سخروا منه ومن إيمانه بالعدالة، قائلاً: «أرأيتم أنني كنتُ على حق؟ أرأيتم أن هذا الحكم يختلف عن غيره؟».
وفي النهاية، حُكم على الضابط المخطئ بالقصاص. رفعتُ التقرير إلى سماحته، وأخبرتُه بأنني كلفتُ مجموعةً للحصول على تنازل والد المتوفى لتحويل القصاص إلى دية، فأيّد ذلك.
وفي الختام، أُعفي الضابط الشاب من القصاص، ووُفّرت مبالغ مالية لعائلة القتيل لافتتاح مشروع تجاري. حين قدمتُ التقرير النهائي إلى سماحته، تبدّلت ملامح وجهه من شدة الفرح، واغرورقت عيناه بالدموع، وقال: إنّ «هذا العمل المستحق يتجاوز حدود التفتيش»، ثم دعا لي بالخير وأثنى عليَّ.
وختاماً، حظيتُ بشرف معرفة هذه الشخصية الشريفة منذ عام 1961م، حين كنتُ طالباً في مدرسة «حجتية» بمدينة قم.
إن شمولية شخصيته كانت نادرة الوجود؛ فهو إنسانٌ مؤمنٌ، تقيٌ، يتمتعُ بذكاءٍ استثنائي، وذاكرةٍ لا تضاهى، وقدرةٍ فائقةٍ على التخطيط. كان شخصيةً واعيةً في شتى المجالات الثقافية والتاريخية، ومديراً بعيد النظر ومبتكراً في صناعة الخطاب وبناء المؤسسات، فضلاً عن فهمٍ مذهلٍ للشؤون العسكرية التي أدهشت القادة، وسماتٍ أخرى جعلت منه قائداً حكيماً، جديراً بالقيادة، وخالداً في سجلات التاريخ.
وإنني لأؤمنُ تمام الإيمان، بأنّ التعرف على شخصية بهذه الأبعاد يتطلب مرور عقود من الزمن؛ فما إن ينقشع غبار التحيّز، حتى يُشيد الجميع ببراعة هذا القائد العظيم في قيادة دولة من العالم الثالث نحو مكانة القوة المؤثرة دولياً، وحينها سيذكر التاريخ السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه) بوصفه أسطورة كبرى.
