قراءة تحليلية مختصرة في حياة القائد الشهيد
الإمام الخامنئي؛ من الجهاد إلى الشهادة (2 / 2)
تُقدّم هذه المقالة قراءة إيجابية وموضوعية لجوانب من مسيرة هذه الشخصية العظيمة، التي لم تكن مجرد قائد سياسي فقط، بل كانت رمزًا دينيًا ومرجعًا روحيًا وقائدًا استثنائيًا، حوّل إيران من دولة تابعة إلى قوّة إقليمية كبرى، وأسّس لنموذج حضاري إسلامي فريد في العصر الحديث.
د. فاضل الشرقي
عضو المكتب السياسي لأنصار الله
المحور الرابع: الإرث الفكري والمرجعي.. زعامة روحية عالمية
1- المرجعية الدينية
على المستوى الديني، كان آية الله الخامنئي مرجعًا فريدًا في عصره «فريد عصره» كما وصفه ولده السيد مجتبى الخامنئي، وقد أثبتت التحديات الفقهية والاجتهادية الكبرى جدارته وأهليته الدينية العليا والعالمية أيضًا. وكتب آلاف الصفحات الفقهية والأصولية، وسطّر مئات الآلاف من الفتاوى الناضجة لأتباعه ومُقلدّيه في شتى أنحاء العالم، وأصدر عشرات الكتب في الفلسفة الإسلامية والأخلاق والشعر والأدب. ويُعتبر من أبرز المراجع المقلَّدين في إيران والعالم العربي والإسلامي، وينتشر أتباعه ومُقلّدوه في كل أنحاء العالم.
2- ولاية الفقيه وفقه المقاومة
لم يكن الإمام الخامنئي(رض) مجرد فقيه، بل كان مُنظّرًا لفقه جديد: «فقه المقاومة». وفق هذا الفقه، يجب على كل مسلم أن يقف في وجه الظلم والهيمنة مهما كانت التضحيات؛ لذا فقد جسّد نظرية «الفقيه القائد»، التي تقول إن المرجع الديني ليس فقط مصدرًا للفتوى، بل يجب أن يكون قائدًا سياسيًا وجهاديًا يقود الأمّة إلى برّ الأمان.
3- «المرجع» في العالم الإسلامي
نظر الكثير من أبناء السنّة والجماعة في العالم العربي والإسلامي إلى آية الله الخامنئي بوصفه «قائد المقاومة» الأوحد، متجاوزين بذلك الاختلافات الطائفية التقليدية. فقد كانت كتاباته وخطاباته تركز على قضايا الأمّة الكبرى: «فلسطين والقدس، والوحدة الإسلامية، والاهتمام بالمستضعفين ونصرتهم، ومواجهة الهيمنة والاستكبار، والتأكيد على ضرورة الحرّية والسيادة والاستقلال، ومقاومة التطبيع، ونبذ الفرقة والخلافات». هذه الرؤية الرشيدة والحكيمة جذبت إليه قلوب الملايين من المسلمين حول العالم، بمن فيهم أبناء البلدان العربية التي كانت أنظمتها تعادي إيران سياسيًا.
المحور الخامس: المواجهة مع الاستكبار.. الصمود في وجه «الشيطان الأكبر»
1- أمريكا.. العدوّ الرئيسيّ الأوّل
منذ مراحل الجهاد الأولى في سنوات مبكرة من العمر وإلى حين توليه القيادة السياسية ثم الولاية العامة وحتى استشهاده، كان الإمام الخامنئي بصيراً بأمريكا وخدعها وخبيراً بأساليبها وألاعيبها ولطالما كان يُردد مقولة الإمام الخميني: «أمريكا هي الشيطان الأكبر، والعدو الأول لإيران والثورة الإسلامية، والشعوب المستضعفة». فقد كان يرى أن أمريكا هي «رأس الحربة» للهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، والداعم الأول والراعي الأكبر لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وسبب كل مشاكل المسلمين والعالم، وأن أي تنازل معها أو خضوع لها هو «استسلام» و«خيانة». ولذا رفض -بشكل قاطع- أي انحناء أمام الضغوط الأمريكية والعقوبات القصوى، وعقد أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن، معتبرًا أن المفاوضات معها لا تجدي نفعًا، وأنه لا يمكن الوثوق بها.
ورغم المفاوضات غير المباشرة التي أدت إلى الاتفاق النووي في عام 2015، إلّا أنه ظلّ يحذر من خطورة الاطمئنان إلى أمريكا والغرب، والوثوق بها وتصديقها، وتقديم أي تنازلات سياسية أو قانونية تمسّ بمصالح إيران وسيادتها وحقوق شعبها. وعندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي في العام 2018 وأعاد فرض العقوبات القصوى، ثبت للجميع حكمة قائد الثورة وسداد رؤيته وبصيرته النافذة.
2- إسرائيل.. الغدة السرطانية التي يجب استئصالها
منذ بداية حركته الجهادية وصولاً إلى ولايته السياسية والقيادية العليا، ظلّ متمسكًا بمنهج الثورة وقيمها ومبادئها وخط الإمام الخميني الكبير، وعدائه المطلق لإسرائيل «الورم السرطاني في جسد الأمّة الإسلامية»، وكان يقول إن «تحرير فلسطين من النهر إلى البحر واجب شرعي وإنساني».
ولم يكتفِ بالتصريحات والمواقف الإعلامية والتأييد السياسي للقضية الفلسطينية، بل حوّل الكلمات إلى إجراءات فعلية وعملية في طريق زوال إسرائيل، فأرسل السلاح والمال والعتاد للفصائل الفلسطينية في غزة والضفة، وقدّم كل الدعم اللازم، وفتح معسكرات التدريب والتأهيل، وجعل من إحياء «يوم القدس العالمي» قضية رئيسية متصاعدة، وتقليدًا سنويًا حاشدًا في إيران وفي أنحاء العالم.
وكان في كل لقاءاته وكلماته وتوجيهاته يؤكد على حتمية زوال إسرائيل، ويقول: إن «الأجيال القادمة ستشهد زوال هذا الكيان الغاصب».
3- استراتيجية «الصبر الاستراتيجي»
تجلّت عبقرية الإمام الخامنئي(رض) العسكرية في نظريته الصبر الاستراتيجي والتي تعني: عدم الانجرار إلى حرب شاملة يريدها العدو في الوقت والزمان غير المناسبين أو الوقوع في حرب داخلية أو فتنة مذهبية وطائفية، وعمل عبر طرق ووسائل أخرى كان يراها أكثر إيلامًا ووجعًا وضررًا للعدو، وسعى في تقوية القدرات الذاتية وتطويرها، وبناء منظومة دفاعية وصاروخية هائلة، ودعم المقاومة المشروعة أينما وجدت.
وقد كفلت هذه الاستراتيجية بقاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظامها ومنظومة المقاومة رغم كل التحديات والضربات والمؤامرات الخبيثة للصهيونية العالمية؛ ورغم كلفة التضحيات الكبرى وفداحتها ومنها وفي مقدمتها استشهاده(رض) واستشهاد عدد كبير من القادة البارزين في إيران ومحور المقاومة، إلا أن كل ذلك لم يوهِن عرش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولم يفت عضدها، ولم يؤدِّ إلى سقوط النظام وإضعافه أبدًا، بفضل تدابيره الحكيمة، وترتيباته الصحيحة، وتوجيهاته السديدة؛ وهو الأمر الذي صدم الأعداء وأدهش الأصدقاء، وأذلّ أمريكا وإسرائيل، وأجبرها على التراجع والاستسلام والخضوع والنزول عند شروط إيران الكبرى في عدوانها الأخير.
المحور السادس: البُعد الإنساني والاجتماعي.. مُرشد الشعب وقائدهم
1- مشاهد الزُّهد والتواضع
على النقيض من حياة الفخامة والترف التي عاشها أباطرة النظام السابق ويعيشها زعماء عالم اليوم، تميّز الإمام الخامنئي بالزُّهد والتواضع. وعاش في منزل متواضع في طهران يفترش الحصير، ورفض أن يكون له قصر خاص يرفل هو وأسرته وأهله في نعيمه وزخارفه؛ وجسّد -بحق- سلوك جدّه العظيم أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع) وحياته وسيرته وكأنه يعيش في عصرنا الحاضر أو كأننا نعايشه.
ظلّ الخامنئي المقدّس (أعلى الله مقامه) قريبًا من شعبه، يعيش معهم ويعايشهم، ويلامس همومهم، ويعبر عنهم، ويتفانى في خدمتهم وحمايتهم والذود عنهم بكل جدٍّ وحيوية ونشاط وكأنه في ريعان الشباب، وكما تمثل يوماً حين قال:
«عمري إلى التسعين يركض مسرعًا والنفس واقفة على العشرين»
كانت تلك المشاهد والصور وهو يلتقي مع جميع فئات الشعب من يوم لآخر، ويعانق بعض الأولياء المحبين والمصافحين، ويجالس الفقراء والمساكين والمستضعفين، ويقدم الهدايا من جنابه ويده لمن طلبه وسأله تبركًا ورحمة، ويزور أسر الشهداء وروضاتهم، والجرحى وأهاليهم، تعكس صورة «الولي القائد» المتجرد من المادّيات، الزاهد في الدنيا، والمخلص لأهداف الثورة.
2- العلاقة بالشباب والعلماء
كان الإمام الخامنئي(رض) يولي الشباب اهتمامًا بالغًا، معتبراً إهمالهم «أكبر خطيئة». فشجّع الأبحاث العلمية الشابة، وخصص أوقاتًا للقاء طلاب الجامعات وأساتذتها، وأكد على ضرورة دعمهم والاهتمام بهم، وحثّ على تربية الأجيال القادمة على روح الجهاد والمقاومة.
كما كانت له علاقته المميزة الموقرة بالعلماء والحوزات وطلاب العلوم الدينية، علاقة الأب بأبنائه والأستاذ بطلابه؛ يعرفهم بأسمائهم ويهتمّ بشؤونهم ويحضر مجالسهم العلمية والأدبية الخاصة بهم.
3- المفكّر الكبير والقائد الاستثنائي
كان الإمام الخامنئي فيلسوفًا عظيمًا، ومفكرًا كبيرًا، ومنظّرًا استراتيجيًا رائدًا في الفكر والسياسة على مستوى العالم بأسره. تميّز بنشاطه المتجدد وحيويته المستمرة، وروحه الصلبة ورباطة جأشه، وعلوّ مكانته ومقامه في قلوب الإيرانيين خاصة وشعوب الإسلام قاطبة. وكانت طاقته وقدراته الفائقة تفوق ما يتمتع به الشباب من حيوية ونشاط، رغم تقدمه في السن.
لم يهدأ له بال، ولم يسكن له جأش، وكان دائم الجدّ والنشاط والعزم في متابعة شؤون إيران والمنطقة والمحور والعالم. ولا يكاد يمرّ أسبوع واحد إلا وله فيه عدد من اللقاءات المباشرة، إمّا مع كبار مسؤولي الدولة وموظفيها، أو العلماء والمتعلّمين، أو الأكاديميين، أو المهندسين، أو الأطباء، أو العمّال، أو الشباب، أو الطلاب والطالبات، أو المرأة الإيرانية، وحتى مع براعم الطفولة.
لقد كانت روحه العظيمة الملهمة منقطعة النظير، تركت إرثًا عظيمًا مباركًا، لا ينقطع غيثه ومدده وفوائده، سيظلّ يغذي الأجيال جيلاً بعد جيل.
4- القائد والوحدة الإسلامية.. مشروع القوّة الاستراتيجي
كان الإمام الخامنئي(رض) من أبرز دعاة الوحدة الإسلامية، ولم يكن ينظر إليها كخيار تكتيكي، بل قضية استراتيجية، يدرك تمام الإدراك أن بقاء الأمّة واستقرارها وسيادتها مرتبط بالتماسك والتآلف بين المسلمين، بعيدًا عن الخلافات الطائفية والمذهبية التي يسعى الأعداء لاستثمارها واستغلالها ويعملون على تغذيتها وتوسعتها.
لقد جسّد هذه الرؤية عمليًا بتأسيسه ورعايته المباركة لـ«المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية» منذ عام 1990، الملتقي الذي يعدّ وعاءً مؤسسيًا لوحدة الصف الإسلامي، ويضمّ في نشاطاته وفعالياته السنوية علماء ومفكّرين من مختلف المذاهب الإسلامية.
كما كان حريصًا على تنظيم «مؤتمر الوحدة الإسلامية» المنعقد سنويًا في طهران منذ تأسيسه في العام 1990، هو مؤتمر دوليّ يُنظّمه سنويّاً المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في أيّام ذكرى المولد النبوي أو ما يسمّى بـ«أسبوع الوحدة الإسلامية» بحضور ومشاركة علماء ومفكّرين وشخصيات بارزة إسلامية ووزراء الدول الإسلامية والعلماء والمفتين وأساتذة الجامعات من مختلف دول العالم ومن داخل البلاد، ليكون منبرًا للقاء العلماء وتبادل الرؤى وتعزيز التفاهم المشترك، كما كان يذكّر في كل مناسبة بخطورة مخططات الأعداء في بث الفرقة بين المسلمين ويحلل آلياتها وأدواتها.
5- القائد وإدارة المخاطر والأزمات
في جائحة كورونا الخطيرة التي ضربت إيران بقوّة، اتّخذ الإمام الخامنئي قرارًا حكيمًا وصائبًا بضرورة ابتكار وإنتاج لقاح إيراني خالص بأيدي العلماء والخبراء والشباب الإيرانيين لإنقاذ حياة الناس ووقايتهم من هذا الفيروس القاتل الذي كانت تقف وراءه بعض أنظمة الفساد والإجرام الدولية، وحرصًا منه على حماية الشعب الإيراني من خطر اللقاحات الأمريكية والبريطانية والغربية المستوردة، غير الآمنة والموثوقة، والتي قد تكون مصنّعة بيولوجيًا لتعطيل شعوب العالم الثالث، وكان هو أول مَن دشّن اللقاح بنفسه أمام عدسات العالم ليبعث برسالة أمن وسلام واطمئنان لشعبه العزيز، الذي ظلّ يحبّه ويحميه ويفديه طيلة حياته.
هذا القرار الحكيم أدّى إلى إنقاذ حياة مئات الآلاف من الإيرانيين، وأثبت قدرة إيران في المنافسة والابتكار، إذ عُدَّ عالميًا لقاحًا منافسًا لأقوى شركات الدواء العالمية. ولهذا بقي شعب إيران إلى جانبه، مدركًا أنه يريد حمايته من الخداع الدوائي الغربي.
المحور السابع: الاستشهاد.. اللحظة التي غيّرت كل شيء
1- لحظة الاغتيال
في فجر 28 فبراير 2026، وفي خضمّ حرب مفتوحة شنّتها أمريكا وإسرائيل على إيران، استُهدف مقر قيادة سماحة القائد في طهران بصواريخ موجهة وغارات جوية أمريكية - إسرائيلية مشتركة أدت إلى عروج روحه المقدسة إلى بارئها تعالى، واستشهاده مع بعض من أفراد أسرته الكرام؛ في جريمة أمريكية - صهيونية غادرة وغير مسبوقة، قوضت كل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وأجهزت على أسس النظام العالمي برمته، وكشفت عن الوجه الأمريكي - الصهيوني الأكثر إجرامًا وقبحًا وطغيانًا وفسادًا في الأرض.
رفض الإمام الشهيد مغادرة موقعه المبارك والذهاب إلى الملاجئ للاحتماء وشعبه يتعرض للضرب والقصف والاستهداف بلا ملجأ أو مأوى، وأصرّ على البقاء كسائر أفراد شعبه في ميدان الجهاد والعزّة والكرامة والإباء، وإن كان ثمن ذلك روحه وتمزيق جسده إلى أشلاء فداءً لشعبه وثورته وبلده الإسلامي ونظامه.
استشهد(رض) شهادة مقدسة مباركة لا مثيل لها على الإطلاق، وحّدت شعبه وأمّته، وبعثت فيهم الروح والحياة من جديد، وفي مقدمتهم مجاهدي الإسلام العظماء وحرس الثورة الشجعان الذين أمطروا العدو بصواريخ بأسهم وعزمهم وثأرهم وأسلحتهم ومسيّراتهم، ونكلوا به تنكيلاً، ودمّروا قواعده وحصونه وقلاعه تدميرًا، ببأس الله وقوّته، ودماء القائد الشهيد الفوّارة المتوقّدة الجارفة لأعداء الإسلام وأعداء شعب إيران المسلم.
رحل الجسد؛ لكن الروح ستبقى. إذ لا يمكن لأحد أن ينكر أن الإمام الخامنئي الشهيد كان استثناءً تاريخيًا، وأن أمّة الإسلام العصيّة على صخور التجزئة والاستكانة والذلّ، وجدت فيه صوتًا عالياً في وجه الاستكبار ويدًا صلبة قوية رافعة للواء العزّة والكرامة والإسلام.
لقد مثّل استشهاد القائد المجاهد الإمام الخامنئي(رض) حياة للشعب الإيراني بأكمله والأمّة جمعاء، وتذكيراً بأن الطريق طويل، وأن التضحيات الجسام هي الجسر الوحيد لعبور الهزيمة إلى الإنتصار والعبودية إلى الحرّية والسيادة والاستقلال، وأن قادة الأمّة هم أيقونة نصرها وثباتها ومجدها وخلودها على طريق الحسين(ع) وعاشوراء وكربلاء.
نعم، رحل القائد شهيدًا في رحاب الأنبياء والأولياء، ومحراب العبادة والجهاد والمقاومة؛ لكن إرثه الخالد باقٍ أبد الآبدين، وأمّة الجهاد والمقاومة باقية كذلك، وأن فلسطين ستحرر، وأمريكا وإسرائيل إلى زوال.
