الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • بمناسبة وداع وتشييع الإمام الشهيد المجاهد
العدد ثمانية آلاف وثلاثة وتسعون - ٠٥ يوليو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وثلاثة وتسعون - ٠٥ يوليو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

رواية 36 عاماً من البيعة بين الشعب والإمام الشهيد

يـدٌ لـَم تُـتـرَك

محسن سام
كاتب وباحث في التاريخ المعاصر


لم يكن الإمام الخميني(رض) مؤسس الثورة الإسلامية فحسب، بل كان مرساة صلابتها وبقائها. وفي الواقع، كان سماحته هُويّة الثورة وكلّ شيء فيها، وكان العدو يدرك ذلك جيداً.
إنّ سنوات النفي والابتعاد عن الوطن، وانتصار الثورة في أقصى العقد الثامن من عمره، جعلا فرصة إدراك حضوره وحكومته لا تتجاوز أكثر من عشر سنوات. وقد بعثت تجربة إصابته بنوبة قلبية عام 1980/ 1981م، وأخرى عام 1986/ 1987م، الأمل في نفوس الأعداء بأن قيادة الثورة تعاني مرضاً، وأنها لن تبقى على قيد الحياة مدة طويلة. كانت لديهم خطط دقيقة، وكانوا قد أعلنوا منذ سنوات أنهم يعدّون إيران ما بعد القائد المؤسس فرصةً للتحرك والعمل. أمّا في نفوس التيار الداخلي، فلم يكن تصور العالم بلا الإمام خميني يزيد إلا عالم مليء بالحيرة والقلق.
في مساء الثالث عشر من شهر خرداد عام 1368هـ.ش (3 يونيو/ حزيران 1989م)، أطلّ ذلك الخوف الدائم أمام تلك العيون القلقة.
ودّع الإمام الدنيا الترابية بقلب مطمئن وضمير هادئ؛ لكن الجميع واجهوا تجربة مهيبة وساحة امتحان كبرى ومزلزلة. لم تكن الإجراءات الورقية لإنهاء النزاع بين إيران والعراق قد اكتملت تماماً بعد، وكانت الحدود في حالة تأهب. وفي الوقت نفسه، كان مجلس صيانة الدستور، قد واجه ظروفاً جديدة من دون أن ينهي عمله. وفي النهاية، لم يكن قد مضى سوى بضعة أسابيع على إقالة الإمام(رض) للسيد منتظري من قيادة البلاد المستقبلية.
كانت هذه كلّها معالم مناسبة لحساب مادي بسيط يرى أن كل شيء مهيّأ للفوضى والاضطراب الاجتماعي، ويعتقد أن الجلسة المقبلة لمجلس خبراء القيادة، من أجل تعيين القائد المستقبلي، لن تكون جلسة سهلة ومريحة.
كان آية الله الخامنئي(رض) قد سمع، في زمن حياة الإمام الخميني(رض) بنفسه، أن يداً غيبية، كأنها، تهدي هذه النهضة، وكان ذلك باعثاً على اطمئنان قلبه وقلوب أصحابه. وكان هذا الاعتقاد نفسه قادراً على تحدي معالم حسابات العدو المادية. ولا سيما أن هناك عنصراً آخر أيضاً، جعل فشل حسابات العدو أكثر تحققاً، وهو: أن الشعب حاضر في الساحة.
في الرابع عشر من خرداد، أي صباح اليوم التالي لرحيل الإمام الخميني (4 يونيو/حزيران 1989م)، تضافر المسؤولون، وعملوا وفق البنى المحددة مسبقاً. وعُقد اجتماع بحضور مسؤولي البلاد، وقُرئت وصية الإمام(رض). وبعد مغادرة الأشخاص غير المرتبطين، انشغل ممثلو الشعب في مجلس خبراء القيادة بعملهم.
كان أذان المغرب قد بدأ للتو يُسمع، حين تسرّب ذلك الخبر الكبير شيئاً فشيئاً إلى خارج الجلسة: «لقد اختار مجلس خبراء القيادة السيد الخامنئي، رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للدفاع، خليفةً للإمام».
أصبح الخبر، صباح اليوم التالي، العنوان الأول للصحف، وانشغلت وسائل الإعلام الداخلية والخارجية بتغطيته. لكن الترحيب بهذا الاختيار السريع والذكيّ والشجاع كان قد بدأ من داخل مجلس الخبراء نفسه. فقد جاء المجتهدون الحاضرون في الجلسة، واحداً تلو الآخر، إلى القائد المنتخب وهنّأوه. وأعلنوا استعدادهم لمساندته، وكان هذا بداية الحراك الواسع لـ«البيعة» مع القائد الجديد للثورة الإسلامية.
كان آية الله الخامنئي(رض) لا يزال مستقراً في مبنى رئاسة الجمهورية. ومن هناك بدأ قيادته. ومن هناك بدأت أولى البيعات، التي تقدّمتها جميعاً بيعة القوات المسلحة. دخل جنود الحرس الثوري، وعسكريو الجيش المتأهبون، إلى مقرّ رئاسة الجمهورية، وضربوا بأقدامهم أمام القائد الجديد للنهضة.
ففي النهاية، كانت أول جماعة من داخل البنية السياسية لنظام الشاه بايعت الإمام المؤسس هي العسكريين، وموظفي القوّة المدللة لدى الشاه، أي القوة الجوية. إنّ بيعة العسكريين، أصلاً، تحمل في داخلها معنىً مهماً، وهي علامة إعلان وفاء أكثر أجزاء الحاكمية اتصالاً، لمن تُعقد له البيعة.
كان «أداء عهد الوفاء» هو التعبير الذي استخدمه آية الله الخامنئي(رض) لهذا الحراك. ولم تنحصر مجالس البيعة أبداً بالعسكريين، بل امتدّت للمسؤولين المختلفين في البلاد لاحقاً. صحيح أنهم جاؤوا سريعاً، وأعلنت الحكومة ونواب البرلمان ومجلس صيانة الدستور والجميع بيعتهم لقائد الثورة؛ لكن ما كان يملأ العيون ويعرض الأسس الراسخة للثورة والنظام والقيادة، كان روعة وفاء الأمّة.
بعد أيام، حين قبل سماحة القائد بيعة المسؤولين وعقد لقاءات مع بعض رؤساء الدول الأجنبية الصديقة، وصل الشعب أيضاً. كان الشعب، بالطبع، منذ اليوم الأول، قد حوّل مجالس عزاء إمامه الراحل إلى مجالس بيعة للقيادة أيضاً. وهناك، حيث كانوا يضربون على رؤوسهم وصدورهم حزناً على فراق الإمام الخميني(رض)، كانوا يسكّنون قلوبهم بوجود الإمام الخامنئي(رض).
أُعدّت إطارات الصور. طُبعت صورة القائدين، والسيدين المنحدرين من سلالة النبي الأكرم محمد(ص)، جنباً إلى جنب، وأُعطيت للشباب والشيوخ، والرجال والنساء. ولا سيما في طهران، في مصلى الإمام الخميني، ثم في بهشت زهراء ومرقد الإمام الخميني(رض)، حيث كان سواد الحشود الغفيرة من المعزّين مدهشاً، وحضورهم ليلاً ونهاراً متواصلاً، كان مشهد صورة القيادة الجديدة، واللافتات المكتوبة التي تدلّ على البيعة والدعم والثقة بآية الله العظمى الإمام الخامنئي(رض) يلفت الأنظار إليه.
بموازاة ذلك، أقيمت في جميع مدن البلاد مراسم البيعة للقيادة؛ لكن هذا لم يكن كافياً لعُشّاق الولاية. كانوا مشتاقين إلى رؤية الولي الحاضر، وسرعان ما شدّوا الرحال إلى العاصمة. وفي الوقت نفسه، أُعدّت في العاصمة ترتيبات جديدة. قُسّمت القوى البشرية في رئاسة الجمهورية. فانشغل عدد منهم بتنظيم الشؤون المرتبطة بمنصب رئاسة الجمهورية للسيد الخامنئي(رض)، واتجه البعض الآخر ومعهم بعض العناصر الوافدة حديثاً، لتولي الشؤون المرتبطة بمنصب قيادة الثورة. كانت إحدى أولى القضايا التي ينبغي إدارتها هي جلسات البيعة. وبعيداً عن اللقاءات السياسية والدبلوماسية، كان لابدّ أيضاً من أن يجد حضور الشعب ولقاؤه مع القيادة نظاماً وترتيباً.
كانت إحدى المسائل مسألة المكان. فإلى حين تحديد محل السكن الجديد ومكتب القائد، كان مقر رئاسة الجمهورية هو مقر القيادة أيضاً. لذلك كان ينبغي أن تُعقد اللقاءات العامة هناك أيضاً. جعلوا ساحة رئاسة الجمهورية مكاناً لاستضافة الناس، ولم يضيفوا إلى المكان سوى مظلة، ليقف القائد تحتها ويتحدّث إلى الشعب. كان ذلك كلّه في وقت كان فيه «الحاج محسن رفيق دوست» قد شمّر عن ساعديه لبناء حسينية كبيرة تكون مركز استضافة السيّد القائد للناس.
أمّا المسألة الأخرى فكانت تخطيط اللقاءات، وقد تولّت مجموعة العلاقات العامة في رئاسة الجمهورية وأفراد المكتب الجديد لقائد الثورة، الأمر. وبالتنسيق معهم، جاءت شرائح مختلفة من الناس، من أصناف وقوميات ومحافظات متعددة، إلى لقاء القيادة وأعلنت وفاءها.
لم يكن هذا المجيء، بالطبع، بسيطاً. فقد كانت بعض القوافل تنطلق من مدن بعيدة وتسير كيلومترات مشياً حتى تصل إلى طهران. وكان بعضهم يحمل معه عرائض وقّعوها بدمائهم. وازدهر كذلك سوق الشعارات والأناشيد المعلنة للبيعة مع القيادة. وكانت هذه الشعارات تختلف أيضاً تبعاً للشريحة التي جاءت أو القومية التي وصلت إلى العاصمة. وكان الإمام الخامنئي(رض) يراعي هذه الاختلافات في كلماته. كان ينظّم خطابه وفق الجمهور، وبعيداً عن بعض المقاطع الثابتة في خطاب هذه الجلسات، مثل شكر الناس والتأكيد على استمرار طريق الإمام(رض)، كان يُبيّن أيضاً نقاطاً مرتبطة بكل جمهور خاص. وبالطبع، قبل خطاب سماحته، كان شخص يتحدّث نيابة عن الحاضرين في الجلسة، فيعرّف الجمع الحاضر ويعلن بيعته وبيعتهم.
استمرت اللقاءات الشعبية حتى بعد ذلك بأشهر. ومن شهر آذر عام 1368هـ.ش (نوفمبر/ تشرين الثاني - ديسمبر/ كانون الأول 1989م) كان بناء حسينية الإمام الخميني(رض) قد اكتمل، وانتقلت لقاءات القيادة بعد ذلك إلى ذلك المكان. وكان الإمام الخامنئي(رض) قد انتقل، بالطبع، منذ مرداد 1368هـ.ش (يوليو/ تموز - أغسطس/ آب 1989م) إلى محيط ذلك المكان، وكانت تشكيلات رئاسة الجمهورية قد سُلّمت بالكامل إلى رئيس الجمهورية الجديد.
كان الناس يكتبون الرسائل أيضاً ويرسلون الهدايا أيضاً. وفي أول صلاة جمعة ألقاها الإمام الخامنئي(رض) بصفته قائداً، أظهروا حضوراً واسعاً. جعلت القيادة الجديدة خطبة الجمعة مقاماً لشكر الناس، وأثنت على بيعتهم. وبالنسبة إليه، كانت القيادة شأناً حقوقياً ومقاماً رفيعاً في الفكر الثوري للإسلام.
من هنا، وكما أنه لم يكن يرى نفسه وشخصيته الحقيقية في الوسط، كان يعلم أيضاً أن تعلق الناس وإظهار وفائهم لا يرتبطان بالأشخاص بقدر ما يرتبطان بالمقامات وبأصل اعتقادهم الإسلامي، وإن كان الجميع يعرفون أيضاً أن الحسن والمرح اللذين كانا في الشخصية الحقيقية للقائد الجديد للثورة جعلا إيمان الناس بأصل الولاية والنهج أعذب وأحلى.
لقد أظهر أعداء الثورة، في جميع السنوات التي تلت الثورة، أنهم حتى في أكثر الظروف خواءً لا ييأسون من بلوغ أمانيهم الفجة. كانت ملحمة البيعة العامة لآية الله السيد علي الخامنئي(رض) مبهرة وواضحة إلى درجة تكفي أي ناظر واعٍ وذكي كي يستغني عن كل تفكير ساذج؛ لكن، على الأقل، صرفت وسائل الإعلام التابعة للاستكبار العالمي، وأتباعهم، مدّة من الوقت في محاولة الطعن في اختيار القيادة الجديدة، ودفع بيعة الشعب والمسؤولين له إلى الهامش بتحليلاتهم الأسطورية. غير أن الشعلة كانت متقدة إلى حدّ أنهم كلما ألقوا عليها رماداً، استعرَ لهيبُها.
لقد أفشل الاختيار السريع لمجلس خبراء القيادة، والشخصية المقبولة للقائد المنتخب، واتحاد المسؤولين، وبيعة الشعب ومواكبته، جميع المخططات. لم يجرؤ العدو الخارجي، والخصم المحاذي لحدود إيران، على ارتكاب أي خطأ.
أمّا أعداء الثورة فلم يستطيعوا، مع كل برامجهم المحددة سلفاً والوعود التي أطلقوها في الأيام الأولى من رحيل الإمام الخميني(رض)، أن يفعلوا أكثر من إجراء مقابلات وإلقاء خطب. وكانت الأخبار التي تصل من النقاط الأمنية الحساسة في البلاد تشير أيضاً إلى عدم وجود أي تحرك. كان التحرك الأساسي محصوراً بأنصار الثورة في الشوارع المؤدية إلى محل استقرار القيادة الجديد.
إنّ آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي(رض) لم يترك يد بيعة الشعب حتى النهاية. لم يكن يثق بالشعب فحسب، بل كان يراه ركناً من أركان المشروعية. وكان يعرف، أفضل من أيّ أحد، أنه في قلب فتن الأعداء الخبيثة والحاقدة، يبقى الشعب هو ملاذ الأمان وركن الشرعية ومنبع الثورة. وقد أدى ذلك الولي الفقيه، وتلك الشخصية السياسية الفذّة، حق الشعب أيضاً، وأرشدهم إلى طريق الاستقلال والحرّية وتحقيق أمل حكومتهم الإسلامية.
أمّا الشعب، فقد واصل بسؤدد وإخلاص وتضحية سلسلة البيعة من عام 1368هـ.ش إلى 1404هـ.ش (1989م إلى 2026م).
ولا يشكّ كاتب هذه السطور في أنه لو كان لازماً وميسوراً، لكان أهل هذه البيعة أنفسهم حاضرين، بل كانوا سيتسابقون، ليجعلوا أرواحهم درعاً لبيت ومأوى قائدهم الأعزّ من أرواحهم، حتى لا يصيبه أذى، ولو بمقدار خدش واحد في جسده؛ لكن التقدير، وهو بالطبع متعلق بمشيئة الله تعالى في الانتصار النهائي للحق والحقيقة، جرى بأن ذلك الحبيب المنظور إليه بعناية، يدخل، متقدماً أمّته، في السير إلى عالم الملكوت، وأن يضع يد المبايعين في يد القيادة من بعده.
أمّا تشييع الجثمان الشريف لقائد الثورة الشهيد فسيكون أكثر روعة من مجالس بيعته، وحراك إعلان الوفاء للقائد الحي الحاضر السيد مجتبى الحسيني الخامنئي سيستحضر ذكرى استقبال الإمامين الخميني الكبير والخامنئي العزيز في الأذهان.
وكل هذا كامن في سرّ الولاية، ذلك السرّ الذي تزداد حرارته، في كل مرّة، اشتعالاً، وسيعمي أعداءه في إشعاع لمعانه.

البحث
الأرشيف التاريخي