عضو المجلس المركزي في تجمع العلماء المسلمين في لبنان للوفاق:
شهادة إمام الأمّة غيّرت المعادلات وأسقطت رهانات الأعداء
حين تدخل الأمم مراحل المواجهة المصيرية، تتحوّل القيادة من موقع إدارة الأحداث إلى صناعة مسارها. فالأزمات الكبرى لا تختبر القدرات العسكرية والسياسية فحسب، بل تكشف أيضاً مدى صلابة الرؤية، وقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها واستمرارها تحت أقسى الضغوط. وفي هذا السياق، برز قائد الثورة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) بوصفه شخصيةً محوريةً في قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال عقود من المواجهة مع الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، مستنداً إلى نهجٍ يقوم على الثبات، وبناء عناصر القوة، ورفض الإملاءات. في هذه المقابلة مع صحيفة الوفاق، يتناول عضو المجلس المركزي في تجمع العلماء المسلمين في لبنان الشيخ محمد الزعبي دلالات ثبات إمام الأمّة الشهيد، وتأثير استشهاده في مسار الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة، وانعكاسات ذلك على موازين القوى في المنطقة.
عبير شمص
ثبات الإمام الشهيد.. عقيدة راسخة واستراتيجية مواجهة
في بداية المقابلة، يشير الشيخ الزعبي لقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، مؤكداً أنّ «القول الثابت ليس عناداً فارغاً، بل ينطلق من رؤية واقعية وموضوعية إلى الكون والإنسان والحياة، ليصل إلى الحقيقة القاطعة بأنّ للوجود خالقاً عظيماً أراده لغاية عظيمة، تتحول هذه الحقيقة إلى قاعدة لحياته ومعارفه ومفاهيمه وقيمه ومواقفه، وتندمج بروحه وعاطفته لتتحول حالة عشق. وهي صورة الشجرة الثابتة كما صورها القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾، والباطل لابدّ أن يقدم عروضاه لأهل الحق كي يتنازلوا ولو قليلاً عن مبادئهم، وهنا يتجلّى ثبات الأنبياء في مواقف الإمام الشهيد(رض) مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ...﴾».
هكذا باختصار، يفهم الشيخ الزعبي ثبات الإمام الشهيد، فهو يعتبر أنّ «ثباته ينطلق أولاً من موقف شرعي يجعله يختار ما يرضي الله سبحانه. أمّا عواقب الأمور فيحتويها التسليم والرضا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. هذا الثبات الإيماني، والتوكل على الله والرضا بقضائه، والثقة به لا تعني ترك الإعداد والمقارعة، بل رسم الإمام استراتيجية تقوم على المقاومة والاقتدار، وقد واجه تهديدات العدو الصاخبة بتهديدات أرعبت العدو بهدوئها وثقتها، وقد تبين لاحقاً أنه لا يطلق تهديدات بلا رصيد، إذ تمكنت القوّة الإيرانية من تحطيم قواعد العدو، ومن تحييد أضخم بوارجه وحاملات الطائرات، التي لولا فرارها منهكةً بالضربات التي أعطبتها لغرقت في قاع البحر، ما يؤكد أنّ تهديد الإمام الشهيد بإغراقها كان تهديداً واقعياً مبنياً على معرفة بقدرات القوة الإيرانية».
ويلفت الشيخ الزعبي أنه «إلى جانب الموقف الإيماني وبناء القدرة العسكرية، كان واثقاً بخيار الشعب الإيراني، الذي لا يمكن أن يقبل بالتراجع أمام العدو، والذي أظهر نموذجاً عالمياً فريداً في التماسك والثبات والإلتفاف حول القيادة ودعم خياراتها، مجسداً قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾».
إستشهاد الإمام الشهيد(رض).. صدمة عالمية ورسالة صمود
يؤكد الشيخ الزعبي أنه لا شك أنّ «إستشهاد إمام الأمّة الشهيد أحدث صدمةً كبرى في العالم الإسلامي، فضلاً عن الداخل الإيراني، بل وعلى الصعيد العالمي، حيث ساد قلق دولي واسع بعد أن أسقطت الولايات المتحدة الأمريكية كل الأعراف والقيّم الدولية، بل لعل العالم أدرك سقطة أمريكا، ولذلك وجدنا أصدقاءها الأوروبيين وغيرهم يحتاطون، ويتجنبون دخول المستنقع الذي تورطت فيه، مستنقع سياسي وعسكري واقتصادي وحضاري، ولسان حالهم يقول: «انجُ سعد فقد هلك سعيد»».
أمّا في الداخل الإيراني، فيرى الشيخ الزعبي أنه «رغم فداحة المصاب، إلا أنّ ثقافة الشعب الإيراني وإيمانه بمفاهيم الشهادة والتضحية والعطاء، التي أسّسها القرآن الكريم، وطبّقها الإمام الحسين(ع) في كربلاء، إذ سبق لمؤسس الثورة والنهضة الإيرانية الإمام الخميني(قدس) أن قال: «كل ما عندنا من عاشوراء»... جعلت الشعب الإيراني يزداد تمسكاً بنهج الثورة، وعززت ثباته وصموده، فكان عطاء الإمام الشهيد بشهادته لا يقلّ عن عطائه في حياته، ولعل هذا كان سبباً مهماً من أسباب طلب الإمام للشهادة، فقد كان مدركاً أنّ شهادته ستضاعف قوة الجمهورية الإسلامية قيادةً وشعباً، وستجعل إرادة القيادة والجماهير صلبةً لا تنكسر، بل ستتكسر عندها عنجهية الطاغوت الأمريكي وربيبه الصهيوني، وستحدث تحوّلاً عالمياً، وهذا ما أكدته نتائج هذه الشهادة».
فشل رهانات إسقاط إيران وتفكيك محور المقاومة
يرى الشيخ الزعبي أنّ «الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني راهنا على أنّ نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية سيسقط باغتيال الإمام الشهيد، وبالتالي فإنّ محور المقاومة سيتفكك؛ لكن هذا الرهان فشل، وبدل أن يختل توازن الصراع لصالح الولايات المتحدة والعدو الصهيوني، فإنه زاد قدرة الردع الإيرانية، وأصبح تلاحم القيادة مع الجماهير أشدّ، وتراجع خطاب العدو عن فكرة إسقاط النظام التي اكتشف أنها غير واقعية».
ويضيف: «هذا التماسك وهذه الصلابة الإيرانية الداخلية زادت من تماسك محور المقاومة، وعززت صلابة إرادته، وقد عبّر حزب الله في بيانه الأوّل بعد استشهاده أنّه استأنف القتال مع العدو بعد صبر خمسة عشر شهراً ثأراً لدماء الإمام الشهيد. وكذلك اليمن، حيث وقفت القيادة اليمنية إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ورغم عدم الحاجة لتدخلها عسكرياً، إلّا أنّه بإطلاقه الصواريخ ضدّ الكيان الصهيوني، أكد على وحدة الساحات، وعلى تماسك محور المقاومة».
إستشهاد القائد.. وإعادة رسم معادلات المنطقة
يرى الزغبي أنّ «استشهاد الإمام الشهيد كشف متغيرات جديدة في الإقليم، أبرزها تراجع الثقة بالحماية الأمريكية، بعدما أثبتت التطورات أنّ القواعد الأمريكية عاجزة حتى عن حماية نفسها، فضلاً عن حماية حلفائها. كما أظهرت المرحلة الجديدة، وفق رأيه، أنّ صبر الجمهورية الإسلامية طوال العقود الماضية لم يكن نابعاً من ضعف، بل من رؤية استراتيجية، الأمر الذي سيدفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إيران، والانفتاح على مقاربة جديدة للأمن الإقليمي».
إيران بعد الإمام الشهيد(رض).. دولة مؤسسات ورسائل قوّة
يلفت الشيخ الزعبي أنّ «الانتقال السلس لأعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحت نيران الحرب والقصف، وبما يتفق مع الأصول الدستورية والقانونية، ودون حدوث أيّة بلبلة أو فوضى... كل ذلك أثبت أن الجمهورية الإسلامية دولة مؤسسات صلبة وقوية وقادرة أن تدير أزماتها بنجاح».
ويشير إلى أنّ «هذا الصمود وهذا التماسك بين مؤسسات الدولة والشعب أوصل العدو الأمريكي والصهيوني إلى حالة إحباط وإرباك وتناقض في الخطاب، نتيجة اليأس من إمكانية تغيير النظام أو هزيمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، مؤكداً أن «طهران بعثت بجملة من الرسائل الاستراتيجية والميدانية، أبرزها أنّ استمرارية النظام لا ترتبط بالأفراد، بل على أداء جماعي لمؤسساته، مما يضمن الاستمرارية رغم اغتيال القادة، وأنّ قدراتها الردعية مازالت قائمة، إلى جانب تمسكها بحقوقها، واعتمادها على شرعيتها الشعبية، وتعزيز تحالفاتها الدولية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين التي أدركت أنّ إيران حليف قوي واستراتيجي لا ينبغي التفريط به».
