الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • بمناسبة وداع وتشييع الإمام الشهيد المجاهد
العدد ثمانية آلاف وثلاثة وتسعون - ٠٥ يوليو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وثلاثة وتسعون - ٠٥ يوليو ٢٠٢٦ - الصفحة ۳

قراءة تحليلية مختصرة في حياة القائد الشهيد

الإمام الخامنئي؛ من الجهاد إلى الشهادة (1 / 2)

تُقدّم هذه المقالة قراءة إيجابية وموضوعية لجوانب من مسيرة هذه الشخصية العظيمة، التي لم تكن مجرد قائد سياسي فقط، بل كانت رمزًا دينيًا ومرجعًا روحيًا وقائدًا استثنائيًا، حوّل إيران من دولة تابعة إلى قوّة إقليمية كبرى، وأسّس لنموذج حضاري إسلامي فريد في العصر الحديث.

د. فاضل الشرقي
 عضو المكتب السياسي لأنصار الله

تمهيد: في رحيل القائد
في ١٠ رمضان ١٤٤٧هـ الموافق 28 فبراير 2026، وبعد حياة حافلة بالجهاد والعطاء والدروس والعبر، ارتقى إلى بارئه تعالى علم كبير من أعلام الجهاد والإسلام سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، قائد الأمّة والثورة الإسلامية، شهيدًا في قصف أمريكي - إسرائيلي استهدف مقر إقامته في طهران. كان رحيل القائد -الذي صمد طيلة أربعة عقود في وجه أعتى قوى الاستكبار العالمي- إيذانًا بمرحلة جديدة، ليس لإيران فقط، بل لمنطقة غرب آسيا برمّتها.
تُقدّم هذه المقالة قراءة إيجابية وموضوعية لجوانب من مسيرة هذه الشخصية العظيمة، التي لم تكن مجرد قائد سياسي فقط، بل كانت رمزًا دينيًا ومرجعًا روحيًا وقائدًا استثنائيًا، حوّل إيران من دولة تابعة إلى قوة إقليمية كبرى، وأسّس لنموذج حضاري إسلامي فريد في العصر الحديث.
كان الإمام الخامنئي(رض) هدفًا رئيسيًا لأمريكا وإسرائيل منذ وقت مبكر، ولم تكن جريمة اغتياله وليدة اللحظة، بل كانت تتويجًا لمسلسل طويل من التخطيط والتربص. فاستهداف القائد الكبير الحاج قاسم سليماني، واستهداف القادة الكبار في غزة ولبنان والعراق واليمن وإيران، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في حرب الـ12 يوم (يونيو 2025)، لم تكن سوى توطئة وتوطين لهذا الاستهداف المباشر.
قبل الاستهداف المباشر بأشهر معدودة، نفّذت أمريكا عملية نوعية في فنزويلا، أسفرت عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى أراضيها، سعياً منها لصناعة «نصر استراتيجي» يهدف إلى إرعاب طهران وقادتها التي تخشى مواجهتهم منذ أمد طويل، وحمل رسالة شديدة اللهجة مفادها: «نحن قادمون، وهذا مصيركم». كانت تلك العملية محاولة لهزيمة إيران نفسيًا، وشلّ قدرتها على الجهاد والمقاومة، وكسر إرادة محورها قبل أن توجه عدوانها وهجومها لقلبه النابض: الإمام الخامنئي.
المحور الأول: النشأة والتكوين.. من مشهد إلى قمّة الثورة

1- الجذور والنشأة الأولى
وُلِد السيد علي الحسيني الخامنئي في 19 أبريل/ نيسان 1939 في مدينة مشهد المقدسة، المدينة التي تضمّ مرقد الإمام علي بن موسى الرضا(ع). نشأ في أسرة دينية متواضعة؛ كان والده، العالم الجليل جواد الخامنئي، من علماء الدين المعروفين في مشهد، مما وفّر له بيئة إيمانية وعلمية منذ نعومة أظفاره، كما قال هو في حديثه المسجل عن والده.
بدأ دراسته الحوزوية في سن مبكرة؛ فحفظ القرآن ودرس المقدمات في مشهد، ثم انتقل إلى مدينة قم المقدسة عام 1958 ليواصل دراسته الحوزوية العليا في حوزتها العلمية العريقة، التي كانت وما زالت منارة للعلوم الدينية في العالم الإسلامي.
وفي قم، التقى بمعلّم الروح وقائد المسيرة، الإمام روح الله الموسوي الخميني(رض)، فانجذب إلى فكره الثوري ونظرته السياسية للإسلام القائمة على رفض الهيمنة وإقامة الدولة الإسلامية.

2- صحوة الوعي ونذر الثورة
قبل الحدث الأكبر بسنوات، كان الشاب علي الخامنئي يعيش لحظة مفصلية في حياته. كان في الثالثة عشرة من عمره عندما سمع خطيبًا ثائرًا يهاجم النظام الملكي في مسجد فلكلور في مشهد سنة 1952، فاشتعلت في قلبه شعلة الوعي تجاه الأفكار الإسلامية الثورية وضرورة الكفاح ضد دكتاتورية الشاه وداعميه الأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين.
ومع انطلاق الموجة الثورية بقيادة الإمام الخميني(رض) في أوائل ستينيات القرن العشرين، التحق الخامنئي بالحركة، وكان أحد القادة الميدانيين للثورة في مشهد وخراسان. وتعرض للاعتقال ست مرّات من قبل جهاز السافاك (المخابرات السرّية للنظام الملكي) بسبب نشاطه الثوري، وأُبعد إلى المناطق الحدودية؛ لكنه لم يلن ولم يستكن. هذه المحن المبكرة صقلت شخصيته القيادية وأعدته للمسؤولية العظمى التي تنتظره. 
المحور الثاني: بعد الثورة.. من ساحة الحرب إلى كرسي القيادة

1- ثورة 1979.. ميلاد نظام جديد
مع انتصار الثورة الإسلامية في فبراير 1979 وسقوط نظام الشاه العميل، كان السيد الخامنئي من القيادات البارزة في مجلس الثورة وأحد مؤسسي النظام الجديد، وتولّى مهام أمنية وعسكرية حسّاسة؛ كان نائبًا لوزير الدفاع، ومشرفًا على شؤون الحرس الثوري الناشئ، وإمامًا لصلاة الجمعة في طهران وخطيبها. وقد برز خطيباً مفوهاً وثورياً ناضجاً وصوتاً جذاباً، يشرح أهداف الثورة ويحشد لحراستها ويواجه حملات التضليل الإعلامي الغربية.

 2- الحرب المفروضة ورئاسة الجمهورية
في سبتمبر 1980، وفي خيانة عربية - صهيونية مقيتة، أقدم صدام حسين على شنّ حرب ضدّ إيران بدعم وتوجيه أمريكي بالدرجة الأولى، مستغلاً حالة الفوضى التي خلّفها النظام المطرود، والظروف التي أعقبت الثورة ومحاولًا إجهاضها في مهدها.
وهنا كانت محطة فارقة في حياة الخامنئي، فقد لبس لباس الجندية (البزّة العسكرية) وانتقل إلى جبهات القتال، وكان ممثلًا للإمام الخميني في المجلس الأعلى للدفاع، وزار الخطوط الأمامية مرّات عديدة. في أكتوبر 1981، بعد اغتيال الرئيس محمد علي رجائي، انتخب الإمام الشهيد السيد الخامنئي رئيسًا للجمهورية الإسلامية بأغلبية ساحقة بلغت 95% من الأصوات. وتولّى الرئاسة في أحلك ظروف الحرب، حيث كان النظام الجديد يواجه عدوانًا مدمّرًا من النظام الصدامي المدعوم دولياً، وعقوبات اقتصادية خانقة، وحربًا إعلامية ضارية.
قاد الرئيس الخامنئي سفينة الدولة بثبات، وأشرف على «فتح خرمشهر» في 1982، النصر العظيم الذي طوى صفحة الانكسار وأظهر قدرة إيران على الصمود والهجوم. كما أدار الحرب في سنواتها الأخيرة، وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 598 الذي قضى بوقف إطلاق النار في 1988، وحينها دخلت إيران وكذلك السيد خامنئي في مرحلة جديدة وظروف طارئة هي مرحلة ما بعد الحرب وظروف وفاة الإمام الخميني(رض) قائد الثورة ومرشدها ومؤسسها الأول.

3- محاولة الاغتيال: الشهيد الحيّ
في يونيو 1981، وأثناء إلقائه خطبة الجمعة في مسجد أبوذر في طهران، فجّر عملاء زمرة خلق الارهابية قنبلة مخبأة في جهاز تسجيل، مما أدى إلى إصابته إصابة بالغة في شقه الأيمن، دخل معها في غيبوبة مؤقتة وخضع للرقود السريري في أحد مستشفيات طهران.
نجا آية الله الخامنئي بأعجوبة؛ لكن ذراعه اليمنى أصيب بشلل دائم لازمه حتى آخر أيام حياته، وأثرت الإصابة على رئتيه وحباله الصوتية. هذه الحادثة جعلته «شهيدًا حيًا» في قلوب الإيرانيين، ورمزًا للصمود والإرادة التي لا تلين، وزادته إصرارًا على مواصلة طريق الثورة والجهاد. 
المحور الثالث: القيادة العليا.. ثلاثة عقود ونيف من الصمود والبناء

1- القيادة العليا: قصة إرادة
بعد توقف الحرب وتحديداً في 3 يونيو 1989، عرجت روح الإمام الخميني(رض) إلى بارئها (عزّوجلّ) عن عمر يناهز 87 عامًا، مخلّفًا فراغًا هائلاً في قيادة الأمّة. حينها كان السيد الخامنئي -الخمسيني- رئيساً للجمهورية الإسلامية وشخصيةً مرموقةً لدى الشعب الإيراني وعلمائه ونخبه، وحينها أصبح هو المرشح الأوفر لخلافة الإمام الخميني؛ نظراً لرصيده الثوري والجهادي، وكفاءته العلمية والدينية، ولما يتمتع به من خبرة وتجربة وحنكة وسياسة، ولأنه كان كذلك في نظر الإمام الخميني الراحل الذي كان يطري عليه في مجالسه ويؤمل فيه أهلية القيادة، وفي جلسة مطولة وبعد نقاش مستفيض بين أعضاء مجلس الخبراء وقع الاختيار على السيد الخامنئي ليكون القائد الجديد لإيران.
الأمر الذي مثّل نقطة تحول كبرى في حياته، فالقائد الجديد لن يكون مجرد قائد سياسي، بل سيكون قائداً أعلى للثورة الإسلامية وخلفًا فكريًا وثوريًا وروحيا للإمام الخميني العظيم.

2- بناء الدولة: من الضعف إلى القوّة
خلال السنوات الأربع والثلاثين التي تلت سنوات الحرب العراقية على إيران، قاد الإمام الشهيد إيران إلى مصاف الدولة المتقدمة والحضارية، وحقق إنجازات هائلة جعلت من إيران دولة كبرى لا يستهان بها في مجالات عديدة.

أ) في المجالين الأمني والعسكري:
تحت قيادته تطوّرت الأجهزة الأمنية والعسكرية تقدماً ملحوظاً، وتقدّم الجيش الإيراني على جيوش المنطقة، وتطوّر «الحرس الثوري» من مؤسسة أمنية إلى قوة إقليمية عابرة للحدود. وأولى الإمام الخامنئي «قوّة القدس» إهتماماً خاصاً، باعتبارها قوة مهام واختصاصات خارجية، تعنى بشؤون القدس وفلسطين وتحريرها، بقيادة القائد الشهيد الفريق قاسم سليماني، ولنشر أهداف الثورة ودعم قضايا المظلومين والمستضعفين في العالم.
كما طوّرت إيران قدراتها الصاروخية وأصبحت تمتلك ترسانة صواريخ قوية في المنطقة، من مسيرات وصواريخ باليستية ومجنحة، تصل مدياتها إلى قلب كيان الاحتلال الإسرائيلي، وتطال كل القواعد الأمريكية في المنطقة.
كما عمل في السنوات الأخيرة على تطوير قدرات دفاعية جوية وبحرية متقدمة. وأسّس الصناعات العسكرية الثقيلة التي حوّلت إيران من دولة مستوردة إلى دولة مصدّرة للأسلحة والمعدات العسكرية.

ب) في المجالين العلمي والتكنولوجي:
رغم الحصار والعقوبات الخانقة، شهدت إيران طفرة نوعية في العلوم والتكنولوجيا، حيث أصبحت واحدة من الدول القليلة في العالم القادرة على تخصيب اليورانيوم، وأطلقت أقمارًا صناعية إلى الفضاء، وامتلكت تقنيات النانو الطبية والصناعية المتطورة، وبلغ الإنتاج العلمي الإيراني مراتب متقدمة إقليميًا وعالميًا.
وقد كان الإمام الخامنئي هو المشجع الأكبر للعلماء والباحثين، وكان يعتبر أن العلم قوة، ومَن لا علم له لا قوة له.

ج) في المجال الاقتصادي:
استطاعت إيران تحت قيادته -رغم العقوبات الاقتصادية الخانقة التي فرضتها أمريكا وأوروبا- أن تحقق اكتفاءً ذاتيًا في الكثير من السلع الصناعية والزراعية والدوائية. وأسّس «الاقتصاد المقاوم» الذي جعل إيران أقلّ تأثرًا بالضغوط والعقوبات الخارجية، وقادها نحو تحقيق الأمن الغذائي والدوائي والصناعي.

3- قيادة محور المقاومة.. تحويل الأحلام إلى واقع
يُمثل «محور المقاومة» أعظم إنجازات قائد الأمّة على المستوى الجيوسياسي. فقد بنى تحالفًا استراتيجيًا من القوى والأحزاب والفصائل المسلحة في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن، جعل من إيران قلبًا نابضًا لمشروع إسلامي مقاوم للهيمنة الصهيو - أمريكية.
المقاومة الإسلامية في لبنان «حزب الله»:
تحت قيادة الشهيد العظيم الإمام السيد الخامنئي، تحوّل حزب الله من مجرد مجموعة محلية إلى أقوى قوة عسكرية وسياسية في لبنان والمنطقة، وأصبح رأس الحربة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقاد الجهاد والمقاومة وصولاً إلى التحرير الكامل في يونيو 2000.
كما دافع حزب الله عن لبنان وصدّ الغزو الإسرائيلي في يوليو 2006، وأصبح يهدد العمق الإسرائيلي بصواريخه الدقيقة والمُسدّدة، بقيادة أمينه العام الشهيد السعيد السيد حسن نصر الله، الذي استشهد برفقة عدد من قادة الحزب في هجمات جوية صهيونية غادرة في 27 سبتمبر 2024 في معركة إسناد غزة.
حماس والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة الفلسطينية:
فتحت إيران ذراعيها لفصائل المقاومة الفلسطينية، وقدّمت السلاح والمال والتدريب، مما جعلها قادرة على خوض معارك التحرير ومواجهة كيان الاحتلال الإسرائيلي. وكانت عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023، التي أسقطت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، ثمرة هذا الدعم الذي استمر لعقود بقيادة الإمام العظيم الخامنئي.
اليمن «أنصار الله»:
حين بدأ العدوان السعودي - الأمريكي على اليمن في 2015، لم تترك إيران الشعب اليمني وحيدًا. فقد قدّمت دعمها العسكري والتقني لأنصار الله، الذين تحولوا إلى قوة قادرة على استهداف العمق السعودي والإماراتي والاحتلال الإسرائيلي، والمواجهة المباشرة مع أمريكا وبريطانيا وإسرائيل في عدوانهما المباشر على اليمن 2023/2025، وفرض حظر الملاحة البحرية على كيان الاحتلال في باب المندب والبحر الأحمر حتى يوقف عدوانه وحصاره عن غزة.
المقاومة الإسلامية العراقية:
بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، أسهمت إيران في ملء الفراغ الذي تسبب فيه الأمريكيون، وبناء مؤسسات جهادية وسياسية وعسكرية واسعة، تعمل على مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق وزعزعة نفوذه وهيمنته بما يحقق للشعب العراقي حريته وسيادته وحقوقه.
كما ساعدت في تشكيل «الحشد الشعبي» الذي حارب تنظيم داعش الإرهابي ومنع سقوط العراق في براثنه.
وأصبحت فصائل المقاومة العراقية جزءًا لا يتجزأ من محور المقاومة، موجعة للوجود الأمريكي في العراق وشوكة في حلق كيان الاحتلال الإسرائيلي.
يُتبع...

البحث
الأرشيف التاريخي