الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • بمناسبة وداع وتشييع الإمام الشهيد المجاهد
العدد ثمانية آلاف واثنان وتسعون - ٠٤ يوليو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف واثنان وتسعون - ٠٤ يوليو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

روايات من السيرة الذاتية لسماحة قائد الثورة الإمام السيد مجتبى الخامنئي

مجموعة من الروايات من السيرة الذاتية لسماحة قائد الثورة الإسلامية آية الله الإمام السيد مجتبى الخامنئي (دام ظلّه العالي) مأخوذة من مذكّرات حجّة الإسلام مقدّمي شهيداني (أستاذ السطوح العليا في الحوزة ومن تلامذته المقرّبين)، وحجّة الإسلام كرم‌زاده (أستاذ السطوح العليا في الحوزة ومن تلامذته المقرّبين) .

من ظلال الحرم إلى رمال الجبهة
كان ذلك في عام 1348هـ.ش. في الأزقّة المتشعّبة المؤدّية إلى حرم الإمام الرضا(ع) المطهّر، شهد بيت صغير لكنه مفعم بنور العلم والتقوى ولادة الابن الثاني للسيد علي. أطلقوا عليه اسم «مجتبى»؛ ذلك الطفل الذي كان مقدَّرًا له أن ينمو في كنف أبٍ هو بنفسه جبل من الثبات وبحر من المعرفة. كانت مشهد، بقبتها الذهبية، أوّل معلّم له.
مضت الأعوام، حتى بلغ «مجتبى» سنّ الشباب. وحين كانت غبار الحرب قد استقرّت في إيران، توجّه إلى طهران ليلزم حلقة الأدب والعلم في مدرسة آية الله مجتهدي، ويتعلّم أبجدية الدين. غير أنّ روحه كانت أكبر من أن تبقى بين جدران المدرسة وحدها. فعندما ارتفع نداء الإمام: «هل مِن ناصر؟»، استبدل السيد مجتبى القلم بالبندقية. والتحق بالمجاهدين في «كتيبة حبيب» التابعة للفرقة 27 محمد رسول الله(ص)، وارتدى الزيّ الجهاديّ ومضى إلى الجبهة. وهناك تعلّم أن الفقه لا يوجد في الكتب وحدها، بل يتجلّى أيضًا في بذل النفس والايثار في سبيل الله.
الهجرة إلى مدينة المعصومة(س) وميثاق نور آخر
من قصص السيرة الذاتية لسماحة السيد مجتبى الخامنئي انّه عندما انتهت الحرب، شدّ السيد مجتبى الرحال عام 1368هـ.ش، وكان المقصد هو مدينة النهوض والقيام «قم». فلاذ بظلّ القبة الطاهرة للسيدة المعصومة(س). أمضى ثلاث سنوات كاملة، يملأ أيامه بهمسات العلم في الحجرات، ويحيي لياليه بالتهجّد.
لكن عام 1376هـ.ش. كان نقطة تحوّل في حياته؛ ففيه التقتى طريقان من نور. فقد عقد مجتبى قرانه على فتاة تنتمي إلى سلالة العلم والشهادة؛ «السيدة الشهيدة زهراء حدّاد عادل». وفي الأيام الأولى من حياتهما المشتركة، هاجر للمرة الثانية إلى قم. وهذه المرة لم تكن هجرته مجرد رحلة علمية، بل كانت هجرة لطلب الفيوضات المعنوية. وهناك بدآ حياة بسيطة في قم، ليشيّدا، في جوار حرم الكريمة، صرحًا علميًّا ومعنويًّا كبيرًا.
في محضر شيوخ العلم؛ سبعة عشر عامًا حافلة
لم يتّكئ على علوّ اسم والده، ولم يغترّ بذكائه الفيّاض، بل جلس بتواضعٍ فصار مضرب المثل في مجالس الأكابر. تعلّم الأخلاق في محضر آية الله أحمدي ميانجي، ونهل من علم آية الله أستادي وأوسطي. أمّا ذروة مسيرته العلمية، فكانت سبعة عشر عامًا متواصلة في دروس البحث الخارج. كان يرتاد مجلس آية الله العظمى الشيخ جواد التبريزي، ويجلس في حلقة آية الله وحيد الخراساني، ويرتوي من دقّة آية الله شبيـري الزنجاني. كما حضر دروس آقا مجتبى الطهراني والشيخ محمد مؤمن القمي. لم يكن السيد مجتبى مجرد مستمع، بل كان يكتب التقارير العلمية باللغة العربية، ويناقش أساتذته نقدًا وتمحيصًا دقيقين. وقد بلغت هذه الحرّية العلمية حدًّا جعل كبار الحوزة يلتفتون إلى هذا الطالب المجدّ بإعجاب. 
المدرسة العلمية للسيد مجتبى الخامنئي
ذلك النبوغ المتّقد في داخله امتزج بروح «الحرّية العلمية». فقد غاص في أعماق تاريخ الفقه، وأولى اهتمامًا خاصًّا بـ«الارتكاز في عصر المعصوم». وكان يقيم في ذهنه ساحة حوار بين آراء كبار العلماء، فيصقل آراء الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني بنظرات الإمام الخميني(رض) العميقة، وكانت النتيجة ولادة «منظومة فكرية» متكاملة.
فقد قدّم أطروحات جديدة في مسائل من قبيل «حقيقة الحكم الشرعي» و«مسار تطوّر الكتب الحديثية». وأسس مدرسة تجمع بين الدقّة الرجالية والفهم الحضاري.
ومنذ ذلك الحين، صار الحديث في أوساط الحوزة يدور حول «المدرسة العلمية للسيد مجتبى»؛ ذلك الشاب الذي كان يرسم بقلم حادّ معالم جديدة للفقه والأصول الشيعية.
من كرسي التلمذة إلى محراب التحوّل
بدأت قصة تدريس السيد مجتبى من مدرسة آية الله مجتهدي. ففي عام 1374هـ.ش، حين جلس على كرسي تدريس كتاب «المعالم»، غيّرت توصية واحدة مجرى الطريق. فقد تحدّث والده الجليل عن ضرورة التحوّل وأهمية أفكار «الشهيد الصدر». فتوقّف السيد مجتبى عن التدريس التقليدي، واتجه إلى تدريس «الحلقات» للشهيد الصدر(رض).
في عام 1377هـ.ش، بدأ في بيت الإمام الخميني الشريف في قم تدريس «الرسائل» و«المكاسب». وكان تلامذته يرون كيف يحلّ العقد العلمية المستعصية. ولم يطل الوقت حتى دخل ميدان «درس الخارج» الصعب، وبدأ أولًا ببحث «الصلاة» بصورة خاصة مع تلامذته، فاتحًا بذلك طريق الاجتهاد الحيّ.
صدى الاستدلال في صحن الفيضية

في عام 1386هـ.ش، استضافت مدرسة «الفيضية» المباركة كرسي تدريسه. وفي عام 1388هـ.ش، وبطلب من عدد كبير من الطلاب، أُقيم كرسي «البحث الخارج في الفقه العام» في مكتبه بمدينة قم. وبعد عام واحد، انطلق رسميًّا أيضًا درس الخارج في الأصول، وتقدّم حتى بلغ المباحث الدقيقة في «الاستصحاب».
كان مشهد الدرس لافتًا؛ إذ كان يدوّن قبل دخوله إلى المدرسة كامل مسار البحث بقلم راسخ ومنهج منظم. كان كمهندس يحمل مخطّط البناء الدقيق بين يديه. وكان التلامذة يشاهدون أستاذهم يعيد كتابة المباحث بقلمه حتى بعد انتهاء الدرس؛ وهي كتابات تقف اليوم على أعتاب النشر بوصفها كنزًا علميًّا.
تفسير القرآن ونجواه في ضيافة التواضع
من قصص السيرة الذاتية لسماحة السيد مجتبى الخامنئي انّه في مجلسه العلمي، كان العلم ممتزجًا بالمعنوية. فكان يخصّص جزءًا من الدرس لـ«تفسير القرآن»، بما يحويه من نكات أصيلة ومبتكرة. غير أن جمل ما في المجلس كان «اللقاءات الودّية»، ففي الفترات الفاصلة بين الدروس، كان يجلس بين طلابه، فتزول الحدود بين الأستاذ والتلميذ.
وكان يصغي بصبر لا ينفد إلى الإشكالات العلمية، بل أحيانًا في إطار حوارات هاتفية طويلة. وكان يسعى إلى تربية «مجتهد»، ويكلّف الطلاب بأن يعرضوا هم أنفسهم التفريعات العلمية. ففي هذه المدرسة، كان الخلق والتواضع جناحين للتحليق العلمي.
الصمت المفاجئ للمنبر؛ ولغز القرار
في خريف عام 1402هـ.ش، وبينما كان أكثر من 1300 شخص قد سجّلوا لحضور درسه، فاجأ السيد مجتبى الجميع في الجلسة الأولى بإعلان «تعطيل الدرس». وقد أحدث هذا الخبر صدمة كبيرة في الحوزة. كتب ألف طالب رسالة، وتوسّط كبار العلماء؛ لكنه وصف السبب بأنه أمر «معنوي» لا يمكن ذكره، وقال إنه في الوقت الذي أصبحت فيه دروس كثير من الأساتذة الجيدين في الحوزة قليلة الحضور، فلا وجه لأن يُقام درسه بهذه الجموع الكبيرة.
لهذا وجّه طلّابه إلى أساتذة آخرين. وحتى بعد أن اطّلع والده الجليل على قراره الحاسم، ترك الأمر له نفسه. وكان قرارًا أظهر عظمة الإخلاص بأبهى صورة.
بناء راسخ من مدارس الفقه إلى موائد المحرومين
بعد تعطيل الدرس، ركّز على تعزيز البنية العلمية للحوزة. فأسّس عددًا من المراكز العلمية والمدارس الفقهية التي اقترنت فيها «الفقاهة» بـ«الهموم الاجتماعية». وكانت ثمرة هذه الرؤية تربية جيل من الطلبة «المؤمنين، الثوريين، القريبين من الناس»، الذين يعدّون آلام المحرومين من آلامهم هم.
وكان يبتعد بشدّة عن أن يكون هو «المحور»، وكان يؤكد دائمًا على تقوية التيار الثوري في الحوزة، وعلى مركزية الإمام الخميني(رض) والإمام الشهيد(رض)، وقد جعل هذا الإخلاص عددًا كبيرًا من الفضلاء ينجذبون إلى هذه المجموعات.
في محفل أهل العرش؛ نجوى السرّ والسلوك
كان السيد مجتبى دائمًا يقتطف سنابل المعرفة من أهل العرفان. فكان موضع سرّ آية الله بهاء الديني، وتلميذًا لآية الله بهجت، ومأنوسًا بعرفاء من أمثال آية الله الكشميري والشيخ جعفر المجتهدي. وقد صنعت هذه الصلات منه شخصية تجمع بين الحضور في قلب المجتمع وروح ساكنة وعينين تتطلّعان إلى السماء.
كان يمدّ الجسور بين المراجع العظام وشيوخ السلوك، ليجعل همومهم المعنوية جارية في تدبير شؤون البلاد. وما زالت لدى أهل العرفان أمور كثيرة غير معلنة عن التأييدات المعنوية التي أبداها هؤلاء الأكابر بشأنه. 
من استشراف النخب إلى خندق المقاومة
من قصص السيرة الذاتية لسماحة السيد مجتبى الخامنئي انّه كان لديه إحاطة دقيقة بشؤون البلاد التنفيذية الكبرى. وقد جعلته الجلسات المتواصلة مع النخب حول «الذكاء الاصطناعي» و«الاستقرار الاقتصادي» و«الزراعة الحديثة» رصيدًا معرفيًّا للبلاد.
لكن الجانب الملحمي برز في جبهة «المقاومة». فقد كان صديقًا مقرّبًا للسيد حسن نصر الله وللقائد الشهيد الحاج قاسم سليماني. وفي رسم الخرائط الاستراتيجية للمنطقة، كانت نظرته النافذة تمثّل سندًا للقادة. وقد أثبت أن الفقيه يمكنه أن يكون في الوقت نفسه حارسًا لحدود الفكر واستراتيجيًّا في جبهات القتال.
السيد مجتبى الخامنئي ذخيرة يوم الشدّة في كنف الشمس المستترة
لقد كان اسم آية الله السيد مجتبى الخامنئي منذ سنوات على رأس قائمة غضب الاستكبار. فلم يدّخر الأعداء وسعًا، من الاغتيال المعنوي إلى التخطيط للتصفية الجسدية؛ لكنّ كل تلك المحاولات باءت بالفشل بعناية الله.
لقد حفظه الله تعالى، في خفائه وتواضعه، بوصفه «ذخيرة ليوم الشدّة». وفي زمن تتدافع فيه الفتن، يمثّل وجوده مرساة اطمئنان لمستقبل جمهورية إيران الإسلامية. وهو ثابت في مكانه، ليكون في الوقت المقدر مصدر بركات وفتوحات عظيمة لجبهة الحق.

البحث
الأرشيف التاريخي