من انتصار الميدان إلى اقتدار الدبلوماسية
سيد رضا صالحي أميري
وزير التراث الثقافي
والسياحة والصناعات اليدوية
/ لقد اختبرت إيران في «حرب رمضان» انتصار القوات المسلحة في الميدان، وانتصار الشعب في الشارع، وانتصار نموذج الحوكمة الحكومية في دعم الميدان والشعب. وقد أظهر هذا الانتصار أن إيران، في لحظة الخطر، ليست مجرد جغرافيا؛ بل هي ذاكرة تاريخية، وحضارة حيّة، وشعب متماسك، ونظام حكم يستند إلى قدراته الداخلية الكبرى.
إن رواية الضمير اليقظ للعالم هي رواية انتصار إيران على أعداء الأمّة. فقد دخل المعتدون الحرب وهم يحلمون بإسقاط إيران، وتفكيكها، وإضعافها، وتحريك الشارع اجتماعيًا، ووضع الشعب في مواجهة النظام السياسي، بل وحتى فرض حكومة تابعة؛ لكن أيًا من هذه الأهداف لم يتحقق. لقد استدعوا حلفاءهم إلى الحرب ضدّ إيران، غير أن الغالبية لم تكن مستعدة لدفع كلفة الدخول المباشر في حرب مع الشعب الإيراني. وفي المقابل، أثبتت القوات المسلحة الإيرانية أن أمن إيران غير قابل للمساومة، وأن أي اعتداء على هذه الأرض ستكون له تداعيات وكلفة.
ولم يكن هذا الانتصار مقتصرًا على صدّ العدوان فقط. فالخوف والقلق اللذان زرعتهما وسائل الإعلام الغربية والإقليمية العملاقة، والتي كانت تصوّر الهجوم على القواعد الأميركية في المنطقة أمرًا مستحيلًا، انهارا عمليًا، وتبدّل تصور راسخ في أذهان حكام المنطقة؛ إذ كانوا يعتقدون أن الارتهان للقوة الأجنبية ومنح القواعد للولايات المتحدة يضمن أمنهم. وقد أظهرت «حرب رمضان» أن الأمن المستورد، في لحظة الأزمة، قد يتحول هو نفسه إلى مصدر لانعدام الأمن. وكانت هذه الرسالة واضحة أيضًا لجيران إيران ودول المنطقة: إن الاتكال على القوى العابرة للمنطقة لا يجلب الأمن بالضرورة؛ بل قد يحوّل الدول أحيانًا إلى جزء من ساحة النزاع، ويغرقها في المستنقع.
وعلى المستوى الاجتماعي أيضًا، فإن الحرب التي كان يُراد لها أن تصنع الشرخ والانقسام داخل إيران، تحولت إلى عامل للتماسك الوطني. فقد غدت شوارع إيران في أيام التهديد مسرحًا لظهور القوة الوطنية والتضامن الاجتماعي؛ تضامنٌ امتدّ كمظلة دعم فوق رؤوس القوات المسلحة والحكومة. وأثبت الشعب أنه في لحظة الخطر، تكون إيران البيت المشترك لجميع الإيرانيين. ولم يكن هذا الرصيد الاجتماعي قوة أقل من القدرة العسكرية؛ لأن القوة الوطنية لا تُختزل في التجهيزات والهجوم العسكري، بل تتجلى كذلك في إرادة الشعب، والثقة الاجتماعية، والشعور بالانتماء إلى إيران.
وإلى جانب الميدان والشارع، أدّت حكومة الدكتور مسعود بزشكيان دورها كما ينبغي. فقد قدّمت الحكومة في أيام الحرب، من خلال تأمين الحاجات العامة للناس، ودعم القوات المسلحة، والحفاظ على الهدوء العام، نموذجًا للحكم الرشيد والمسؤول في الأزمات. كانت الحكومة داعمة للميدان، ووقفت بكل طاقتها إلى جانب الناس؛ بقيت إلى جانب القوات المسلحة، ولم تسمح في الوقت نفسه بأن تخرج الحياة اليومية للناس عن مسارها. وهذه هي كفاءة الدولة بعينها.
أمّا المسألة الأساسية الآن فهي فن تحويل النصر إلى مكسب سياسي واقتصادي. وينبغي أن تقوم الرؤية الاستراتيجية في مستوى الحكم على حفظ ثلاث قيم أساسية: بقاء إيران، وبقاء المجتمع الإيراني وصيانته، وبقاء النظام السياسي. ولذلك، يجب على الحكومة ونظام الحكم أن يتمكنا من تحويل القوة التي أنتجت في الميدان العسكري، وفي الساحة الاجتماعية، وفي تجربة الحكومة الحاضرة في قلب المسؤولية، إلى مكسب سياسي وانتصار دبلوماسي؛ على نحو يؤمّن مصالح إيران على طاولة التفاوض، ويجعل انتصار الحرب ذا معنى في حياة الناس أيضًا.
في زيارتي الأخيرة إلى إسبانيا للمشاركة في اجتماع المجلس التنفيذي لمنظمة السياحة العالمية، كان هذا التغيّر في النظرة إلى إيران ملموسًا تمامًا. ففي الحوارات مع مختلف الوفود، ومن بينها الوفود رفيعة المستوى التي ضمّت وزراء ومسؤولين كبارًا في قطاع السياحة ومسؤولي منظمة السياحة العالمية، كان ارتقاء مكانة الشعب الإيراني وحكومته والاحترام لهما واضحًا. وحتى عندما جرى الحديث عن جريمة الحرب في ميناب ومعاناة الشعب الإيراني الأعزل، ولا سيما الأطفال والعائلات، كان واضحًا أن العالم، ابتعد عن الصور العدائية المصطنعة، وحمل مشاعر تعاطف تجاه إيران وشعبها.
من هنا، تتضح أهمية الدبلوماسية أكثر. إن ما يجري اليوم بدور فاعل من السيدين قاليباف وعراقجي، وبدعم ومسؤولية شجاعة من رئيس الجمهورية الدكتور بزشكيان، لا يقل أهمية عن جهود المقاتلين في الميدان، وحضور الناس في الشارع، وجهود الحكومة للحفاظ على البلاد في الأيام الصعبة. فالتفاوض، إذا قام على الاقتدار، والصدق، والمصالح الوطنية، وكرامة الشعب، هو استمرار لذلك الجهاد الوطني نفسه؛ لكن على مستوى آخر. إن الخطأ الكبير لدى البعض هو أنهم يرون إنتاج القوة واستمرارها فقط في استمرار الحرب. وهذا انحراف تحليلي. فهم يظنون أنه من أجل الحفاظ على الاقتدار ينبغي إبقاء الحرب بلا نهاية، في حين لا توجد حرب بلا نهاية، ولا يستطيع أي مجتمع أن يعيش دائمًا في حالة حرب. إن فن الحكم القائم على العقلانية هو أن يعرف نقطة القرار الصحيحة؛ تلك النقطة التي ينبغي فيها تحويل القوة العسكرية والانتصار الميداني إلى قوة سياسية، وانفراج اقتصادي، وانتصار دبلوماسي. لا يمكننا أن نكون في حالة حرب دائمة؛ لكن يمكننا أن نستفيد من الحرب التي انتصرنا فيها من أجل تنمية إيران، وحفظ الاقتدار الوطني، وتأمين المعيشة، والأمن، والاقتصاد، وفرص العمل، والاستقلال، والصحة، والحياة الكريمة الشريفة للناس. فإذا بقيت حرب رمضان في الذاكرة العسكرية فقط، فلن تكون قد اكتملت. ولا يكتمل هذا النصر إلا عندما يترك أثره في معيشة الناس، وأمل الشباب، وطمأنينة العائلات، وازدهار الإنتاج، وتحسن الحياة اليومية للشعب الإيراني.
لقد أصرّ الدكتور بزشكيان منذ البداية على هذا المنطق نفسه: حفظ إيران، وصيانة المجتمع الإيراني، والحفاظ على النظام السياسي، والاقتدار المستدام، والكفاءة، وتفجير الطاقات الوطنية، ومكافحة الظلم، والصدق مع الناس. وكما وقف إلى جانب إيران في الحرب، فإنه يقف في الدبلوماسية أيضًا إلى جانب السلام، والشعب، والعزّة، ومستقبل إيران. وقد أدركت الحكومة وشخص رئيس الجمهورية هذه الحقيقة، فتقبّلا مسؤولية المسار الصعب للتفاوض، ووقف إطلاق النار، والسلام العزيز والكريم.
وفي هذا السياق، كان دور قائد الثورة المعظّم الشهيد الإمام علي الخامنئي(رض) في الحفاظ على الانسجام، والهدوء الاستراتيجي، والتوجه العام للبلاد، دورًا حاسمًا. فقد حالت مساندته للميدان، وللشعب، وللحكومة، دون اضطراب القرار وإضعاف الإرادة الوطنية، وأبقت البلاد في مسار الاقتدار والعقلانية والوحدة. وقد حوّلت هذه الهداية الحرب من تهديد لاستنزاف إيران إلى ساحة لظهور القوة الوطنية، وكفاءة الحكومة، وتماسك المجتمع.
وفي هذا السياق، سيحكم القادمون بأن تحويل انتصار الميدان إلى انتصار للدبلوماسية كان واحدًا من أكثر قرارات عصرنا حساسية. إن الحكومة نفسها التي استطاعت في ساحة الحرب أن تبقى حاضرة إلى جانب إيران والشعب، تستطيع في ساحة الاتفاق، والسلام، والسلم، أن تنجح أيضًا. وهنا يتضح الفارق في من يكون رئيسًا للجمهورية؛ إذ يختلف الأمر حين لا يرى رئيس الجمهورية الحرب مجرد ساحة لاستعراض القوة، بل يراها مسؤولية للحفاظ على إيران ومقدمة لبناء مستقبل الناس.
تحتاج إيران، من أجل البقاء، إلى الصواريخ والسلاح، كما تحتاج إلى العقلانية، والانسجام، والحوار، والدبلوماسية، وكرامة الناس، والحكم الصادق. ويوم النصر الكامل هو اليوم الذي تجعل فيه قوة الميدان، وحضور الشعب، ووقوف الحكومة في صلب المسؤولية، وعزّة الدبلوماسية، حياة الشعب الإيراني ومعيشته أكثر أمنًا وهدوءًا وكرامةً وأملًا. إن استكمال النصر يعني تحويل الاقتدار إلى طمأنينة، وتحويل المقاومة إلى انفراج، وتحويل القوة الوطنية إلى حياة كريمة شريفة للأمّة الإيرانية العظيمة.
