الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وتسعة وثمانون - ٣٠ يونيو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وتسعة وثمانون - ٣٠ يونيو ٢٠٢٦ - الصفحة ٦

رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية المتصاعدة

شبه جزيرة القرم صامدة.. وموسكو تحوّل الحصار إلى ورقة قوة

/ تعيش شبه جزيرة القرم مرحلة حساسة في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تتعرض لضغوط متزايدة نتيجة الهجمات الأوكرانية التي تستهدف البُنية التحتية الحيوية للجزيرة. وبينما تُقدّم وسائل الإعلام الغربية هذه التطورات بوصفها «أخطر تهديد» تواجهه القرم منذ ضمّها إلى روسيا عام 2014، إلّا أنّ التطورات الميدانية تكشف صورةً أكثر تعقيداً، إذ تبدو موسكو أكثر استعداداً لتحويل الضغوط المتزايدة إلى فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وتعزيز خياراتها العسكرية والسياسية، بما يضمن حماية ما تعتبره جزءاً لا يتجزأ من أراضيها. وفي ظل هذا المشهد المتصاعد، يبرز التساؤل: هل تدفع هذه الضغوط روسيا إلى التفاوض، أم إلى توسيع نطاق المواجهة وفرض معادلات جديدة على الأرض؟
الهجمات الأوكرانية.. ضغط تكتيكي لا يُغيّر المعادلة الإستراتيجية
تتحدث تقارير غربية عن حالة طوارئ في شبه جزيرة القرم نتيجة ضربات أوكرانية استهدفت محطات الكهرباء ومستودعات الوقود والجسور والسكك الحديدية. وتُظهر الصور المتداولة طوابير سيارات على جسر كيرتش ومحطات وقود مغلقة، في محاولة لإظهار أنّ الجزيرة «معزولة».لكن هذه الهجمات تبدو جزءاً من حرب استنزاف محدودة التأثير، إذ تعتمد كييف على المسيرات لضرب أهداف مدنية وعسكرية بهدف إرباك الحياة اليومية، لكنها لا تمتلك القدرة على تغيير الواقع الجغرافي أو العسكري للجزيرة. فشبكات الإمداد الروسية تمتد عبر البحر والبر، والجيش الروسي يمتلك بُنية دفاعية متماسكة في القرم منذ سنوات، إضافة إلى منظومات دفاع جوي متطورة قادرة على اعتراض نسبة كبيرة من الهجمات.كما أنّ موسكو اعتادت على هذا النوع من الضغوط، وسبق أن واجهت ظروفاً أشد قسوة في مراحل مختلفة من الحرب، ما يجعل الحديث عن «عزل القرم» أقرب إلى توصيف إعلامي منه إلى واقع ميداني.
الاقتصاد الروسي.. مرونة تُحبط رهانات الغرب
تسعى كييف إلى نقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي عبر ضرب منشآت النفط والغاز، وهو ما تروّج له صحف غربية بوصفه «بداية النهاية الاقتصادية» لروسيا. غير أنّ هذه القراءة تتجاهل حقيقة أنّ الاقتصاد الروسي أثبت قدرة عالية على التكيّف مع العقوبات، وأنّ قطاع الطاقة الروسي يمتلك شبكات تصدير بديلة نحو آسيا، إضافة إلى احتياطات مالية كبيرة تراكمت في السنوات الماضية.ورغم أنّ الضربات الأوكرانية قد تسبب اضطرابات مؤقتة في بعض المناطق، فإنها لا تمسّ جوهر القوة الاقتصادية الروسية، خصوصاً بعد إعادة فتح مضيق هرمز وانخفاض أسعار الطاقة، وهو عامل قد يضغط على الإيرادات لكنه لا يُهدد استقرار الدولة. 
خيارات بوتين.. بين التفاوض المشروط والتصعيد المحسوب
تطرح وسائل الإعلام الغربية سؤالاً محورياً: ماذا سيفعل بوتين إذا شعر بأنّ القرم مهددة؟ وتتباين التقديرات الغربية بين من يرجّح لجوء موسكو إلى التفاوض، ومن يتوقع تصعيداً عسكرياً واسعاً. إلا أنّ المعطيات الميدانية تشير إلى أنّ الخيارات الروسية تبدو أكثر وضوحاً، إذ توازن موسكو بين الردع العسكري والحفاظ على مصالحها الإستراتيجية. فبوتين يعتبر القرم «إنجازاً تاريخياً» ورمزاً لوحدة الدولة الروسية، وبالتالي فإنّ أي تهديد مباشر للجزيرة سيُقابل بردّ قوي. ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ موسكو ستندفع نحو تصعيد غير محسوب، بل ستوازن بين الرد العسكري والضغط السياسي، بما يضمن حماية القرم دون الانجرار إلى مواجهة شاملة مع الغرب.وقد تلجأ روسيا إلى تعزيز وجودها العسكري في البحر الأسود، أو توسيع نطاق العمليات ضد البُنية التحتية الأوكرانية، أو حتى استخدام أدوات اقتصادية وسياسية لإجبار كييف على التراجع. وفي الوقت نفسه، قد تفتح الباب أمام مفاوضات مشروطة، لكن ليس تحت ضغط المسيرات أو الهجمات المحدودة، بل وفق شروط تضمن مصالحها الإستراتيجية.
القرم.. اختبار لإرادة موسكو لا نقطة ضعف
تسعى كييف إلى تحويل القرم إلى ورقة ضغط، لكن الواقع يشير إلى أنّ الجزيرة تُمثل نقطة قوة لروسيا، لا نقطة ضعف. فهي قاعدة بحرية رئيسية، ومركز عمليات في البحر الأسود، ومرتبطة بشبكات إمداد روسية واسعة. كما أنّ سكانها يدعمون الوجود الروسي ويرفضون العودة إلى أوكرانيا. وبينما تروّج كييف لفكرة أنّ الضغط على القرم سيجبر موسكو على التفاوض، فإنّ روسيا ترى أنّ الدفاع عن الجزيرة هو دفاع عن وحدة الدولة، وأنّ أي تهديد لها سيؤدي إلى تعزيز الموقف الروسي لا إضعافه.
الدعم الغربي لكييف.. عامل يطيل الحرب ولا يحسمها
رغم استمرار الدعم العسكري والمالي الذي تقدمه الدول الغربية لأوكرانيا، فإنّ هذا الدعم لم ينجح حتى الآن في إحداث تحول استراتيجي يُغيّر موازين القوى على الأرض. فالمساعدات الغربية، بما تشمل من منظومات دفاع جوي وطائرات مسيّرة وذخائر متطورة، ساهمت في إطالة أمد الحرب وزيادة وتيرة الهجمات على العمق الروسي، لكنها لم تتمكن من تقويض القدرات العسكرية الروسية أو انتزاع القرم من سيطرة موسكو. وفي المقابل، واصلت روسيا تطوير صناعاتها العسكرية وتعزيز إنتاجها الدفاعي، إلى جانب توسيع شراكاتها الاقتصادية مع دول آسيوية وإقليمية، ما خفف من تأثير العقوبات الغربية. 
ختاماً تبدو شبه جزيرة القرم اليوم في قلب معركة سياسية وعسكرية بين موسكو وكييف، لكن قراءة المشهد تكشف أنّ الضغوط الحالية، رغم حدّتها، لا تهدد السيطرة الروسية على الجزيرة، ولا تدفع موسكو إلى التراجع. فروسيا تمتلك القدرة العسكرية والاقتصادية والسياسية على الصمود، كما تمتلك خيارات متعددة للرد، تتراوح بين التصعيد المحسوب والتفاوض المشروط. وفي النهاية، تبدو القرم اختباراً لإرادة الطرفين، لكن المؤشرات الحالية تُرجّح أنّ موسكو لن تسمح بأن تتحول هذه الضغوط إلى تغيير في المعادلة، بل ستستخدمها لتعزيز موقفها وإعادة رسم قواعد الاشتباك بما يخدم مصالحها الإستراتيجية.
البحث
الأرشيف التاريخي