تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
الوجه الآخر لكأس العالم..
المكسيك تستحوذ على القلوب؛ والولايات المتحدة تواجه الانتقادات
في حين نشرت وسائل إعلام دولية مختلفة في الأسابيع الأخيرة تقارير ومقالات عديدة حول المشاكل المتعلقة بالهجرة في الولايات المتحدة – بدءاً من قيود إصدار التأشيرات وصعوبات دخول بعض المشجعين، وصولاً إلى الانتقادات حول طريقة التعامل مع عدد من الحكام وأعضاء الوفقات الرياضية – فإن الصورة التي تُبث عن المكسيك إلى العالم تبدو مختلفة تماماً: شوارع تعج بالمشجعين من جنسيات مختلفة، واحتفالات شعبية تلقائية، وضيافة دافئة، وأجواء مفعمة بالحماسة والحيوية، تذكرنا بالروح الأصيلة لكأس العالم. وهذه ليست مجرد انطباعات محلية؛ فقد تحدثت وسائل إعلام من دول مختلفة عن الاستقبال الحار الذي لقيه المشجعین والمنتخبات الوطنية من قبل الشعب المكسيكي. من مكسيكو سيتي إلى غوادالاخارا ومونتيري وتيخوانا – المدينة التي، رغم أنها ليست مضيفة لمباريات كأس العالم، إلا أنها احتضنت معسكر المنتخب الإيراني الذي يخوض مبارياته في الولايات المتحدة – وجد آلاف المشجعين أكثر من مجرد وجهة كروية؛ إذ شعروا بأنهم مرحب بهم حقاً.
وتكمن أهمية هذا الفرق في أن كأس العالم كان دائماً أكثر من مجرد بطولة رياضية؛ فهو منصة للحوار بين الثقافات، وفرصة لتجاوز الحدود، ورمز لقدرة كرة القدم على ربط البشر بمختلف لغاتهم وجنسياتهم ومعتقداتهم. فعندما يعبر مشجع بقلق عبر حدود، أو عندما لا يحصل حكم مُعيَّن للمباريات على إذن بدخول البلد المضيف، أو عندما يواجه أعضاء وفد رياضي عقبات إدارية غير متوقعة، يطرح سؤال جدي: هل ما زالت الروح العالمية والشاملة لكأس العالم محفوظة؟
لقد قدمت المكسيك إجابة مختلفة على هذا السؤال؛ بالموسيقى في ساحات المدينة، وبالمشجعين الذين يجلسون على طاولة واحدة بغض النظر عن ألوان قمصان فرقهم، وبالمواطنين والمتطوعين وأصحاب المتاجر الذين حوّلوا كأس العالم إلى احتفال مشترك للجميع.
لعل هذا هو السبب وراء أن أكثر الصور مشاهدة في وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام ليست فقط الأهداف والمشاهد المثيرة للمباريات؛ بل إن ما يلفت انتباه العالم أكثر من غيره هو مشاهد التعايش والصداقة: مكسيكيون يحتضنون الزوار الأجانب، ومشجعون من قارات مختلفة يغنون جنباً إلى جنب، ومدن تحولت إلى موعد للقاء الثقافات المتنوعة.
لا شك أن البنى التحتية مهمة، والملاعب لها أهميتها، والأمن ضرورة لا يمكن إنكارها؛ لكن التاريخ أظهر أن المضيفين العظماء يُذكرون بسبب شيء أعمق: قدرتهم على خلق شعور بأن العالم في بيته.
كأس العالم 2026 لا يزال في بدايات الطريق؛ لكن يمكن منذ الآن التوصل إلى استنتاج واحد. وبغض النظر عن النتائج المسجلة على لوحات الملاعب، فإن المكسيك تحقق فوزاً في واحدة من أهم مسابقات هذه البطولة؛ وهي مسابقة حسن الضيافة.
وهذا الفوز، رغم أنه لا يُسجَّل في جدول النتائج، إلا أنه سيبقى في ذاكرة شعوب العالم لفترة أطول بكثير من صافرة نهاية المباريات.
