الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وخمسة وثمانون - ٢٣ يونيو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وخمسة وثمانون - ٢٣ يونيو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

من قانون الغاب إلى منطق الكرامة: إيران؛ الجنوب العالمي، والنظام العالمي الجديد

خصّ السفير الإيراني لدی الصين «عبدالرضا رحماني فضلي» وكالة الجمهورية الاسلامية للأنباء «إرنا» بمقال تناول فيه كيفية أداء وفعل إيران في وجه العدوان الأمريكي - الصهيوني الأخير وما أسسه هذا الأداء في خارطة العلاقات الدولية وما أفرزه بشأن النظام العالمي الجديد، وكتب: في الحرب الأخيرة ضد إيران، جرى انتهاك جميع الخطوط الحمراء. فاغتيال القائد الشهید للثورة الإسلامیة، واستشهاد أطفال ميناب، ومئات الجرائم الأخرى، وأخيراً التهديد بتدمير الحضارة الإيرانية، جعل من هذه الحرب واحدة من أكثر الحروب معادية للإنسانية في التاريخ الحديث. ورغم ذلك، صمدت إيران بذكاء، وخلقت ظروفاً لم يجد فيها الولايات المتحدة بداً من قبول حقائق الميدان.
وخلال هذه الحرب، سمع مجدداً صوت في ميدان السياسة الدولية كان الكثيرون يظنون أنه أصبح من التاريخ؛ لغة تنظر إلى الدول، قبل أن تكون أمماً ومجتمعات، باعتبارها مستودعات للموارد، وتقيس قيمتها بما تملكه من ثروات باطنية. وهي ذات اللغة التي كان قائد الثورة الشهيد(رض) يصرّ، ببصيرة استراتيجية، على ضرورة الاستعداد لمواجهتها.
في المواجهة مع الموجة الجديدة من الإمبريالية، دافعت إيران عن مبدأ آخر؛ مبدأ يمكن تسميته بـ»منطق الكرامة». ففي هذا المنطق، الأمم ليست مجرد حائزة للموارد؛ بل هي أصحاب تاريخهم وثقافتهم وذاكرتهم ومستقبلهم. فلا يمكن إختزال أي أمّة في نفطها أو غازها أو معادنها أو موقعها الجغرافي، ولا يمكن حرمان أي حضارة من حقها في الوجود في التاريخ.
وهنا تكمن أهمية ردّ الفعل الإيراني. فبعض الدول دافعت عن نفسها عبر التاريخ؛ لكن ما يميز التجربة الإيرانية هو السعي للجمع بين المقاومة والمسؤولية. فقد وقفت إيران في وجه العدوان؛ لكنها لم تحول الدفاع عن النفس إلى نفي للحوار. لقد حافظت على سيادتها؛ لكنها لم تسد طريق الدبلوماسية. واستخدمت القوة، لكنها لم تجعلها بديلاً عن السياسة.
وهذا النهج لا يمكن تفسيره بمجرد اعتبارات السياسة اليومية، بل يجب البحث عن جذوره في المكانة الحضارية لإيران. فإيران ليست مجرد دولة؛ بل هي واحدة من أقدم حقول الحضارة الحية في العالم.
أرض لم تحافظ على استمراريتها التاريخية عبر آلاف السنين فحسب، بل ساهمت أيضاً في تشكيل جزء من التراث المشترك للبشرية.
من المعرفة والحكمة إلى الفن والأدب والعمارة والتنظيم السياسي وثقافة الحوار، كانت إيران من بين المراكز التي اضطلعت بدور تأسيسي في بناء العالم الإنساني.
ومن هنا، ينبغي اعتبار أداء إيران في هذه الحرب بما يتجاوز أداء دولة. فما برز إلى الساحة هو أداء وفعل لحضارة. والحضارات تختلف عن الإمبراطوريات؛ الإمبراطوريات تسعى إلى توسيع رقعة نفوذها، بينما تسعى الحضارات إلى توسيع المعنى. والإمبراطوريات تستمدّ شرعيتها من الهيمنة، في حين تستمدّ الحضارات شرعيتها من قدرتها على خلق الثقافة، وحفظ الذاكرة التاريخية، وإتاحة إمكانية التعايش.
وهذه الخصيصة هي التي مكّنت إيران من الربط بين الثبات وضبط النفس، وبين المقاومة والبحث عن السلام، وبين الدفاع عن الذات والدفاع عن المبادئ المشتركة للمجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، فإن دور جنوب العالم جدير بالتأمل أيضاً. فجنوب العالم ليس مجرد مفهوم جغرافي؛ بل هو سردية مشتركة للأمم التي تحمل في ذاكرتها التاريخية معاناة الاستعمار والتدخل والهيمنة. أمم دفعت ثمناً باهظاً لنيل استقلالها وكرامتها، ولذا فهي تدرك أكثر من غيرها أهمية السيادة وحق تقرير المصير.
ويمكن تحليل الجهود الدبلوماسية التي بذلها طيف من جيران إيران، ولا سيما باكستان، والدور الداعم للصين كقوة كان السلام دائماً أحد قيمها الحضارية، في منع توسع الحرب وفتح طريق التفاهم، في هذا الإطار نفسه. فهذه الجهود لم تكن مجرد وساطة سياسية؛ بل كانت علامة على النضج المتزايد لجنوب العالم وظهور دور جديد له في إدارة الأزمات الدولية. ففي هذه التجربة، لم يكن جنوب العالم مجرد موضوع للسياسة العالمية، بل كان أحد صانعيها.
ومن هذا المنظور أيضاً يكتسب التفاهم الذي تشكل أخيراً بين إيران وامريكا أهميته. فهذا التفاهم ليس مجرد نهاية لصراع؛ بل هو دليل على أنه حتى في ذروة التوتر يمكن التوصل إلى حل عبر طريق الاحترام المتبادل وقبول حقائق العالم المتعدد. وإذا كانت المقاومة اختباراً للإرادة، فإن السلام اختبار للحكمة السياسية؛ وقيمة التجربة الإيرانية تكمن في أنها أعطت معنى لكليهما معاً.
ولعل أهم درس في هذه الحرب للعالم اليوم هو هذا بالذات. فالمجتمع الدولي يقف على أعتاب خيار مصيري: الاختيار بين منطق القوة ومنطق الكرامة؛ بين الهيمنة والمشاركة؛ بين قانون الغاب وسيادة القانون. إنّ ما دافعت عنه إيران في الحرب الأخيرة لم يكن مجرد أمن لأرض؛ بل كان دفاعاً عن الإيمان بأن الأمم لا يمكن اختزالها في الموارد، وأن الحضارات لا يمكن محوها، وأن السلام الدائم لا يمكن بناؤه على أسس الهيمنة.
وفي عالم يسير نحو نظام جديد، لعل هذه هي الحقيقة الأكثر أهمية التي ينبغي تذكرها: السلام الدائم لا يولد من تفوق القوة، بل من احترام كرامة الأمم. ومن بداية الدفاع ضدّ العدوان حتى اللحظة التي نحن فيها، لم يتغير منطق أداء إيران. فإيران تدافع عن كرامتها وعن جنوب العالم بذكاء وبأدوات متنوعة. وسيستمر هذا المنطق الأساسي في المستقبل أيضاً.
البحث
الأرشيف التاريخي