تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
على أعتاب واقعة الطفّ الأليمة
حين يصبح الحسين(ع) شعار الثورة على الظلم
ملحمة عاشوراء
إنّ مبدأ كل تحوّل وثورة في المجتمع والتاريخ، وكذلك في الأدب، ينبع دائماً من الأحداث الكبرى والتحولات الجوهرية. ففي طول تاريخ البشرية، أيّ حدث يمكن أن يكون أعظم من واقعة اليوم العاشر من محرّم الحرام سنة 61 للهجرة؟
إنّ ما فعله الإمام الحسين(ع) من تضحية وفداء في سبيل إيمانه وعقيدته، ليبقى الإسلام والقرآن خالدين، لا نظير له في التاريخ. ومنذ اليوم التالي لفاجعة عاشوراء، بدأت تحولات عظيمة في القلوب والأفكار والأقوال والأفعال، فقد تركت ملحمة عاشوراء أثراً عميقاً في تحول الشعر، بحيث يمكن اعتبارها مبدأ النهضة الملحمية في الأدب الفارسي والعربي، وأصبح اسم الحسين(ع) شعاراً للثورة ضدّ الظلم.
البدايات والتأسيس
يعتبر أبوالحسن الكسائي المروزي أول شاعر فارسي نظّم مرثية عاشورائية خالصة، حيث قال في مستهل قصيدته: «ميراث مصطفى را، فرزند مرتضى را.. مقتول كربلا را تازه كنم تولاّ» أي «ميراث المصطفى، وابن المرتضى.. القتيل بكربلاء، أُجدد له الولاء».
ثم يأتي السنائي الغزنوي في القرنين الخامس والسادس الهجري القمري، ليؤسس لشعر عاشورائي أكثر مباشرة، فيقول: «خرّمي جون باشد اندر راه دين كز بهر حق.. خون روان كَشتست از حلق حسين در كربلا» أي «أيّ سُرورٍ يكون في طريق الدين، من أجل الحق.. إذ سال الدم من حنجرة الحسين في كربلاء». وبهذه النصوص التأسيسية، دخل الحسين(ع) إلى معجم الشعر الفارسي ليس كاسم فقط، بل كقضية وجودية وأخلاقية.
العصر الذهبي
في القرنين السابع والثامن الهجري القمري، بلغ شعر عاشوراء ذروته، فنجد جلال الدين الرومي يرثي شهداء كربلاء بأسلوب فلسفي صوفي، قائلاً: «بس عزا بر خود كنيد اي خفتكان.. ز آنكه بد مركي است این خوابِ كران» أي «فأقيموا العزاء على أنفسكم أيها الراقدون.. فإن هذا النوم الثقيل موتٌ رديء».
أمّا عطار النيشابوري، فيجسّد مأساة الرأس المقطوع المبارك في صورة شعرية مبكية: «آن جنان سر را كه بُرّد بي دریغ.. کافتاب از درد آن شد زیر میغ» أي «تلك الرأس التي قطعت بلا هوادة.. حتى أن الشمس من الألم غابت تحت السحاب».
وفي العصر الصفوي، يبرز محتشم الكاشاني بأشهر مرثية فارسية، يقول في مطلعها: «باز این جه شورش است که در خلق عالم است؟ باز این جه نوحه وجه عزا وجه ماتم است؟» أي «أرى ضجة قد عادت في الخليقة! فما هي؟ ما هذه النياحة والعزاء؟ وما هذا المأتم». ويُعد هذا البيت من أكثر الأبيات تداولاً في مجالس العزاء الحسيني في إيران حتى اليوم.
شعراء العصر الحديث في إيران
في العصر الحديث، واصل كبار الشعراء الإيرانيين نهج أسلافهم، فالشاعر الإيراني البارز «شهريار» يقول في الإمام الحسين(ع): «شیعیان ديكر هواي نينوا دارد حسین.. روي دل با كاروان کربلا دارد حسین» أي «يا أيها الشيعة! إن للحسين شوقاً متجدداً نحو نينوى.. فالحسين بقلبه متجه نحو قافلة كربلاء». ويأتي الشاعر «سيد حسن حسيني» بصورة شعرية فريدة تجمع بين الحنجرة المقطوعة والتفسير القرآني: «با ناي بريده نیز بر منبر ني.. تفسیر خجسته اي ز قرآن مي كرد» أي «بالحنجرة المقطوعة على منبر القصب.. كان يفسر تفسيراً مباركاً من القرآن».
سرّ خلود الشعر الحسيني
جميع المراثي والأشعار العاشورائية للإمام الحسين(ع)، بما أنها قيلت بدون أي تطلع أو طمع مادي، فهي تتمتع بفيض من الصدق والإخلاص. وواقعة عاشوراء ونهضة الإمام الحسين(ع)، كعينٍ تدفقت في الأدب الطقسي والعاشورائي، وستظل دائماً متدفقة وإلى أبد الآبدين.
