«محمد مهدي طهرانجي»؛ أبٌ وعالِمٌ وسائرٌ نحو الشهادة (1 / 2)
أجرى قسم «ريحانة» في موقع KHAMENEI.IR حواراً مع السيدة طاهرة طهرانجي، ابنة الشهيد محمد مهدي طهرانجي، الرئيس الراحل لجامعة آزاد الإسلامية والعالم النووي البارز، تناولت فيه حياته ونشاطاته ونمط معيشته، وخصاله الأخلاقية. كما روت ذكريات عن مرافقة قائد الثورة الشهيد(رض) لعائلات الشهداء، وتحدّثت عن حال عائلة الشهيد طهرانجي بعد شهادة السيد القائد.
ما أول صورة ترتسم في ذهنك عن والدك؟
رغم كل ما نسمعه اليوم من أحاديث وتعابير عن أبي، فإنه قبل كل شيء كان بالنسبة إليّ أباً بكل معنى الكلمة. كان قريباً جداً منّا، بسيطاً، حميماً. وعلى الرغم من مسؤولياته ونشاطاته الكثيرة، أدّى دوره الأبوي كاملاً. أقرب كلمة أستطيع أن أصفه بها هي: «الأب»؛ أب العائلة.
هل كان، إلى جانب كونه أباً، صديقاً لكم أيضاً؟
نعم. كان إلى جانبنا في كل مراحل الحياة: في الطفولة، والمراهقة، ونهاية المرحلة الثانوية، وسنة الدخول إلى الجامعة، ثم في أيام الدراسة الجامعية، وحتى في مسار الزواج واختيار شريك الحياة. لم يقف يوماً في وجهنا، بل كان دائماً إلى جانبنا. وبعد أن كبرنا وصارت لنا عائلات وأولاد، بقي في البيت إنساناً حميماً لا يحمل ألقابه ومناصبه الخارجية إلى داخل المنزل. كل شيء كان يُترك خلف الباب، وفي الداخل كان أباً وجدّاً قريباً من الجميع.
حتى اللحظة الأخيرة، كانت والدتي تناديه «حاج آقا مهدي» (الحاج مهدي). أعلى مقام كانت تراه له هو أنه حاجّ، ملتزم بواجباته. نحن لم نكن نناديه بأي لقب رسمي؛ كان دائماً «بابا»، وكان الأحفاد ينادونه «باباجون مهدي» (الجد العزيز مهدي). وهذا وحده يشرح حجم الألفة في عائلتنا.
حدّثينا أكثر عن هذه المرافقة الأبوية.
لأنني أعمل مع المراهقين وأعلّمهم، كثيراً ما أروي لهم هذه الذكريات. في السنة الأخيرة قبل دخولي الجامعة، وهي مرحلة حساسة جداً، كان أبي يوصلني صباحاً إلى المدرسة. الطريق لم يكن يتجاوز خمس أو عشر دقائق؛ لكن الشعور بالأمان الذي كان يمنحني إياه كان عالماً كاملاً من الطمأنينة. وفي الصيف، حين كنت أريد أن أبدأ الدراسة بجدّية، كان يأخذني معه أيام الثلاثاء إلى الجبل، وهناك كنّا نتحدث كثيراً.
لو لم يكن بيني وبين أبي هذا القرب، لما كانت توجيهاته أو حدوده مقبولة بسهولة؛ لكن لأن العلاقة كانت علاقة صداقة وثقة، كنّا نأخذ كلامه بقلوب مطمئنة، لأننا نعرف أنه يرانا، يهتم بنا، ويفكر في مصلحتنا من كل الجوانب. كان مستشاراً لنا جميعاً. أنا منذ نحو تسع سنوات أدرّس المواد الدينية في المدارس، ومنذ البداية كنت أراجع معه خطط دروسي. إذا واجهت مشكلة في موضوع ما، كنت أرجع إليه. كان يملك دائماً غذاءً فكرياً لنا؛ بسبب كثرة مطالعاته، كان يرشدنا إلى الكتب المناسبة، أو يعلّمنا من خبرته في التعليم.
ما المجالات التي كان يُطالع فيها؟
إلى جانب تخصصه العلمي في الفيزياء، وبلوغه مرتبة الأستاذية، كان ناشطاً جداً في مجال التعليم العالي، وكان يبذل جهداً كبيراً من أجل الارتقاء العلمي كما كان يؤكد قائد الثورة الشهيد(رض).
أذكر أنني ذهبت مرة إلى مزاره في حرم السيد عبدالعظيم الحسني(ع)، فاقتربت منّي سيدة وقالت إنها التقت والدي في مؤتمر عن استشهاد رئيس الجمهورية آيةالله السيد إبراهيم رئيسي، وقدّمت مقالة له لكنها لم تُقبل، فذهبت إليه معترضة. قالت إن الدكتور طهرانجي تحدث معها بهدوء، وناقشها في مضمون المقالة، إلى درجة أنها كانت متيقنة أنه يحمل دكتوراه في علم الاجتماع. وبعد شهادته صُدمت حين علمت أن تخصصه الأصلي مختلف تماماً.
هذا يوضح سعة مطالعاته. كان يرى نفسه دائماً «متعلماً». حتى في التدريس، كان يختار مواضيع جديدة، يدرسها بعمق، ثم يدرّسها في مرحلة الدكتوراه. وكان يقول: «أنا أقرأ أكثر بكثير من الطالب الذي يأتي إلى الصف حتى أستطيع أن أقدّم الدرس»، وكان يرى في ذلك قيمة كبيرة.
عندما كنتما تتحاوران في الجبل أو في الأجواء العائلية، ما طبيعة حديثه؟
كان يقدّم لنا ما يراه صالحاً؛ لكنه يترك الاختيار النهائي لنا. مثلاً في سنة التخرج من المدرسة، كان حديثنا يدور كثيراً حول أهمية العلوم الأساسية. كان يقول إن العلوم الأساسية أُمّ العلوم. هو كان يحب هذا المجال؛ لكنني كنت أميل إلى الفن، ثم ترددت لاحقاً بين العمارة وعلم النفس. ظلّ إلى جانبي، أخذني لأتحدث مع أساتذة، وساندني في اختياري. ربما كان يتمنى أن أتابع في العلوم الأساسية؛ لكنه حين رأى موهبتي ورغبتي في اتجاه آخر، لم يعارضني، بل وقف معي بالكامل.
كيف كان يمضي وقته
في البيت؟
عندما نكون في بيت والديّ، كان الأحفاد يركضون لاستقباله، وكان يحتضنهم ويمنحهم وقته. أكثر ما كان يلفتني أنني كلما دخلت بيت أمّي، أجد كتاباً جديداً على المقعد الذي يجلس عليه أبي. كل أسبوع تقريباً كان هناك كتاب جديد. كان أغلب نشاطه مساءً وليلاً هو القراءة. وكان ينام مبكراً؛ لكنه يستيقظ باكراً، وفي وقت ما بين الفجر وطلوع الشمس كان له برنامج قرآني ثابت. كان كثير التلاوة، مع التفسير والتدبر.
في شهر رمضان، حين كنّا نحاول ختم القرآن، كان يشجعنا؛ لكنه يقول: «لا تقرأوا بسرعة فقط؛ حاولوا في كل مرة أن تستخرجوا آية، تفكروا فيها، وتقرؤوا القرآن بتدبر». حتى في خطاباته، كان يكتب النصوص بنفسه، ويستعين دائماً بآيات القرآن. كان يحب أن يختار موضوعاً، يجمع آياته، يراجع التفاسير، ثم يبني نصاً متماسكاً. كان هذا يفرحه كثيراً.
ما عاداته الأخرى؟
كان ينام مبكراً جداً. أحياناً تكون العائلة مجتمعة والأطفال يملؤون البيت ضجيجاً، فيغفو على طرف المقعد. لذلك كان يستيقظ مبكراً. ومع الأحفاد كان يحاول دائماً أن يخصص لهم وقتاً. قبل أسبوع من شهادته، كان خارج طهران مع إثنين من أحفاده، وذهبوا معاً إلى الجبل. كان يحب النباتات والاهتمام بالحديقة، ويحب الخروج كلما سنحت الظروف. وكان الجبل من أكثر الأشياء التي يحبها.
متى عرفتم أنه يعمل في مجال مرتبط بالطاقة النووية؟
تخصص أبي لم يكن الطاقة النووية تحديداً، بل الفيزياء؛ لكن بعد شهادة الدكتور علي محمدي عام 2009، شعرنا وكأن جرس إنذار قد دق، وتغير شكل حياتنا. كنّا نعرف أن أبي يعمل في مشاريع وأعمال مختبرية إلى جانب الجامعة؛ لكن اتضاح خطورة هذا المسار للعائلة بدأ بعد شهادة الشهيد علي محمدي. منذ عام 2009 أدركنا أن لهذه الأعمال تبعات، وأن الحياة لن تبقى كما كانت.
هل كان يتحدث في البيت عن مهمّاته؟
ليس كثيراً. كان خياره الدائم أن تبقى الجلسات العائلية عائلية. إذا طُرحت قضايا اجتماعية أو سياسية، كان يتحدث بحسب المناسبة، وكذلك في المواضيع الدينية. أمّا تفاصيل العمل، فكانت نادرة جداً.
ما الصفة التي جعلته قادراً على دخول هذا المجال ودفع هذه المشاريع؟
بعد شهادته رُفع شعار يلخّص مساره: «حتى آخر النفس من أجل إيران». أبي كان يرى نفسه جندياً للقيادة وجندياً لإيران. كان يوصينا دائماً بأن نعمل بحيث نكون «أفضل ما يمكن لصاحب الزمان». هذا النظر يرفع الإنسان في أي موقع كان: في العلم، في الأمومة، في الدراسة، أو في العمل.
كان يبذل بلا حساب لتنفيذ توجيهات قائد الثورة الإسلامية ومساعدة سفينة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على بلوغ مقصدها. لذلك لم يكن يبخل بالوقت ولا بالجهد ولا بالدراسة. كان يتعامل مع الله، ولهذا كان حاله جيداً دائماً، فعلاً جيداً.
هل كان لوالدتكم دور في هذا المسار؟
بالتأكيد. من دون مرافقة أمّي، لم يكن أبي لينجح بهذا الشكل. منذ أن ذهب إلى روسيا لدراسة الدكتوراه، وكنت أنا طفلة حينها، وحتى عودته، ثم في السنوات التي كانت مسؤولياته فيها كثيرة، كانت أمّي تتحمل عبء البيت والأطفال. وبعد عام 2009، حين تغيّرت الظروف الأمنية، حاولت أن تقوم بكل شيء كي لا يكون على أبي حمل إضافي. ظهرت قيود في الحركة والسفر والشراء والخروج. لم يعد ممكناً أن يعيش كما في السابق. حتى المشي والرياضة كانا صعبين أحياناً؛ لكن مرافقة أمّي وصبرها كانا يمنعان عنه الضيق. أظن أن شكرهما لما كان لديهما هو ما أوصلهما إلى تلك المرتبة.
كيف كان يحافظ على التوازن بين العائلة والعمل؟
كانت أمّي تؤمن بشيء وتكرره لنا: إذا خرجت من البيت، تخرج بعد أبي، وإذا عاد إلى البيت، تكون هي في استقباله. كانت تجعل البيت مأمناً حقيقياً له، تهيئ له الراحة النفسية والجسدية. وعندما يكون الإنسان مطمئناً أن البيت مستقر، يستطيع أن يعمل براحة أكبر.
كانت دقيقة جداً في الحلال والحرام. أحد مسؤولي الجامعة قال لي إن والدي أجرى عملاً طبياً للأسنان، وكانت أمّي تتصل بالمكتب وتؤكد أن تُسدَّد الكلفة بسرعة حتى لا يبقى شيء في الذمة. كانت هذه الدقة جزءاً من مرافقتها له.
هل خفتم بعد شهادة العلماء الآخرين؟
يوم استشهد الدكتور علي محمدي، كنت في الجامعة. أخبرني زوجي بما حدث وذكر الاسم، ولم يكن يعرف أن الشهيد كان من أصدقاء والدي. نحن في البيت كنّا نعرفه باسم «السيد مسعود».
اتصلت بالبيت، وكان أبي هناك. عندما عدنا رأيناه في حال شديد من الحزن، وقد كان في ذلك الصباح على موعد مع الشهيد فخري زاده والدكتور علي محمدي وبعض الزملاء. حضر أبي والشهيد فخري زاده، ثم وصل خبر الجريمة. كان أبي من أوائل مَن وصلوا إلى الشهيد.
لم يكن لدينا شعور مباشر بالخوف. الإنسان لا يصدّق الخطر تماماً ما لم يواجهه. نحن نؤمن بأن الشهادة مقام عظيم ومصدر فخر؛ لكن من الناحية العملية، يبقى استيعابها صعباً حتى تقع.
كان أبي يتحدث عن الشهادة كثيراً، ويقول: «لو حدث كذا، لو استشهدت مع مجيد...». وبعد شهادة الدكتور شهرياري، اتصلوا به وطلبوا منه ألّا يخرج من البيت. كنّا نرى أنه ينتظر الشهادة منذ زمن الحرب، وكان يقول إنه ينتظر أن تسقط قذيفة إلى جانبه، حتى لو لم يكن في ميدان الحرب؛ لكن بعد شهادة الشهيد فخري زاده تغيّر إحساسنا تماماً.
كنّا نعرف مكانته وحساسية حياته، ونعلم أنه عاش سنوات طويلة في صمت وحذر. عندما استُشهد، أصبح الأمر أثقل. ومنذ تلك الحادثة، خاصة حين استشهد واضعاً رأسه في حجر زوجته، بدأت أمّي تقول بجدية: «إذا كان لابدّ من الشهادة، فأنا أريد أن أكون معه، لا أحتمل أن أبقى متفرجة». كنّا نأخذ كلامها أحياناً كأنه مزاح؛ لكنها كانت تدعو لذلك بصدق.
يُتبع...
