في يوم الشعر والأدب الشعائري وتكريم الشاعر محتشم الكاشاني

محرّم الحرام.. ملحمة العشق الإلهي وهويّة الأمّة الثقافية

/   ها هو شهر محرم الحرام، شهر عزاء أهل البيت(ع)، يحل بنا من جديد. حلّ بنا شهر محرم، ذلك الشهر الذي استشهد فيه الإمام الحسين بن علي (ع) وأهل بيته وأصحابه في اليوم العاشر منه، يوم عاشوراء.
إن ملحمة عاشوراء هي فصل العشق والشوق والعرفان عند رجال الله العظماء، والتي أظهرت للعالم والعالميين حياة الإسلام النقي المحمدي(ص)، والتحرر والحرية. محرم الحرام هو شهر التعلق بقلب الحقيقة التي خُلِّدت في كربلاء المقدسة؛ شهر تعجز الكلمات أمام عظمته، وتنجذب القلوب لا إرادياً نحو اسم الإمام الحسين(ع). محرم، شهر الحزن والأسى، شهر الإيثار والفداء، شهر الشهادة والبطولة. الحديث عن الإمام الحسين(ع) وشهر محرم ليس بالأمر الهين! الكلام عن مولانا الإمام الحسين(ع) الذي، كما يقول الشاعر: «من هو الامام الحسين(ع) الذي العالم كله هائم به؟!». كل أحرار العالم، من أي دين ومذهب كانوا، عاشقون لأبي الأحرار الإمام الحسين بن علي(ع).
على مر التاريخ، كتب الأدباء والشعراء والفنانون وكل من كان عاشقاً للمولى كتباً أو نظموا شعراً من أجل المولى. لكن بين هؤلاء، يبرز أكثر من غيره محتشم الكاشاني بأشعاره التي اشتهرت جداً وأصبحت على الأبواب والجدران والتكايا والحسينيات. حبه للإمام الحسين(ع) جارٍ في كلمة كلمة من أشعاره، أشعار تترسخ في القلب، ويترنم بها عشاق المولى مع حلول شهر محرم الحرام: « يبدو عزاء أشرف أولاد آدم». ولهذا السبب، فإن اليوم الأول من محرم في تقويم الجمهورية الإسلامية الإيرانية سُجِّل باسم «يوم تكريم محتشم الكاشاني». وبهذه المناسبة، مقدم المقال التالي.
أدب  الرثاء.. إرث خالد 
إن الفن الإيراني بما فيه الشعر، ولد وترعرع في أحضان المعرفة الدينية والعرفان. وبغض النظر عن الأساطير والملاحم القومية والقديمة، فإن قريحة الشعراء أبدعت اروع المراثي حزناً على أعزتهم والمقربين منهم. وفي أدب الرثاء ثمة جانب مقدس يختص بالوقائع الدينية والمصائب التي حلت على نبي الاسلام واستشهاد أهل بيته والأئمة الأطهار(ع) والظلم الذي لحق بهم.
إن تاريخ الشعر الإيراني حافل بهذا النوع من المراثي، وتعد قصيدة محتشم الكاشاني التي تصور واقعة عاشوراء المؤلمة واستشهاد الامام الحسين(ع) وآل بيته(ع) وأنصاره، في طليعة المراثي الحسينية والرثاء الديني. نظم محتشم الكاشاني قصيدته في اثني عشر مقطعاً، يتألف كل مقطع من سبعة أبيات، كل بيت أفضل من الآخر. وفيما يتعلق بجمالية قصيدة الرثاء وقوة الإبداع التي اتسمت بها، يكفي أن تعرف بأن شعراء كثيرين اقتفوا اثر قصيدة محتشم، غير أن أياً من المراثي التي نظمت في واقعة الطف، وملحمة عاشوراء، لم ترق الى هذه القصيدة. القصيدة التي تبدأ بهذه الأبيات: «أرى ضجة قد عادت في الخليقة! فما هي؟.. ما هذه النياحة والعزاء؟ وما هذا المأتم هذه القيامة التي قامت على الأرض؟.. إذا سميته قيامة الدنيا فليس ذلك ببعيد.. هذه القيامة التي تحمل اسم محرّم في حضرة القدس التي تخلو من الملل.. الجن والملائك ينوحون على البشر..».
تعريف الأدب الشعائري
الأدب الشعائري هو نوع من الأدب واسع النطاق، ينبثق من التعاليم الوحيانية، وثقافة العترة والولاية، وتاريخ الإسلام، أو يستلهم من التقاليد القومية والمحلية. شاعر هذا الأدب هو كمرآة موجهة نحو الشمس، يعكس نورها للآخرين. الأدب الفارسي والشعر الشعائري متداخلان بشكل كبير، حيث استُخدمت الكثير من المضامين الدينية بشكل فني في الأدب وأودعت في ذاكرة الناس.
محتشم الكاشاني.. الشاعر الخالد
كمال الدين علي محتشم الكاشاني (905-996هـ)، الملقب بـ «شمس شعراء كاشان»، هو أبرز شعراء الأدب الشعائري في العصر الصفوي.
يعد محتشم الكاشاني من كبار شعراء القصيدة ذات النمط الهندي، على الرغم من امتلاكه ذوق وقدرة ومهارة فريدة في صياغة مادة التاريخ. ونظراً لما تتسم به قصائد محتشم من مهارة الصنعة وسمو الشاعرية، تؤهله احياناً لإحتلال موقع أفضل من معاصريه.
كلمة قائد الأمّة الشهيد
على مدى أربعة قرون، كانت قصيدة محتشم الكاشاني من أكثر الأعمال الشعرية العاشورائية رواجاً في اللغة الفارسية، وتجاوز شهرته حدود إيران إلى الهند وباكستان وأفغانستان. قال قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض): «إنه يرسم حادثة كربلاء برسومية تجعل هذه المفاهيم تتغلغل في أعماق نفس السامع، ويجذب القلوب بفنه وذوقه».
وهكذا يبقى محرم الحرام، عاماً بعد عام، مدرسةً لا تغلق أبوابها، وملحمةً لا تجف أبدع فيها الشعراء. فبين دماء كربلاء وكلمات محتشم، تتجدد الهوية، وتُصان الذاكرة، ويُعرف الأحرار براية أبي الأحرار (ع). رزقنا الله وإياكم حسن التأسي، وختم لنا بالشهادة في سبيل الحق.
البحث
الأرشيف التاريخي