تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
خريطة طريق جديدة للنهوض بالطب الإيراني والنباتات الطبية
الحوكمة القائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي محورٌ جديد لتطوير النباتات الطبية والطب الإيراني
وما يمكن استخلاصه من مجمل الكلمات التي طُرحت في هذا الاجتماع هو أن تطوير النباتات الطبية والطب الإيراني لم يعد مجرد قضية ثقافية أو بحثية فحسب، بل تحوّل إلى ملف عابر للقطاعات، يرتبط بمنظومة الصحة، والاقتصاد القائم على المعرفة، وصنع السياسات العلمية، والتصدير، والتوحيد القياسي، والتقنيات الحديثة. وفي هذا السياق، طُرح الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية للبيانات بوصفهما من أهم أدوات المستقبل في هذا المجال.
أفشين: البيانات والحوكمة والذكاء الاصطناعي في خدمة النباتات الطبية
شدّد مساعد رئيس الجمهورية للشؤون العلمية والتكنولوجية والاقتصاد القائم على المعرفة، خلال هذا الاجتماع، على أنّ أي برنامج تنموي لا يمكن أن يحقق نتائجه من دون تصميم دقيق، داعياً إلى إخضاع الوثائق والبرامج المقترحة من قبل مختلف الأجهزة لدراسة تخصصية معمّقة، وقال: إن تحقيق أهداف هذا المجال يتطلب أن تحدد الوزارات والمؤسسات المسؤولة حصتها ودورها في البرنامج، بما يتيح إعداد وثيقة شاملة وقابلة للتنفيذ.
واعتبر حسين أفشين غياب البيانات المنسجمة والمتكاملة أحد العوائق الجدية أمام صنع السياسات في مجال النباتات الطبية. وأوضح أنه من أجل اتخاذ قرارات صحيحة، ينبغي توفير معلومات دقيقة ومحدّثة بشأن حجم الإنتاج، والاستيراد، والتصدير، والتصنيع، والقدرات الصناعية، والمزايا الحقيقية للبلاد. وبرأيه، من دون مثل هذا البنك من البيانات، ستستند عملية دعم المشاريع والاستثمارات إلى الحدس والتخمين أكثر مما تستند إلى الحقائق الاقتصادية والتكنولوجية.
وكانت نقطة بارزة أخرى في كلمة مساعد رئيس الجمهورية للشؤون العلمية تأكيده ضرورة الربط بين البيانات العلمية، والبحوث السريرية، والذكاء الاصطناعي، وقال: إن البيانات الوطنية، والمعرفة المحلية، والنتائج البحثية ينبغي إدخالها في أنظمة الذكاء الاصطناعي ونماذج التعلّم الآلي، بما يتيح تحليلاً أعمق وصنع قرارات أكثر دقة.
ويُظهر هذا التصور أنّ الذكاء الاصطناعي، في المقاربة الجديدة لمعاونية الشؤون العلمية، ليس مجرد مصطلح تجميلي، بل أداة للارتقاء بالمكانة العلمية والتنافسية للبلاد في مجال النباتات الطبية. وبعبارة أخرى، كلما جرى إنتاج بيانات موثوقة ودراسات سريرية أوسع، ازدادت القدرة على استخدام الخوارزميات الذكية لاكتشاف الأنماط، وتقييم الفاعلية، وتطوير منتجات جديدة.
خسروبناه: الطب الإيراني ليس في مواجهة الطب الحديث
من جانبه، تناول أمين المجلس الأعلى للثورة الثقافية، الموضوع من زاوية أوسع، مؤكداً أن التسمية الصحيحة لهذا المجال ينبغي أن تكون «الطب الإيراني» لا «الطب التقليدي»، لأن هذه التسمية، في الأدبيات العلمية المعاصرة، تعبّر بصورة أفضل عن علاقة هذا المجال بالطب الحديث.
وعرّف عبدالحسين خسروبناه الطب الإيراني لا بوصفه في مواجهة الطب الحديث، بل في إطار التفاعل والتكامل معه؛ وهي رؤية من شأنها أن تحدّ من الثنائيات غير المثمرة في هذا المجال. واعتبر أن الطب الإيراني يقوم على أربعة مستويات، هي: الحكمة، والمعرفة، والصناعة، والمعيشة، محذّراً من أن إغفال أيٍّ من هذه الأبعاد من شأنه أن يخلّ بالتنمية المتوازنة لهذا المجال. وشدّد، خسروبناه على ضرورة تطوير التعليم التخصصي، وتأهيل الباحثين في مراحل الدراسات العليا، ودعم القطاع الخاص، والتوجّه نحو التسويق التجاري، مؤكداً أن تقدم هذا المجال غير ممكن من دون تشكّل منظومة ابتكار متكاملة. وأشار إلى اهتمام بعض الدول، مثل الهند والصين، بالتعاون في مجال الطب الإيراني، مؤكداً ضرورة الاستفادة من القدرات الدولية لتطوير التفاعلات العلمية والجامعية.
سرکار: إشراك المجتمع وبناء الشبكات مفتاحا تطوير تقنيات النباتات الطبية
من جهته، تناول رئيس مركز تطوير التقنيات الاستراتيجية في معاونية الشؤون العلمية، خلال هذا الاجتماع، قدرات البلاد من منظور تكنولوجي، وقال: إن إيران تمتلك إرثاً غنياً في مجال النباتات الطبية، غير أن هذه القدرة لم تتحول خلال السنوات الماضية إلى طاقة فعلية كما ينبغي.
وأشار سعيد سرکار إلى تجارب دول ناجحة مثل الصين والهند، مؤكداً أن هذه الدول استطاعت، عبر الاستثمار الهادف، وبناء العلامات التجارية، وتطوير الأسواق الدولية، أن تحقق مكانة مهمة في اقتصاد الطب التقليدي والتكميلي. ومن وجهة نظر سرکار، فإن إيران، من أجل الحضور الفاعل في هذا السوق، تحتاج إلى رؤية تكنولوجية، وتخطيط وطني، وربط بين المعرفة المحلية والأدوات الحديثة.
وبرأيه، يمكن للتلاميذ أن يتحولوا إلى سفراء للوعي في هذا المجال، وأن يعرّفوا الأسر أيضاً بالقدرات العلمية والعلاجية لهذا القطاع. ومن شأن هذا النهج أن يقلّص الفجوة بين المؤسسات العلمية والمجتمع، وأن يوفّر أرضية للقبول العام بالمنتجات المعيارية والعلمية. كما شدّد سرکار على ضرورة بناء شبكة وطنية بين الجامعات، ومراكز البحث، والشركات القائمة على المعرفة، والفاعلين الاقتصاديين، والقدرات الإقليمية، قائلاً إن تطوير هذا المجال ينبغي أن ينتقل من نشاط تخصصي محدود إلى تيار وطني.
واعتبر التقنيات الحديثة، مثل تكنولوجيا النانو والذكاء الاصطناعي، من الأدوات الرئيسية لزيادة فاعلية المنتجات النباتية وجودتها وقدرتها التنافسية، مضيفاً أن المركبات النباتية القيّمة في إيران يمكن، في حال دمجها بالتقنيات الجديدة، أن تتحول إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية.
رضائي زاده: هندسة حوكمة حديثة لتحويل الطب الإيراني إلى صناعة قائمة على المعرفة
وفي جانب آخر من الاجتماع، أعلن أمين مقرّ تطوير علوم وتكنولوجيا النباتات الطبية والطب الإيراني عن إعداد نموذج جديد للحوكمة وبرامج وطنية تهدف إلى تحويل الطب الإيراني إلى صناعة قائمة على المعرفة، موجهة نحو التصدير، ومؤثرة في اقتصاد البلاد.
وأشار حسين رضائي زاده إلى الوثيقة الجديدة للاستراتيجية العالمية للطب التقليدي الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، قائلاً: إن التوجه العالمي بات يسير أيضاً نحو الإدماج العلمي والقائم على الأدلة للطب التقليدي في الأنظمة الصحية. ومن وجهة نظره، فإن هذا التحول في المقاربة يتيح فرصة مهمة لإيران كي تستند إلى رصيدها العلمي والثقافي وتحظى بمكانة أكثر فاعلية في هذا المجال.
واعتبر رضائي زاده أن الهيكل التنموي الجديد للمقرّ يقوم على خمسة أعمدة رئيسية، هي: صنع السياسات والتوحيد القياسي، والتعليم والبحث، وإدارة البيانات والبحوث الوطنية، وبناء الثقافة والترويج العام، وتطوير التعاون الدولي.
وكانت مسألة التوحيد القياسي وبناء العلامة الوطنية من النقاط المهمة الأخرى في كلمته. فبحسب رضائي زاده، فإن تشكيل اللجنة الفنية المناظرة للطب التقليدي، وبدء مسار إعداد المعايير الوطنية والدولية، يمكن أن يسهما في رفع جودة المنتجات وتمهيد طريق التصدير في الوقت نفسه.
كما أعلن عن بدء عملية تسجيل المؤشرات الجغرافية وتصميم علامات وطنية لبعض المنتجات المختارة؛ وهي خطوة يمكن أن تسهم في منح الهوية للمنتجات الإيرانية، وزيادة ثقة السوق، وتطوير الصادرات.
من قدرات متفرقة إلى صناعة قائمة على المعرفة
في الخلاصة، أظهر الاجتماع الأخير أن المسار المستقبلي للنباتات الطبية والطب الإيراني مرهون بثلاثة مبادئ أساسية: إنتاج بيانات موثوقة، وحوكمة متكاملة، وربط التقنيات الحديثة بالمعرفة المحلية.
وإذا ما مضت هذه المحاور الثلاثة في الاتجاه الصحيح، فإن هذا المجال يمكن أن يتجاوز مستوى القدرات المتفرقة والكامنة، ليتحول إلى أحد محرّكات الصحة، والاقتصاد القائم على المعرفة، بل وحتى الدبلوماسية العلمية للبلاد.
إن التأكيد على الذكاء الاصطناعي، والتوحيد القياسي، والوصف العلمي للأدوية، والتغطية التأمينية، والدبلوماسية العلمية، وإشراك المجتمع، والتصدير، يُظهر أن النظرة الجديدة إلى النباتات الطبية والطب الإيراني لم تعد تقتصر على حفظ إرث الماضي، بل تتركز على بناء مستقبل تكنولوجي، قادر على المنافسة، ومستند إلى الأدلة العلمية.
