الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وثلاثة وسبعون - ٠٩ يونيو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وثلاثة وسبعون - ٠٩ يونيو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

تحليل للحرب الإدراكية بين إيران وأمريكا

أصغر زبرجدي
خبير إعلامي


لقد تعلّمت إيران بالتجربة أنها، من أجل تثبيت منجزاتها، ينبغي أن تكون صبورة وأن تركّز على أولوياتها. ومن هذه الجهة، تبنّت مقاربة فاعلة وهجومية، عبر تنويع الاستراتيجيات والمبادرات والسرد الذكي لحرب الحسابات الجديدة، وهي بهذه الحكمة تدير حرب الإدراكات الاستراتيجية.
إنّ التقابل الاستراتيجي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأمريكا في هذه الأيام اتخذ شكلاً متشابكاً، متأثراً بطبيعة التعارضات الاستراتيجية وقواعد الإدارة الاستراتيجية للنزاعات الكبرى والمعقدة. فالرسائل والمواقف، والأفعال وردود الأفعال الصادرة عن الطرفين في هذه الأيام، قابلة للتحليل والتفسير ضمن هذا الإطار.
وتسعى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بصورة مبدئية، إلى أن تقدم، بوضوح وشفافية، صورة عن خطوطها الحمراء بوصفها قوة منطقية، وذات قدرات استراتيجية، ويمكن التنبؤ بها، ومسؤولة. إن قابلية التنبؤ بالقوة من المنظور الاستراتيجي تعني أن الأعداء لديهم هذا التقدير القطعي بأنه إذا لم تؤخذ الخطوط الحمراء للجمهورية الإسلامية الإيرانية بعين الاعتبار، فإنها، حتماً، تمتلك إرادة وقدرة إعمال قوتها الذاتية النابعة من الداخل، في أي مستوى وجغرافيا وزمان، وهي في هذا الطريق لا تجامل ولا تتساهل مع أي قوة؛ مع أنها أعلنت مراراً أن قوتها لا تشكل تهديداً لأي بلد، بل هي في خدمة الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة.
إنّ هذا النزاع وردود الفعل المتبادلة يمثلان واحداً من أكبر النزاعات الدولية وأكثرها تاريخية، وسيكونان حجر الأساس في معمار معادلة ونظام القوة المستقبلي. ولذلك، فإن الطرفين، وسائر الأطراف المنخرطة في مدارات القوة المختلفة، يسعون، مع أداء دور جاد، إلى وضع لبنات هذا المعمار الجديد بعضها فوق بعض، بحسابات دقيقة وذكية وحذرة. وفي هذا المستوى، فإن ما يحظى بالأهمية هو الصبر، والنظر في العواقب، والدقة، وفي الوقت نفسه الشجاعة وقبول المخاطرة والفعل في الوقت المناسب؛ وهي أمور لا تمتلك قدرة الصمود ومهارة ممارستها في هذه اللعبة ولعبة الشطرنج المتعددة الأبعاد إلا العقول الاستراتيجية.
إنّ ما يجري تداوله في هذه الأيام في وسائل الإعلام، ولا سيما في الشبكات الاجتماعية الشخصية للمسؤولين، هو انعكاس للمستوى المعقد من الحرب الإدراكية الاستراتيجية، التي تجري على أعلى مستوى، وبناءً على تقييمات استراتيجية واستخباراتية وحسابات معقدة، وهي مملوءة بالفخاخ السياسية والإدراكية والمعرفية الهادفة إلى التأثير في الحسابات والتقييمات. وهي تتجاوز مجرد مواقف عادية، ولا يمكن المرور عليها ببساطة. فالأمريكيون، وفي مقدمتهم ترامب، يعملون، عبر حجم هائل من المواقف المتنوعة والمتناقضة ظاهرياً، على تصميم لعبة إدراكية جديدة، مليئة بمختلف الفخاخ المعرفية والإدراكية. أمّا الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فبفضل دروس سنوات من أداء الدور على المستوى العالمي والمفاوضات وتجربة نكث الطرف الأمريكي لعهوده، تشخّص خريطتهم بحكمة وتحيّدها.
إنّ حقيقة مشهد ما بعد الحرب هي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية في طور بناء القواعد وإملاء ظهور قوة جديدة بوصفه منجزها الأساسي والاستراتيجي من الحرب، وفي المقابل تسعى أمريكا إلى احتواء ذلك وقمعه بشتى الأساليب المختلفة. ومن هنا، تعلمت إيران بالتجربة أنها، من أجل تثبيت منجزاتها، ينبغي أن تكون صبورة وأن تركّز على أولوياتها. ومن هذه الجهة، تبنّت مقاربة فاعلة وهجومية، عبر تنويع الاستراتيجيات والمبادرات والسرد الذكي لحرب الحسابات الجديدة، وهي بهذه الحكمة تدير حرب الإدراكات الاستراتيجية. أما فتيل هذا المستوى من الحرب، فهو الاشتباكات المتفرقة وتبادل النار من أجل الضبط المحتمل للخطوط الحمراء، ورسم الأفكار وإملائها، والتحقق من الإرادات.
يبدو أن تحليل الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو أن العدو، في الإطار الكلي لاستراتيجية احتواء إيران واستنزافها استراتيجياً، يسعى إلى إبقاء ظل الحرب قائماً، ودفعها إلى البيئة الرمادية ووضعية لا حرب ولا سلام. ومن جهة أخرى، فهي تعلم جيداً أن الاستعجال من أجل السلام أخطر بكثير من الحرب نفسها، لذلك تواصل استراتيجية الضغط على الخصم، وبهذا الفهم الاستراتيجي غيّرت أرضية اللعبة بصورة جيدة. ويعني تغيير أرضية اللعبة أنها لا تضع نفسها أبداً في مأزق الحلول الجامدة، بل تقدم باستمرار خيارات مختلفة، وتضع خصمها تحت الضغط عبر مبادرات واقتراحات متنوعة بوصفها أسلوباً غير مباشر، إلى جانب القوات المسلحة وسائر القدرات الاستراتيجية والجيوسياسية بصورة مباشرة.
إنّ تبني استراتيجية الصمود يشكل فصلاً لامعاً وأحد الأضلاع المهمة في هندسة الدفاع الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. إنها استراتيجية مختلفة عن المقاومة، وبعبارة أخرى هي مقاومة هجومية. ولا تعني قبول الألم والمعاناة والمشقة والقحط والفقر؛ بل تعني أنها تقبل بوجود العدو وعداوته وأساليبه، وتفهم الحرب معه، وتقيسها، كخيار عقلاني، بقدرات البلاد وإمكاناتها وإرادتها، ثم تهضمها في داخلها وتحلّها. كما أن شعب إيران العظيم، بعد سنوات من تحمل الصعوبات بوصفها كلفة استقلاله وحريته، حوّل هذه المرة، بصفته جنوداً في معمار أمن إيران وقوتها العالمية الكبرى، وإلى جانب الدولة، صمود إيران إلى قدرة استراتيجية، لها من حيث الأهمية منزلة شبيهة بمضيق هرمز، وقد كان لها سهم كبير جداً في كسر الاستراتيجيات الإعلامية والمعرفية للعدو.
خلاصة القول، إنه إلى جانب الحفاظ على الإرادة الحاسمة في تحديد زمان ومكان الرد على أي تهديد، فإن ما سيكون سرّ الانتصار هو القدرة على تشكيل إطار المفاوضات وفق المراد، ومنع الطرف المقابل من الخروج من هذا الإطار. وهذا لا يتحقق إلا بالإيمان بالوعد الإلهي، والثقة بالقدرة الداخلية، والذكاء، والحكمة، والشجاعة، والاستقامة، والصبر.

البحث
الأرشيف التاريخي