الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف واثنان وسبعون - ٠٨ يونيو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف واثنان وسبعون - ٠٨ يونيو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

هدنة تجارية مؤقتة بين الصين وأمريكا في ظل انعدام ثقة بنيوي

محمدرضا كشاورززاده
السفير الإيراني السابق لدى الصين


تحظى الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الأمريكي إلى الصين بأهمية بالغة من جوانب متعددة؛ بالنظر إلى مكانة الصين كقوة اقتصادية ثانية في العالم وصاحبة اقتصاد صاعد ونشط. كما يسجل الصينيون قفزات نوعية متتالية في شتى المجالات، بما في ذلك قطاعات الفضاء، والذكاء الاصطناعي، والصناعات العسكرية؛ إذ تجلى هذا التقدم في الشق العسكري بامتلاك بكين حالياً لحاملة طائراتها الثالثة، بعد أن كانت تفتقر تماماً لهذه التكنولوجيا في وقت سابق. وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة بوصفها قوة عظمى، كانت ولا تزال تنظر إلى الصين باعتبارها المنافس والمشخص الأساسي لنفوذها.
لقد جاء اللقاء بين رئيسي الولايات المتحدة والصين بعد قطيعة دامت تسع سنوات. ففي اللقاءات السابقة التي جمعت مسؤولي البلدين إبان الولاية الأولى لترامب، شهدت العلاقات الصينية - الأمريكية توترات حادة؛ ولعل ما جرى في ألاسكا من تصعيد في أعقاب المباحثات التي أجراها وزير الخارجية الصيني مع المسؤولين الأمريكيين، يمثل نموذجاً حياً على ذلك الاحتقان.
ومع ذلك، فإن زيارة ترامب الأخيرة إلى بكين تكتسب صبغة استثنائية بالنظر إلى الهدنة التجارية المحددة بعام واحد والمبرمة بين البلدين، والتي من المتوقع أن تنتهي مفاعيلها في شهري سبتمبر وأكتوبر القادمين. ويعكس تشكيل الوفد الأمريكي المرافق -والذي ضمّ في أغلبيته ممثلين عن كبريات الشركات العالمية إلى جانب وزير الخزانة الأمريكي- أن الزيارة طغى عليها البُعد الاقتصادي، على الرغم من عمق وتجذر الخلافات البنيوية بين الطرفين. ويعود السبب في ذلك إلى أن الأمريكيين دأبوا طوال السنوات الماضية على استهداف "المصالح الحيوية" و"الخطوط الحمراء للصين"، في الوقت الذي يزعمون فيه الالتزام بها علناً.
ويبرز ملف تايوان كأحد أكثر الشواهد دلالة على هذا السلوك؛ إذ عمد السياسيون الأمريكيون -سواء من الحزب الجمهوري وهيئة الحكم أو من الحزب الديمقراطي- إلى اتخاذ إجراءات متواصلة تؤدي إلى تقويض سياسة "الصين الواحدة". وفي حين يصرّ الصينيون على مبدأ وجود صين واحدة لا تتجزأ وأن تايوان جزء لا يتجزأ منها، ويبدي الأمريكيون قبولاً ظاهرياً بهذا المبدأ، إلا أنهم يستمرون في ممارساتهم الاستفزازية؛ كالزيارة التي قامت بها رئيسة مجلس النواب الأميركي آنذاك "نانسي بيلوسي" إلى تايوان قبل بضع سنوات عندما كانت ترأس مجلس النواب الأمريكي.
إن كل هذه الشواهد تؤكد أن التباينات بين الطرفين هي تباينات جوهرية، وأن الاتفاقات المبرمة لا تتعدى كونها تفاهمات إجرائية مؤقتة، بينما تظل الخلافات البنيوية تراوح مكانها.
وفي تفسير خلفيات انعدام الثقة القائم بين واشنطن وبكين، يمكن القول إن الخلاف الأمريكي مع الصين هو خلاف جذري، وإذا كانت واشنطن تجلس اليوم إلى طاولة المفاوضات فإنها تفعل ذلك مدفوعة بالاضطرار؛ نظراً للأزمات التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي حالياً. ومؤخراً، عندما أبدى ترامب رغبته في فرض تعرفات جمركية باهظة على السلع الصينية، سارعت بكين بالردّ بالمثل وبإجراءات مضادة وفورية، مما أجبر الطرف الأمريكي على التراجع.
إن الصين تطرح نفسها اليوم كقوة متفوقة، الأمر الذي يثير مخاوف عميقة لدى الدوائر الأمريكية من إمكانية أن تنجح بكين في تحدي الهيمنة الأمريكية ومزاحمتها في شتى بقاع العالم، سواء في منطقة غرب آسيا، أو الشرق الأقصى، أو القارة الأفريقية. وخلال الزيارة الأخيرة لترامب إلى الصين، أظهرت الصور والمقاطع المسربة قيام أعضاء الوفد الأمريكي بإلقاء الهدايا المقدمة لهم من الجانب الصيني في سلال المهملات قبيل صعودهم إلى الطائرة، كما أفادت بعض الأنباء بأن الوفد الأمريكي استعان بمضيفين أمريكيين خاصين حتى خلال مأدبة العشاء التي أقامها الرئيس الصيني.
إن هذا التوجس وانعدام الثقة بين البلدين حقيقي وله جذور عميقة؛ وتأكيداً لذلك، تمكنت الأجهزة الصينية خلال العامين الماضيين من تفكيك شبكة تجسس أمريكية واسعة ونافذة داخل الصين، وأعقب ذلك عزل وإقالة العديد من المسؤولين الصينيين رفيعي المستوى ممن ثبت تورطهم في هذه الشبكة الاستخباراتية التي أدارتها الولايات المتحدة.
أمّا بخصوص التطورات الراهنة والرؤية الصينية للأزمات الإقليمية، ولا سيما في منطقة الخليج الفارسي، فإن بكين تسعى جاهدة للحفاظ على أجواء الهدوء والاستقرار في حركة التجارة والاقتصاد العالمي. فالصينيون لا يميلون إلى التصعيد بأي شكل من الأشكال، لأن التوترات تلحق ضرراً مباشراً بمصالحهم، كما أن فرض أي عقوبات أو تعرفات جمركية جديدة يحمل تداعيات سلبية على مسار نموهم. وفي الآونة الأخيرة، قامت بكين بإبرام صفقات شراء ضخمة من الولايات المتحدة، شملت الاستحواذ على 200 طائرة من طراز "بوينغ"، فضلاً عن كميات كبيرة من الأعلاف الحيوانية وبعض المنتجات الزراعية. وبالنظر إلى اقتراب موعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، فإن هذه المشتريات الصينية ستقدم دعماً حيوياً للاقتصاد الأمريكي المأزوم.
بناءً على ذلك، يبدو أن الطرفين قد قبلا بنوع من الهدنة المؤقتة في حرب القوى التجارية. ومع ذلك، فإن التقديرات تشير إلى أن المواجهة الاقتصادية الشاملة بين أمريكا والصين في المستقبل تظل أمراً حتمياً لا مفر منه؛ نظراً للتمدد المستمر للنفوذ الصيني عالمياً، حيث تعتمد أكثر من 100 دولة في الوقت الراهن على البضائع والمنتجات الصينية بشكل أساسي.
وكان ترامب قد زعم في ولايته الأولى أن الصينيين يقومون بسرقة التكنولوجيا الخاصة بالشركات الأمريكية الكبرى. ورغم سريان الهدنة التجارية الحالية، وهي رغبة تتماشى مع الحسابات الصينية لأن عامل الوقت يصب في صالح بكين، إلا أن الأمريكيين سيدركون في المستقبل حجم الخسائر التي تكبدوها جراء هذا المسار؛ وهو ما عبر عنه زعيم الأقلية في مجلس النواب الأمريكي حين صرح بأن هذه الزيارة جاءت بغير مصلحة الولايات المتحدة، خاصة وأنها لم تحقق أي إنجاز ملموس في ملف تايوان، واقتصرت فحسب على تقديم بعض الامتيازات التجارية المؤقتة للاقتصاد الأمريكي.

البحث
الأرشيف التاريخي