الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وسبعون - ٠٦ يونيو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وسبعون - ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

سُكّان البيت الأبيض مبهوتون أمام إرادة طهران

إيران تحطّم «أسطورة» ترامب

/  كشفت الحرب مع إيران عن الحدود الضيقة والاهتزاز الكامن في "أسطورة" كفاءة دونالد ترامب؛ إذ تبين أن اعتماده الغريزي على الاستعراض الإعلامي واللفظي الهجومي لم يفضِ إلى نجاح عسكري حاسم، ولم يفلح في خلق دعم سياسي مستدام. ورغم أنه كان قادراً في الظروف العادية على تصوير هذا الأسلوب -الذي يمثل علامته التجارية الشخصية- كإنجاز إيجابي بل وكنجاح باهر؛ إلا أن الأمر يبدو مختلفاً تماماً هذه المرّة.
اعتبر موقع "USAPP" التحليلي التابع لـ"مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)"، في تقرير له، إن ترامب استثمر طوال ولايته الرئاسية الأولى، وكذلك في إدارته الثانية الحالية، أسلوبه في التواصل الهجومي الخاص للهيمنة على الروايات السياسية، واضعاً نفسه في صورة "صانع الصفقات" المحنك والكفوء. وبحسب ما أورده كريستوفر فدرستون، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة بيرمنغهام البريطانية، "في الوقت الذي تشهد فيه شعبية ترامب ومعدلات الرضا العام عنه تراجعاً ملحوظاً بين الجمهوريين، فإن الحرب الأمريكية مع إيران كشفت عن حدود قدرته على إقناع الآخرين، وأظهرت تآكلاً كبيراً في علامته التجارية الشخصية. فالأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب لا تزال توجع المستهلك الأمريكي، وعلاقات واشطن مع حلفائها المقربين باتت متوترة ومتصدعة، بينما يبدو ترامب عاجزاً تماماً عن جلب إيران إلى طاولة المفاوضات".
"إن هدفنا هو الدفاع عن الشعب الأمريكي عبر القضاء على التهديدات الوشيكة للحكومة الإيرانية؛ إن تحركاتهم التهديدية تضع الولايات المتحدة، وقواتنا، وقواعدنا الخارجية، وحلفاءنا في العالم تحت الخطر المباشر".
كانت هذه هي المزاعم التي أطلقها ترامب في 28 فبراير بالتزامن مع بدء الهجوم الثاني لإدارته الحالية ضد إيران في ولايته الثانية. هذا الإجراء العسكري لم يكن متوقعاً، ليس فقط لمراقبي السياسة الخارجية لإدارة ترامب، بل وحتى للعديد من حلفاء الولايات المتحدة. وقد حاول ترامب، عبر استدعاء عقود من الخطاب المناهض لإيران الذي تبناه الرؤساء الأمريكيون السابقون، شحذ همم الشعب الأمريكي وتوحيده خلف هجماته.
ومع ذلك، ورغم لجوء ترامب إلى كافة تكتيكاته المعهودة لإقناع أنصاره، وتشتيت أو إرباك وسائل الإعلام وخصومه، إلا أنه فشل حتى الآن في نيل مستويات الدعم التي كان يأمل بوضوح في حصدها لإجراءاته ضد إيران. فقد هبطت نسب تأييده بين الناخبين الجمهوريين، وتراجعت بشكل حاد لتصل إلى 54% بين الجمهوريين غير المنتمين لحركة "ماجا" (MAGA) الداعمة له. وفي السياق ذاته، أخذت أسعار البنزين في الولايات المتحدة مساراً تصاعدياً حاداً، مما جعل ادعاء ترامب بأن هذا الارتفاع يعد ضئيلاً مقارنة بما وصفه بضرورة منع إيران من حيازة السلاح النووي، يرتد عليه سلباً ويسهم في تقليص الدعم المتبقي له داخل الكونغرس وبين الناخبين.
ويتابع التقرير: إن هذه الصورة القاتمة لا تعكس حتى الحجم الحقيقي والكامل للأضرار التي الحقتها الحرب مع إيران بإدارة ترامب، ولا تفي الواقع حقه. فالحرب الجارية دمرت علاقات أمريكا مع حلفائها المقربين، ولا سيما الدول التي كانت لعقود طويلة سنداً وعوناً للتحركات العسكرية الأمريكية.
لقد تآكلت مخزونات الأسلحة الأمريكية، ووردت تقارير تفيد بوجود نقص في الأغذية المخصصة للملاحين الأمريكيين المشاركين في العمليات الجارية في الخليج الفارسي. كما أن التخصص والتبحر "المدعى" لترامب في فن التفاوض، والذي يشكل ركيزة أساسية من علامته الشخصية، وُضع على محك الاختبار وبانت عيوبه وعقمه خلال محاولاته الرامية لجر إيران إلى طاولة المفاوضات لإنهاء الحرب. والمفارقة الساخرة هنا، هي أن كل هذه الخسائر والأضرار كانت نتاجاً لقرارات ترامب الشخصية؛ وهي القرارات التي أدت دوماً إلى تفاقم الأوضاع وزيادة حدة الأزمة.
النزاع الذي تهرّبوا من تسميته بالحرب!
إن امتناع ترامب المتعمد عن وصف المواجهة العسكرية مع إيران بـ"الحرب"، تحول من استراتيجية مدروسة إلى محاولة مكشوفة للهروب السياسي؛ حيث اعترف ترامب صراحة بأنه يتجنب استخدام هذا المصطلح لأن خوض الحرب "يتطلب الحصول على إذن من الكونغرس"، واستعاض عنه بتسميتها "عملية عسكرية". ورغم ذلك، سقط في فخ التناقض مستخدماً مصطلح الحرب للإشارة إلى هذا النزاع في مناسبات عدة أخرى!
هذا التناقض يفضح بوضوح حدود أسلوب التواصل الذي ينتسب لترامب، والمتمثل في محاولة فرض السيطرة على الرواية من خلال "إغراق الفضاء بالمعلومات التافهة والزائفة "، و"خلط المصطلحات"، و"الاعتماد على التكرار بهدف طمس معالم المسؤولية والتهرب منها". هذا النهج لطالما نجح معه لسنوات؛ إذ كان ترامب قادراً في الغالب على حجب الانتقادات عبر الاستعراضات الإعلامية والتطمينات المبالغ فيها. ومع ذلك، فإن الحرب -بغض النظر عن المسمى الذي يُطلق عليها- لا يمكن إخفاؤها أو تبديل ماهيتها. فالخسائر البشرية، والتصعيد العسكري، والاضطراب الاقتصادي، والأسئلة الدستورية العالقة، كلها أمور لا يمكن تبريرها أو محوها من الأذهان بالشعارات أو الارتجال والخطابات الرنانة. إن مساعي ترامب للتهرب من استخدام مصطلح "الحرب" لم تسفر سوى عن تسليط المزيد من الضوء على تداعياتها القانونية والسياسية.
وبالنسبة لرئيس لطالما جهد لتقديم نفسه كتاجر صريح ومختلف عن السياسيين التقليديين، فإن مثل هذه الألعاب اللغوية والاستخدام المخادع للمصطلحات للتلاعب بالعقول، بالتوازي مع ضربه للوعود الانتخابية (بعدم بدء حروب جديدة) عرض الحائط، ألحق ضرراً فادحاً بعلامته الشخصية وصورته الذهنية.
ترامب وإيران.. وحلفاء أمريكا المتذمّرون
إن تبني ترامب لأسلوب حاد، وعنيف، ومتغطرس في علاقاته مع حلفاء أمريكا ليس بالأمر الجديد؛ بيد أن سلوكه إبان هذه الحرب مع إيران ضاعف من الآثار الكارثية لهذا الأسلوب. فبينما كان يعتقد أن أسلوبه في التواصل أسهم سابقاً في زيادة الإنفاق العسكري لأعضاء الناتو وإعادة صياغة معاهدة "نافتا" في ولايته الأولى، فإن هذا الأسلوب لم يثمر في الحرب الحالية سوى عن تغيير طفيف وضئيل في سلوك حلفاء واشنطن، وجلب ضرراً محضاً لمكانة أمريكا العالمية.
فدعواته الموجهة لأعضاء الناتو لمساعدة أمريكا ضد إيران أو للمساهمة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام التجارة العالمية، قوبلت بالتجاهل ولم تجد آذاناً صاغية. واقترن انتقاده لبريطانيا بسبب عدم انضمامها للتحركات الأمريكية ضد طهران، بتقارير أفادت بأن إدارة ترامب باتت تراجع مسألة السيادة البريطانية على جزر فالكلاند! أمّا ردّ ترامب على انتقادات المستشار الألماني "فريدريش ميرتز" حول كيفية إدارته للحرب مع إيران، فكان بالقول: "إنه (ميرتز) لا يفقه عما يتحدث"، مهدداً بسحب القوات الأمريكية من ألمانيا. ورغم كل هذا الصراخ، عجز ترامب عن حشد دعم برلين، تماماً كما فشل في كسب تأييد لندن.
ويمكن القول إن تأثير هذه الحرب على علاقات أمريكا مع حلفائها في الخليج الفارسي كان أسوأ بكثير مقارنة بحلفاء الناتو؛ إذ تعرضت القواعد الأمريكية في دول الخليج الفارسي لضربات إيرانية متكررة، مما مزّق صورة الاستقرار والأمن في المنطقة، وألقى بظلاله القاتمة على حياة السكان وقطاع السياحة، ناهيك عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشآت النفط والغاز. وتفيد التقارير بأن مصفاة "حبشان"، وهي المصفاة الأكبر في الإمارات، لن تنجز أعمال إصلاحها بالكامل قبل حلول عام 2027.
وعلى الرغم من ادعاء ترامب بأنه تراجع عن شن هجمات جديدة تلبية لطلبات مكررة من حلفائه في الخليج الفارسي، إلا أن هذا الإجراء لم يتبدد سوى جزء يسير من مخاوفهم العميقة حيال الردود الإيرانية المرتقبة على الاعتداءات الأمريكية.
 استخفاف بالجيش والمؤسسة العسكرية
أعادت طريقة إدارة ترامب للحرب مع إيران إحياء المخاوف القديمة بشأن نظرته الحقيقية للقوات العسكرية الأمريكية، وبخاصة القتلى والجرحى منهم. ويشير النقاد إلى تقارير متعددة تراكمت عبر السنين، تؤكد أن مراسم تشييع العسكريين وعودة جثامين الجنود تمثل في نظر ترامب عبئاً ومأزقاً سياسياً أكثر من كونها لحظات وطنية جليلة تستحق الإجلال والاحترام. وقد عمّق حضوره لمراسم نقل جثامين الجنود القتلى في شهر مارس وهو يرتدي قبعة حملته الانتخابية، من حدة هذه المخاوف والشكوك حول طبيعة نظرته للمؤسسة العسكرية.
علاوة على ذلك، أذكت لغته الهجومية الحادة بشأن الحرب مع إيران الهواجس المتعلقة بموقفه من العمل العسكري وقوانين الحرب؛ إذ تباهى مراراً بالضربات العسكرية، واصفاً استخدام القوة العسكرية بأنه أمر "ممتع"، بل وقام بالدعابة والسخرية حول هذا الموضوع! وبعيداً عن هذا التبلد والقسوة اللفظية، هدد ترامب مراراً بإحداث دمار واسع وفرض إجراءات يمكن تصنيفها قانونياً كجرائم حرب.
كما سلط أسلوبه في التواصل الضوء على تجاهله التام للتبعات العملية للعمليات العسكرية وتعاطيه غير الجاد مع قضية الحرب؛ حيث أظهرت إدارته حرجاً وامتعاضاً واضحين من نشر الإحصائيات الحقيقية لضحايا الجيش الأمريكي في هذه الحرب. والتناقض هنا يبدو صارخاً ومذهلاً؛ فرئيس يشغف باستعراض القوة العسكرية ويقيم الاحتفالات لأجلها، يبدي في المقابل رغبة شبه منعدمة في مواجهة حقيقة التوابيت العائدة، والعائلات المفجوعة، والثمن الباهظ وغير القابل للتعويض الذي يدفعه الجنود العاديون في أتون الحرب، متعاملاً مع مراسم العزاء كمجرد تشويش ومزعج سياسي.
فنّ الصفقة أم فنّ قطيعة الصفقات؟
سيكون فقدان الدعم من جانب الجمهوريين، وحتى الأنصار التقليديين لحركة "ماجا"، في الانتخابات النصفية، مصدر قلق حاد لترامب؛ بيد أن عجز وفشله الذريع في دفع إيران نحو طاولة المفاوضات يمثل الصدمة الأكبر له على الإطلاق؛ فشخصية "صانع الصفقات" تلتصق بكينونته وهو الهوية التي جهد طوال مسيرته السياسية للحفاظ عليها واستعراضها أمام العالم.
ومع ذلك، فإن صلابة الموقف الإيراني المتمثل في الرفض المتكرر للمفاوضات، وتجاهل العروض، وإبداء الاستعداد الكامل للاستمرار وخوض نزاع طويل الأمد، قد ترك إدارة ترامب في حالة من البهت والذهول التام. وتكشف جملة ترامب الشهيرة والملحة بأن "إيران لا تملك أي أوراق"، عن عقم مطلق وعجز بنيوي في استيعاب وفهم الموقف الإيراني الحقيقي.
انقشاع الضباب ونهاية الأسطورة
إن ما يجعل هذه اللحظة خطيرة للغاية من الناحية السياسية على ترامب، هو أنها تستهدف مباشرة أسطورته والركائز الأساسية لصورته التي قضى سنوات في بنائها؛ فقد أسس شعبيته على قيم القوة، وكسر القواعد والأنماط التقليدية، واعداً بأن يقهر أعداء أمريكا (وحتى حلفائها) بمفرده ودون التورط في نزاعات مكلفة شبيهة بتلك التي أطاحت برؤساء أمريكا السابقين.
لكن حرب إيران مزقت حجاب هذه "الأسطورة"؛ فالاعتماد الغريزي على الاستعراض الإعلامي، واللغات الهجومية، والعلامة الشخصية الفجة، لم يحقق حسماً عسكرياً ولا إسناداً سياسياً مستداماً. وإن أسلوبه الحاد والوقح يتناغم دون شك مع شخصيته، وكان بمقدوره في الأوقات العادية ترويج هذه السلوكيات كإنجازات إيجابية؛ لكن ليس هذه المرة.
لقد رفعت هذه الحرب الستار عن إدارة تبدو معزولة باطراد في الساحة الدولية، ومتشرذمة في بيتها الداخلي، وتكافح في الوقت عينه لتبرير الأسباب التي تدفع الجنود، ودافعي الضرائب، وحلفاء أمريكا لتحمل كلفة حرب تفتقر لأي أفق استراتيجي واضح. وإن رفض ترامب الإقرار بهذا الواقع -سواء بالتهرب من مصطلح "الحرب"، أو بتجاهل الهواجس الاقتصادية، أو بالتعاطي مع مفاوضات السلام كمسرح واستعراض- قد يكون هو السمة الطاغية التي ستطبع هذه المرحلة بأكملها، وليس النزاع ذاته.
إن الدرس الأساسي المستخلص من أزمة إيران لا يكمن فقط في أن ترامب اختار ببساطة مسار التصادم، بل في أن أدواته ومنهجياته السياسية -التي وفرت له يوماً حصانة من المحاسبة- غدت عاجزة كلياً عن السيطرة واحتواء التداعيات المنبثقة عن قراراته الشخصية.
البحث
الأرشيف التاريخي