تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
من جدران المعارض إلى قلب الساحات
«نقش في قلب المیدان».. حين يُرسم التاريخ أمام أعين الناس ليخلّد الملحمة
وكان ذلك بناءً على طلب قائد الثورة الإسلامية، الإمام آية الله السيد مجتبى الخامنئي، من المثقفين والفنانين لـ«بعثتهم»، وأن ينهضوا كالفردوسي لتخليد ملحمة الشعب الإيراني، بمزج الفكر والقلم والفن، بهدف توثيق الإنجازات والحضور الملحمي للشعب في الشوارع. تُعد «بعثة الفنانين» جبهة جديدة لتخليد الملاحم وتأسيس مدرسة فنية جديدة، حيث يستطيع الفنان تصوير الصمود البطولي بلطف فنه. يؤكد حميدرضا جعفري، مدير الإعلام في المؤسسة، أن الفكرة نضجت بعد ورشة «القائد الشهيد»، لتتحول إلى مشروع ثقافي طموح يقدم الفن كتجربة حية ولحظية ومباشرة. بدأ الفنان «حسن روح الأمين» الرسم في ساحة تجريش من دون أي مخطط مسبق، مسجلاً بلوحته لحظة تاريخية نابضة بالحياة. ثم تبعه الفنان «سيد محمدرضا ميري» بلوحتين فنيتين بديعتين، هما: «ليالي إيران» و«السيد المحب للوطن».
فكرة حضارية لها صدى عالمي
«نقش في قلب الميدان» ليس مجرد مشروع فني، بل هو محاولة لإعادة تعريف علاقة الفن بالمجتمع، بحيث يكون الفن قادراً على الحضور حياً وديناميكياً في متن حياة الناس. حتى في الفضاء الدولي، كان لهذا الحدث صدى. على سبيل المثال، نشر أحد المستخدمين اللبنانيين صورة لهذه الفعالية وكتب: «ما الذي يحدث في إيران؟» في الحقيقة، هذه الحركة أدت إلى دهشة غير الإيرانيين من وضع إيران الحالي في ظروف «الحرب المفروضة الثالثة».
رصد العلاقة بين الفن والحرب
وأكد جعفري: الفن الصالوني لا يصلح لمجتمع يخوض كفاحاً وثورة وصموداً. جوهر فن الثورة الإسلامية يقوم على الشعب، والناس هم روح هذا الفن. ولهذا السبب، وفي أيام الحرب المفروضة، قرر مركز الفن بطهران تشكيل «اتاق وضعیت هنر» أي «غرفة حالة الفن»؛ فضاء لرصد وجمع كل الأعمال التي كانت تُنتج في تلك الأيام في مختلف المجالات، من الشعر والشعارات والموسيقى إلى الرسم والفنون الأدائية. الهدف من هذه الغرفة هو دراسة علاقة الفن بالحرب والبعثة العامة.
تسجيل لحظة تاريخية على اللوحة
بدأ حسن روح الأمين أول تنفيذ لهذه الفعالية في ساحة تجريش بإبداع عمل فني يوم الخميس 14 مايو، وهو عمل لم تكن له خطة محددة مسبقاً. كان اختيار الفضاء للتنفيذ الأول من قبل حسن روح الأمين، وكان اختياراً واعياً تماماً؛ فالمكان – بسبب قربه من مرقد حفيد الأئمة، السيد صالح بن موسى الكاظم (عليه السلام)، والحضور الجماهيري للشعب – وفّر بيئة روحانية وشعبية لإبداع عمل فني راقٍ. وقال روح الأمين: إن هذا العمل يجب أن يُولد في الساحة نفسه.
كل الشخصيات التي ظهرت في اللوحة كانت حقيقية؛ من الناس الموجودين في التجمع إلى تفاصيل المشهد. كانت تلك اللوحة في الحقيقة تسجيلاً للحظة تاريخية؛ لحظة خُلِّدت بالريشة على القماش.
لوحة «ليالي إيران»
بعد ذلك، تم التنفيذ الثاني بمشاركة سيد محمدرضا ميري، فنان من مشهد المقدسة. وقد تم عرض هذا التنفيذ أيضاً في ساحة تجريش أمام أعين الناس. وقف ميري حوالي أربع ساعات متواصلة أمام اللوحة وسط الزحام والضجيج والمقابلات المتتالية وحركة الناس، ليُبدع لوحته الفنية بعنوان «شبهای ایران» أي «ليالي إيران»، التي كانت صورة لخريطة إيران مع رايات تتجه نحو النور.
لوحة «السيد المحب للوطن»
كما حضر سيد محمد رضا ميري عند تقاطع شارع «جمهوري إسلامي» و«كشور دوست»، وأثناء إبداعه لوحة «آقاي كشور دوست» أي «السيد المحب للوطن» يوم السبت 23 مايو، وأثناء تواجد محبي قائد الأمة الشهيد في شارع «كشور دوست»، تم في هذه اللوحة رسم قائد الأمة الشهيد من الخلف، حيث يشهد ويحضر في تجمعات الشعب في هذا الشارع، مستلهماً الحاضرين فيه وهم حاملون علم إيران. لوحات سيد محمدرضا ميري تتجاوز جدران المعارض، مستخدمة الرموز الوطنية والدينية بنظرة معرفية تركز على «الحضور». ألوانه الدافئة كالأحمر والبرتقالي، إلى جانب الأخضر والفيروزي، تخلق فضاءً حيوياً ملحمياً يتناغم مع روح «الفن الشعبي الميداني»، دون أن يكون دعائياً بحتاً.
وهكذا في الميدان، يصبح الجمهور لوحة، والفنان شاهداً على التاريخ. فن بلا جدران، وخلود بلا حدود.
