بين صورة نمطية تُروَّج إعلامياً وواقع مدينة تستعد للمونديال

من المكسيك المنفتحة على إيران إلى التهويل الإعلامي.. ما حقيقة تيخوانا؟

/  بينما تصوّر بعض الحملات الإعلامية تيخوانا بوصفها «مدينة كارتلات» و«منطقة خطر»، تكشف قراءة الواقع أنها مركزٌ حدوديٌّ دوليّ نشط في التجارة والرياضة والسياحة، وأن المكسيك تتعامل مع كأس العالم 2026 بوصفه ملفاً سيادياً لا يقبل أي هامش للمخاطرة الأمنية.
ففي الأيام التي طُرح فيها اختيار تيخوانا مقراً لتدريبات وإقامة المنتخب الوطني الإيراني لكرة القدم، سعت بعض الأجواء الإعلامية إلى اختزال هذه المدينة في مفردات مثل «الكارتلات» و«العنف» و«انعدام الأمن». غير أن هذه الصورة مبالغٌ فيها وقديمة، وتبتعد كثيراً عن واقع تيخوانا اليوم، وعن التخطيط الواسع الذي أعدّته المكسيك لكأس العالم 2026.
أمّا الواقع، فهو أن تيخوانا تُعدّ اليوم واحدة من أهم المدن الحدودية في أميركا الشمالية، ومركزاً للتجارة والرياضة والسياحة والاتصالات الدولية بين المكسيك والولايات المتحدة. وهي مدينة نجحت على مدى سنوات في استضافة فعاليات رياضية ودولية وسياحية كبرى.
تيخوانا.. بوّابة أميركا الشمالية
ترتبط تيخوانا بشكل مباشر بمدينة سان دييغو الأميركية، إحدى أغنى المناطق وأكثرها تقدماً في أميركا الشمالية. وقد جعل هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي من المدينة مركزاً مهماً للتجارة والاستثمار والسياحة والرياضة.
ويتنقّل ملايين الأشخاص سنوياً بين تيخوانا وسان دييغو، ما يجعل هذه المنطقة عملياً بمثابة منظومة اقتصادية واجتماعية مشتركة. وعلى خلاف الصورة النمطية القديمة التي تروّج لها بعض وسائل الإعلام، تُعدّ تيخوانا اليوم مدينة نابضة بالحياة، حديثة ودولية، تؤدي دوراً مهماً في اقتصاد أميركا الشمالية وشبكات الاتصال الإقليمية.
مدينة بثقافة رياضية راسخة
تُعدّ ولاية باخا كاليفورنيا، ولا سيما تيخوانا، من أكثر المناطق نشاطاً على الصعيد الرياضي في المكسيك. فالرياضة في هذه المدينة ليست مجرد ترفيه، بل تشكّل جزءاً من الهُوية الاجتماعية والثقافية للسكان.
خلال السنوات الأخيرة، استضافت تيخوانا بنجاح فعاليات عديدة في رياضات مختلفة؛ من كرة القدم والبيسبول إلى الملاكمة الاحترافية وفنون القتال المختلطة، وكرة السلة والبادل، وسباقات الجري والماراثون.
ويُعدّ نادي كرة القدم «شولوس تيخوانا» واحداً من أنجح المشاريع الرياضية في شمال المكسيك. أمّا ملعب «كالينتي»، الذي تتجاوز سعته 27 ألف متفرج، فيُعدّ اليوم من أكثر الملاعب حماساً في البلاد، وقد نجح الفريق في عام 2012 في التتويج بلقب الدوري المكسيكي.
وإلى جانب كرة القدم، تنظّم فرق بارزة مثل «توروس تيخوانا» في البيسبول و«تيخوانا زونكيس» في كرة السلة فعاليات كبيرة واحترافية منذ سنوات؛ وهو أمر يصعب أن يتحقق عملياً من دون بنية تحتية تنفيذية وأمنية وإدارية ملائمة. كما تمتلك تيخوانا تاريخاً طويلاً في استضافة نزالات الملاكمة الاحترافية المهمة، وتُعدّ أسماء مثل إريك موراليس وخوليو سيزار تشافيز جزءاً من الذاكرة الرياضية لهذه المدينة.
كأس العالم.. قضية كرامة وطنية بالنسبة للمكسيك
من النقاط التي لا تحظى بالاهتمام الكافي في الفضاء الإعلامي الإيراني، الأهمية الاستثنائية لكأس العالم 2026 بالنسبة للحكومة المكسيكية. فأمن المنتخبات المشاركة في المونديال ليس مسؤولية مدينة أو ولاية بعينها، بل هو ملف على مستوى الحكومة الفدرالية ومنظومة الأمن القومي المكسيكية، وحتى الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا». وقد شرع الحرس الوطني المكسيكي والأجهزة الأمنية في البلاد منذ أشهر في تنفيذ خطط واسعة لتأمين هذه البطولة.
تدرك المكسيك جيداً أن كأس العالم 2026 سيكون واجهتها أمام العالم، وأن نجاحه مرتبط بصورة مباشرة بسمعتها الدولية. لذلك، قامت الحكومة المكسيكية باستثمارات كبيرة في مجالات الأمن والبنية التحتية والنقل وإدارة المدن. كما أن «الفيفا» بطبيعة الحال لا يقبل أدنى مخاطرة أمنية تتعلق بالمنتخبات الوطنية، وتخضع جميع المدن المستضيفة والمرتبطة بالمباريات لرقابة أمنية وتنفيذية صارمة.
ما حقيقة ملف «الكارتلات»؟
لا شكّ في أن المكسيك، شأنها شأن كثير من دول العالم، تواجه تحديات أمنية وجرائم منظّمة؛ تماماً كما تُسجّل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وحتى بعض المدن الأوروبية الكبرى، معدلات متفاوتة من الجريمة. غير أن تصوير مدينة يبلغ عدد سكانها ملايين على أنها «منطقة حرب» أقرب إلى الدعاية منه إلى قراءة واقعية.
فجزء كبير من العنف المرتبط بالكارتلات هو صراعات داخلية بين جماعات إجرامية، ولا يرتبط مباشرة بالحياة اليومية للسكّان أو بالسيّاح أو بالفعاليات الرسمية الدولية. ولو كانت تيخوانا، كما يصوّرها بعضهم، مدينةً غير آمنة وخارجة عن السيطرة، لما تمكّنت من جذب ملايين السيّاح سنوياً، ولا المستثمرين، ولا استضافة فعاليات دولية.
إضافة إلى ذلك، نفّذت الحكومة المكسيكية خلال الأشهر الأخيرة عمليات واسعة ضدّ العصابات المنظمة، كما تمّ تشديد الإجراءات والرقابة الأمنية بصورة أكبر مع اقتراب موعد كأس العالم، بما يجعل مستوى الاستعداد الأمني أعلى بكثير مما يُطرح في بعض السرديات الإعلامية.
ترحيب مكسيكي بإيران
لعلّ أهم نقطة لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه في الفضاء الإعلامي الإيراني، هي الموقف الإيجابي جداً الذي يبديه الشعب المكسيكي تجاه إيران والمنتخب الوطني الإيراني لكرة القدم. ففي وقت كانت بعض الجهات في الولايات المتحدة تحاول إثارة الجدل حول مشاركة إيران في كأس العالم، أعلنت السلطات المكسيكية، على مستوى رئيس الجمهورية، ترحيبها الرسمي بحضور إيران، موجّهة بذلك رسالة واضحة عنوانها الاحترام والصداقة.
واليوم أيضاً، يمكن رصد موجة إيجابية في الأوساط الاجتماعية المكسيكية تجاه حضور المنتخب الإيراني، إلى حد أن كثيراً من عشّاق كرة القدم هناك يسعون إلى اقتناء قميص المنتخب الإيراني استعداداً لاستقبال اللاعبين. ويعكس هذا الترحيب الشعبي أن الصورة الحقيقية للمكسيك وشعبها تختلف كثيراً عن الروايات الانفعالية والإعلامية التي يجري أحياناً تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي.
تيخوانا.. مدينة تعيد صياغة صورتها أمام العالم
تسعى تيخوانا، منذ سنوات، إلى تغيير الصورة القديمة والنمطية التي كرّستها بعض وسائل الإعلام عنها. وقد أسهم تطوير البنية التحتية، ونموّ السياحة العلاجية، وازدهار قطاع الفنادق، والمطاعم الدولية، والرياضة الاحترافية، فضلاً عن ارتباطها الواسع بولاية كاليفورنيا، في تحويل هذه المدينة إلى أحد أهم المراكز الصاعدة في المكسيك. ويأتي كأس العالم 2026 أيضاً بوصفه جزءاً من هذا المشروع الكبير الرامي إلى إظهار الوجه الحقيقي للمكسيك أمام العالم.
وربما آن الأوان لأن ننظر إلى واقع تيخوانا اليوم، بدلاً من إصدار الأحكام استناداً إلى عناوين مثيرة وروايات قديمة؛ فهي مدينة لا تمتلك فحسب القدرة على استضافة المنتخب الإيراني بأمن واحترافية، بل يمكنها أيضاً أن تتحول إلى واحدة من التجارب الإيجابية والمختلفة لكرة القدم الإيرانية في الطريق إلى كأس العالم.
البحث
الأرشيف التاريخي