في كلام قائد الأمّة الشهيد ومرآة الثقافة الإيرانية

«يوم عرفة» و«عيد الأضحى».. حين يتحوّل الإيمان إلى لوحة وكلمة ودعاء

/ بينما تتوالى الأيام وتُهل علينا العشر الأوائل من ذي الحجة، نقف على أعتاب يوم عرفة وعيد الأضحى المبارك. وفي هذا المشهد الإيماني، يستحضر المشهد الثقافي الإيراني ذكرى قائد الأمّة الشهيد، آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، الذي لم يكن قائداً لإيران فقط، بل لأحرار العالم كافة. وفي هذا المقال، نستعرض بعض كلماته الروحانية، إلى جانب نماذج من الإبداع الفني والأدبي الذي صاغ هذه المناسبة بلغة الجمال والمعنى.
«يوم عرفة» و«عيد الأضحى»
في كلام قائد الأمّة الشهيد
في كل مناسبة دينية، يظل قائد الأمة الشهيد حياً في ضمير الثقافة الإيرانية، ليس كشخصية سياسية فقط، بل كصوت روحي يتجاوز الزمان والمكان. لقد ضحى بنفسه من أجل الشعب، وأضاء الطريق حتى لحظة استشهاده، مخلفاً إرثاً غنياً في مختلف المجالات: السياسية، الثقافية، الفنية، والدينية. وهذه المناسبة هي فرصة لتأمل كلماته حول يوم عرفة وعيد الأضحى، إلى جانب بعض الأعمال الفنية والإصدارات الثقافية التي جسّدت هذه الروحانية.
كان سماحة قائد الأمّة الشهيد يقول: «اغتنموا يوم عرفة حقَّ اغتنام، وكونوا به مفرِّجين للكُرَب بالدعاء والتضرع والتوجه والمسألة من الله تعالى، على المعنى الحقيقي لهذه الكلمة. فإن لم يكن فضل الله ولطفه، فلن تبلغ جهودنا مبلغاً. وفي دعاء كميل الشريف: لا يُنالُ ذلك إلا بفضلِك».
وفي حديثه عن عيد الأضحى، كان يستعيد الذروة الإيمانية في حياة النبي إبراهيم(ع): «يوم عيد الأضحى، تذكير بالتضحية العظمى.. «وفديناه بذبح عظيم». إذا ما التفتنا إلى الحكمة المتضمنة في عيد الأضحى، فإن الكثير من السبل ستتفتح أمامنا. في عيد الأضحى قدير إلهي عظيم كامن في نبي الله المختار، الذي قدم الإيثار. والإيثار أسمى من التضحية بالروح؛ إنه في بعض المقامات إيثار الأحباء. فهو في سبيل الله، وبيده، كان يضحي بأعز الناس إليه؛ ذلك الابن الفتى الذي وهبه الله إياه بعد عمر من الانتظار، في شيخوخته». ثم يستشهد بدعاء الإمام الحسين (ع) في عرفة: «وَمُمْسِكِ يَدِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ بَعْدَ كِبَرِ سِنِّهِ وَفَنَاءِ عُمْرِهِ». ليخلص إلى أن هذا الإيثار هو «رمز للمؤمنين الذين يريدون سلوك طريق الحقيقة، والتعالي، والعروج إلى المقامات العليا».
تايبوغرافي يوم عرفة.. جمال الروحانية بحروف صامتة
على صعيد الفنون البصرية، برز «تايبوغرافي يوم عرفة» كأحد فروع الجرافيك الديني الراقي. يعتمد هذا الفن على تشكيل الكلمات والجمل المرتبطة باليوم التاسع من ذي الحجة، لينقل رسالة الدعاء والابتهال دون صور مزدحمة. تكمن قوته في جعل النص وحده العنصر البصري الأول، باستخدام خطوط بسيطة ناعمة، وألوان هادئة كالأبيض، والأزرق الباهت، والأخضر الناعم، والذهبي الخفيف. تتنوع تطبيقاته بين لافتات المساجد، ومنشورات التواصل الاجتماعي، والبطاقات الروحانية، ليصبح أداة مرنة لنقل الإحساس بالخشوع بسرعة وعمق.
لوحة «الإختبار الكبير»
لا يمكن الحديث عن الفن التشكيلي في هذه المناسبة دون التوقف عند لوحة «الإختبار الكبير» لأستاذ المنمنمات الإيراني الراحل محمود فرشجيان. بدأ رسمها في عيد الأضحى عام 1988م، وأكملها بعد سبعة أشهر بأسلوب المنمنمات وتقنية الأكريليك، وتُحفظ اليوم في متحف سعد آباد.  تجسّد اللوحة مشهد ذبح إسماعيل(ع)، حيث يظهر النبي إبراهيم(ع) لحظة تنفيذ الأمر الإلهي، وسيدنا إسماعيل(ع) بعينين معصوبتين ويدين مقيّدتين، بينما تهبط الملائكة حاملة رسالة الفداء. غلبة لون الأبيض الذي رمز الطهارة، ولون الأخضر والأزرق اللذان رمزا السكينة، تضفي على العمل روحانية صوفية نادرة.
كتب عن عيد الأضحى
تزخر الساحة الثقافية الإيرانية بإصدارات متنوعة حول عيد الأضحى والنبي إبراهيم(ع)، منها: 
- «أنا عيد الأضحى»: للمؤلف مجيد ملامحمدي، كتاب قصصي للأطفال يعرّفهم بالأعياد الإسلامية الكبرى.
- «رحلة الحج وعيد الأضحى»: للمؤلف نورعلي تابنده، يختصر آداب الحج وأحكام العيد.
- «جولة في خطبتي عيدي الفطر والأضحى»: للمؤلف رضاقلي داودي، دراسة أخلاقية وعرفانية.
- «الفجر الخالد»: للمؤلف محمد صالحي منش، بحث موسع في حياة النبي إبراهيم(ع).
الذاكرة الثقافية
في كلِّ عام، حين يحل عيد الأضحى، لا تتجدّد الطقوس الدينية فحسب، بل تتجدّد الذاكرة الثقافية بأكملها. فمن كلمات قائد الأمّة الشهيد التي لا تزال تنبض بالحكمة، إلى لوحة الأستاذ فرشجيان التي جعلت من الإيمان لوحة، إلى تايبوغرافيا هادئة تجعل الحروف دُعاءً، وإصدارات ثقافية تعيد قراءة إبراهيم الخليل(ع).. كلها تشكّل فسيفساء روحانية تثبت أن الفن والثقافة، في أسمى تجلياتهما، يمكن أن يكونا امتداداً صادقاً للنص الديني، وترجمة بصرية للإيثار والتضحية.
البحث
الأرشيف التاريخي