الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف واثنان وستون - ٢٤ مايو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف واثنان وستون - ٢٤ مايو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

الحرب ضدّ إيران ونهاية النظام أحادي القطب الأمريكي

الدكتور حسين أحمدي
خبير في الشؤون الدولية


إنّ عجز الولايات المتحدة عن تحقيق نصر حاسم على إيران، وما ترتب على ذلك من عواقب اقتصادية وخيمة، قد ألقى بمصداقية الهيمنة الأمريكية العالمية في مهب الريح وأزال الإيمان بالقدرة المطلقة لواشنطن على رسم نتائج الحروب وفرض النظام العالمي الأحادي القطب.
لقد شرعت الولايات المتحدة، خلال هجومها الذي شنته في 28 فبراير 2026م بمشاركة الكيان الصهيوني، في تنفيذ خطط محددة بدقة مسبقة. وكان الافتراض الأولي يقوم على أن التفوق الجوي والتكنولوجي سيؤدي إلى انهيار النظام السياسي الإيراني خلال الأسابيع الأولى، إلا أن الواقع الميداني جاء مغايراً لهذه التوقعات بشكل كارثي.
فإيران، على الرغم من تلقيها ضربات قاسية استهدفت بنيتها التحتية وقادتها البارزين، لم تنهار فحسب، بل تمكنت، بالاعتماد على جغرافيا البلاد واستراتيجيات غير متماثلة، من الردّ على نيران الهجمات واستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة.
وتكشف التقييمات الأولية المتعلقة بإضعاف الترسانة الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية بشكل كبير أنها مضللة، إذ حافظت طهران عملياً على قدرتها على استمرار إطلاق الصواريخ والمسيرات. والدرس المستفاد من هذا الميدان هو أن السيطرة على الأجواء لا تعني أبداً السيطرة على نتائج النزاع النهائية. ووجدت واشنطن نفسها، وسط مخاوف وتردد بشأن نشر قوات برّية وعدم قدرة تفوقها الجوي على تحقيق نصر حاسم، غارقة في مستنقع تتزايد تكاليفه يوماً بعد يوم.
لقد ترك هذا الوضع تداعيات تتجاوز مفهوم الهيمنة الأمريكية؛ فعلى مدى عقود، قامت الاستراتيجية الكبرى لواشنطن على أساس «التفوق»، وترسخ الاعتقاد بأن القوة العسكرية الأمريكية الفائقة تتيح لها الحفاظ على النظام العالمي وفرض نتائج النزاعات وفق إرادتها؛ لكن الحرب ضدّ إيران أثبتت أن تكاليف الحروب طويلة الأمد تتجاوز قدرة أمريكا على التحمل. وعلى النقيض من حرب العراق، التي أفضت إلى نصر عسكري سريع قبل أن يضيع السلام لاحقاً، فإن العملية العسكرية الأميركية ضدّ إيران لم تكلل بالنجاح، وأدى هذا الإخفاق إلى تغيير الأسطورة القائمة على قاعدة أن أميركا لا تُهزم.
النظام الجديد متعدد الأقطاب وتوجه اللاعبين الناشئين
سارعت القوى الكبرى الأخرى إلى استغلال الأجواء الناتجة عن هذا المأزق لإعادة تحديد مواقعها في النظام العالمي. فالصين، التي طالما اعتُبرت منافساً استراتيجياً لأمريكا، باتت اليوم تظهر بثقة أكبر على الساحة الدولية وتطالب واشنطن بتنازلات. وأدى الاضطراب الكبير في سلاسل إمداد الطاقة الناجم عن توتر الأوضاع في مضيق هرمز إلى دفع بكين لإعادة تقييم أمن استثماراتها الضخمة، وجاءت هذه المراجعة في الغالب بنبرة مطلبية حازمة.
في المقابل، ترى روسيا نفسها كأحد الرابحين الاقتصاديين من هذه الأزمة، إذ أسهم الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز المصدّرين في تحقيق أرباح طائلة لموسكو. ومع ذلك، لا ترغب روسيا في انهيار كامل للنفوذ الأمريكي في غرب آسيا، إذ إن الحضور المتوازن لواشنطن يشكل جزءاً من الهيكل الدبلوماسي المعقد الذي تعتبره موسكو ضرورياً للحفاظ على الاستقرار النسبي في المنطقة. وتعكس هذه الردود المتباينة والمتناغمة في آن واحد أن العالم قد دخل مرحلة لم تعد فيها القوة محصورة في قطب واحد، بل باتت موزعة بين عدة لاعبين رئيسيين، يسعى كل منهم إلى استغلال الأزمات لتحقيق أهدافه الاستراتيجية طويلة المدى.
تحولات التحالفات الإقليمية
إلى جانب الصين وروسيا، تواجه مناطق وتحالفات أخرى إعادة تعريف لذاتها. فرابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»، التي تأسست على أساس مبدأ الحياد والإجماع المعروف بـ»نهج آسيان»، اكتفت في ردّ فعلها على الحرب ضدّ إيران بالإعراب عن القلق والمطالبة بوقف إطلاق النار. واتخذ أعضاء الرابطة مواقف متفاوتة ومتباينة أحياناً وفق مصالحهم الوطنية وارتباطاتهم السياسية، تراوحت بين إظهار التضامن الإسلامي من قبل ماليزيا وإندونيسيا، ومنح الأولوية للاستقرار الاقتصادي من قبل الفلبين وسنغافورة.
هذا التشتت الداخلي يضع علامة استفهام كبيرة حول فاعلية التحالفات الإقليمية في النظام الجديد، ويشير إلى أن الدول الأصغر ستسعى بشكل متزايد إلى لعب دور مستقل أو تبني استراتيجية «تغطية المخاطر» في مواجهة القوى الكبرى.
نهاية الهيمنة أحادية الجانب وبداية عصر الاحتواء المتبادل
الرسالة النهائية والواضحة للحرب ضدّ إيران بالنسبة للسياسيين والاستراتيجيين الأمريكيين وحلفائهم هي نهاية عهد التفوق الأحادي وبداية عصر الاحتواء المتبادل. ففي عالم لا تستطيع فيه القوى الكبرى فرض إرادتها بسهولة، وفي الوقت نفسه تمتلك فيه الدول الأصغر القدرة على المقاومة بتكاليف محتملة يمكن تحملها، لم يعد الاعتماد على الردع العسكري الكلاسيكي كافياً لتحقيق الأهداف. وقد أدرك الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة هذه الحقيقة وشرعوا في تنويع شركائهم الأمنيين، ما يعجل الزوال التدريجي للتحالفات القائمة على ضمان مركزي واحد.
ومع ذلك، ربما يكون الرأي العام في أمريكا وأوروبا الأكثر تحملاً لتكاليف هذا التحول، حيث تكشف استطلاعات الرأي عن معارضة واسعة النطاق لاستمرار النهج الحالي.
إنّ استمرار المسار الخاطئ دون إعادة تعريف الاستراتيجية لن يؤدي إلا إلى تعميق المأزق القائم وتعريض المصالح طويلة المدى للخطر. وما نشهده اليوم في الخليج الفارسي وخارجه ليس مجرد إخفاق تكتيكي، بل هو تآكل لنموذج مهيمن وبداية عصر جديد في العلاقات الدولية.

البحث
الأرشيف التاريخي