الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وثمانية وخمسون - ١٩ مايو ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وثمانية وخمسون - ١٩ مايو ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

هرمز في قلب العاصفة.. الاتفاق مع إيران مخرج أمريكا الوحيد

«سيكون مفاجئاً لكثير من الأمريكيين أن يدركوا أن دونالد ترامب وفريقه يملؤون الفضاء بكمّ هائل من المعتقدات القديمة الخاطئة، وذلك لمنع انتشار الذعر والمعارضة للحرب».
كتبت المحللة رزماري كلانيك، في تحليل نشره موقع “Responsible Statecraft” التابع لمعهد كوينسي: ادّعى دونالد ترامب وأعضاء إدارته مراراً أن الإنتاج النفطي الضخم في أمريكا يجعل هذا البلد محصناً أمام الصدمات السعرية الناجمة عن إغلاق إيران مضيق هرمز، ولا يتضح ما إذا كانوا يتصرفون كحمقى أم كخونة؛ لكنهم، على أي حال، مخطئون.
لا يحصّن إنتاج النفط الأمريكي المستهلكين في هذا البلد من تقلبات أسعار النفط التي تتحدد وفق مبدأ العرض والطلب في السوق العالمية. بل على العكس، وبما أن الاقتصاد الأمريكي يحرق نفطاً أكثر من نظرائه مقابل كل وحدة من الإنتاج الاقتصادي، فسوف يتضرر هذا البلد من الصدمة السعرية الناجمة عن الحرب مع إيران أكثر من الصين أو روسيا أو الاتحاد الأوروبي.
ستكون هذه الحقائق مفاجئة لكثير من الأمريكيين، لأن الأساطير والمعتقدات الخاطئة بشأن النفط ظلّت منذ مدة طويلة تهيمن على النقاشات السياسية الأمريكية، كما أن أسباب هذه الهشاشة تأتي خلافاً للتصور العام.
تؤثر صدمات أسعار النفط في جميع الدول، بصرف النظر عن حجم ما تنتجه من النفط، وذلك بسبب الطبيعة المعولمة بعمق للأسواق النفطية. وغالباً ما يشبّه الاقتصاديون سوق النفط العالمية بحوض استحمام كبير له صنابير دخول وخروج كثيرة. وتمثل صنابير الدخول الدول التي تنتج النفط بكميات تجارية، وتمثل صنابير الخروج الدول التي تستهلك النفط، وهذا يعني جميع دول العالم، وعموماً، لا تهمّ كثيراً معرفة أي جزيء نفطي ينتقل من أي مدخل إلى أي مخرج. فما يحدد الأسعار هو المستوى العام للنفط داخل حوض الاستحمام، الذي يمثل العرض العالمي من النفط، وكذلك توقعات السوق، أو التنبؤات بشأن أسعار النفط المستقبلية، التي يمكن أن تؤثر في الأسعار الفعلية من خلال نبوءات تحقق ذاتها.
توفر السوق العالمية عادة نحو 100 مليون برميل من النفط يومياً؛ لكن إغلاق مضيق هرمز، الذي حدث عقب حرب ترامب الكارثية ضد إيران، أزال فجأة نحو 10 ملايين برميل يومياً. وقد خفّض ذلك مستوى النفط داخل الحوض ورفع السعر على جميع الدول المتصلة بسوق النفط العالمية، بما فيها أمريكا، بصرف النظر عما إذا كانت تستهلك نفط الخليج الفارسي مباشرة أم لا. تقع هذه الأزمة بتأخير زمني، وتتأثر آسيا أولاً بسبب قربها من الخليج الفارسي، حيث يقع الاضطراب المادي؛ لكنها لا تتلقى التأثير الأسوأ. ولم تنتشر أسوأ الآثار بعد في أنحاء الحوض كله، لكن وصولها إلى نصف الكرة الغربي بات وشيكاً.
واللافت أن تيار ناقلات النفط الفارغة نفسه، الذي يعبر المحيط الأطلسي لتحميل النفط الأمريكي، أي الشيء نفسه الذي تباهى به ترامب في 11 أبريل/ نيسان عبر شبكة “تروث”، هو بالضبط آلية الانتقال التي تنتشر هذه الصدمة عبرها. تحوّل تلك الناقلات الآن الإمدادات الأمريكية نحو آسيا، حيث الأسعار أعلى، وهذا بدوره يرفع سعر النفط في أمريكا. وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية للأسبوع المنتهي في 24 أبريل/ نيسان انخفاضاً هائلاً قدره 2/6 ملايين برميل من المخزونات النفطية الأمريكية، وهو ما يؤكد أن هذا التحويل قد بدأ بالفعل.
وتقدّر إدارة معلومات الطاقة الآن أن متوسط سعر البنزين في أمريكا وصل في أبريل/ نيسان إلى 24/4 دولارات للغالون، بعدما كان 77/3 دولارات في مارس/ آذار، و03/3 دولارات في فبراير/ شباط قبل بدء الحرب.
وحتى إذا أُعيد فتح مضيق هرمز اعتباراً من الغد بكامل طاقته، فمن المؤكد أن أسعار البنزين في أمريكا ستكون في مايو/ أيار أعلى حتى من أبريل/ نيسان، بسبب الآثار المتأخرة لنفط الخليج الفارسي الذي خرج من السوق بالفعل. ولا نبالغ إذا قلنا إن نتيجة هذا الوضع قد تكون انهياراً اقتصادياً عالمياً. فقد ارتبطت صدمات أسعار النفط بالركودات الاقتصادية؛ فمن بين 12 ركوداً شهدتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، ترافقت 10 ركودات مباشرة مع قفزة في أسعار النفط. أما الاستثناءان الوحيدان فهما ركود عام 1960م وجائحة كوفيد.
يُعدّ استهلاك النفط ضرورة لا يمكن تقليصها بسرعة. ولذلك، تجبر أسعار البنزين المرتفعة الشعب الأمريكي على خفض الإنفاق على كل شيء آخر، ويؤدي ذلك إلى صدمة طلب هائلة على جميع السلع الأخرى. كما تؤدي زيادة تكاليف النقل للمواد مثل الغذاء والملابس إلى قفزة في الأسعار، وتفاقم التضخم في أمريكا.
يمثل هذا منطق كيفية تأثير صدمات أسعار النفط في المستهلكين؛ لكن الألم الحقيقي الذي سيشعر به الأمريكيون سيكون أسوأ نسبياً من وضع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي. ويتسم الاقتصاد الأمريكي بكثافة نفطية عالية، بمعنى أنه يحرق نفطاً أكثر من جميع هذه الدول لإنتاج كل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا فارق ملحوظ. فمقابل كل دولار من الإنتاج الاقتصادي، يستهلك الاقتصاد الأمريكي ضعف ما يستهلكه الاتحاد الأوروبي، و40 في المئة أكثر من الصين، و20 في المئة أكثر من روسيا، وهذا أمر مذهل لأن روسيا نفسها تُعد بلداً نفطياً.
ويفسر عاملان أساسيان لماذا يعتمد الإنتاج الأمريكي إلى هذا الحد على النفط. أولاً، تمتلك أمريكا ثقافة عاشقة للسيارات، ولا يزال نظام النقل فيها يعتمد على السيارات أكثر من القوى الكبرى الأخرى. ثانياً، تأخرت أمريكا في الانتقال إلى السيارات الكهربائية التي يمكن تغذيتها عبر شبكات كهرباء شبه مستقلة تماماً عن النفط. وشجعت الصين، على وجه الخصوص، منذ مدة طويلة السيارات الكهربائية والسكك الحديدية الكهربائية لأسباب استراتيجية، وأدركت المزايا الأمنية لفصل نظام النقل لديها عن سوق النفط العالمية المعرضة للصدمات السعرية.
وعلى المدى الطويل، يجب أن تنسخ أمريكا استراتيجية الصين، وأن تخفف مخاطرها النفطية من خلال سياسات حكومية تشجع الانتقال من السيارات العاملة بالنفط. أمّا على المدى القصير، فيبقى الحل الوحيد هو أن تتوصل إلى اتفاق مع إيران وأن تعيد فتح مضيق هرمز؛ وكلما حدث ذلك أسرع كان أفضل. ومع اشتداد الاضطراب وقفز الأسعار في أمريكا، ستنهار قوة ترامب التفاوضية أمام إيران. وأياً كانت الكلفة التي يجب أن تدفعها أمريكا لإيران كي يُعاد فتح هرمز، فإن الضغط على أمريكا سيزداد مع تفاقم أزمة النفط، فالوقت لا يعمل لصالح ترامب.
البحث
الأرشيف التاريخي