النانو والذكاء الاصطناعي في الصدارة
من المركز 52 إلى 17 عالمياً؛ كيف تقدّمت إيران في سباق العلم؟
/ يعكس المشهد العام للعلم في إيران خلال العقود الأخيرة مساراً متسارعاً من التقدم العلمي. ووفقاً لتحليلات معهد الاستشهادات المرجعية وعلوم العالم الإسلامي (ISC)، المستندة إلى تقرير معهد أبحاث علوم وتكنولوجيا المعلومات الإيراني «إيرانداك»، سجلت المكانة العلمية لإيران من حيث الإنتاج العلمي (عدد المقالات) في قاعدة البيانات العالمية المرموقة «سكوبوس» نمواً لافتاً. وبحسب تقارير ISC، ارتقت إيران من المرتبة 52 عالمياً عام 1980 إلى المرتبة 17 عالمياً في عام 2024، محققة قفزة بلغت 33 مرتبة. وخلال عام 2024 نشرت إيران 76 ألفاً و418 مقالة علمية، كما رفعت حصتها من الإنتاج العلمي العالمي بصورة ملحوظة. وتشير أحدث تحليلات معهد أبحاث علوم وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، استناداً إلى بيانات قواعد المعلومات العالمية المعتبرة مثل «ويب أوف ساينس» و«سكوبوس»، إلى أن إيران لم تحقق قفزة تاريخية في الكمّ العلمي فحسب، بل انضمت أيضاً إلى مصاف الدول الرائدة عالمياً في التقنيات الاستراتيجية، وفي مقدمتها تكنولوجيا النانو. ومع ذلك، تظهر الإحصاءات أن الحفاظ على المكانة المتقدمة في قمة المشهد العلمي العالمي يتطلب الانتقال من مرحلة «إنتاج العلم» إلى مرحلة «المرجعية العلمية».
قد يبدو الأمر غير قابل للتصديق بالنسبة لكثير من المراقبين في الخارج، إلا أن إيران استطاعت خلال أقل من أربعة عقود أن تقطع مساراً علمياً احتاجت بعض الدول إلى قرن كامل لتحقيقه.
ووفقاً لتقرير «مركز رصد العلم في إيران» التابع لمعهد أبحاث علوم وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، شهدت مكانة إيران العلمية من حيث الإنتاج العلمي (عدد المقالات المفهرسة) في قاعدة بيانات «سكوبوس» قفزة لافتة.
فقد ارتقت إيران من المرتبة 52 عالمياً عام 1980 إلى المرتبة 17 عالمياً في عام 2024، أي بتقدم بلغ 33 مرتبة خلال أقل من نصف قرن، علماً بأنها بلغت في بعض السنوات المرتبة 15 عالمياً. وفي عام 2024 نشرت إيران 76 ألفاً و418 مقالة علمية، ما أسهم في زيادة ملحوظة في حصتها من الإنتاج العلمي العالمي. كما يستهدف «البرنامج السابع للتنمية» في إيران الحفاظ على هذا الزخم، مع وضع هدف يتمثل في رفع مكانة البلاد في إنتاج العلم إلى المرتبة 12 عالمياً بحلول عام 2027.
النانو؛ قمّة تمّ بلوغها
غير أنّ الكمّ ليس الوجه الوحيد للقصة؛ إذ تمكنت إيران في بعض المجالات التكنولوجية المتخصصة من التفوق على العديد من الدول المتقدمة.
وفي هذا السياق، أكد النائب الأول لرئيس الجمهورية محمد رضا عارف، خلال لقائه نخبة من الأكاديميين والباحثين، أن مكانة إيران في مجال تكنولوجيا النانو باتت ضمن المراتب العشر الأولى عالمياً، معتبراً أن هذا القطاع يمثل إحدى أبرز النقاط المضيئة في المشهد العلمي الإيراني ودائماً ما كان يحظى باهتمام خاص من الإمام الشهيد سماحة آيةالله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض). وتؤكد الإحصاءات هذه المعطيات؛ فوفقاً لأحدث التصنيفات الدولية، احتلت إيران المرتبة السادسة عالمياً في إنتاج العلم في مجال تكنولوجيا النانو خلال عام 2024. كما نجحت إيران خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية في تحقيق المرتبة الرابعة عالمياً من حيث عدد المنشورات العلمية في هذا المجال.
تصنيفات الجامعات؛ كمٌّ في تصاعد وجودة بين مدٍّ وجزر
عند النظر إلى تصنيفات الجامعات الإيرانية يظهر مشهد مزدوج؛ فالصورة الأولى تعكس زيادة ملحوظة في عدد الجامعات الإيرانية المدرجة في التصنيفات العالمية. ففي تصنيف تايمز للتعليم العالي (THE) لعام 2025 ارتفع عدد الجامعات الإيرانية من 74 جامعة في عام 2024 إلى 81 جامعة، أي بزيادة تقارب 11 في المئة.
أمّا في تصنيف US News لعام 2025، فقد حلت إيران في المرتبة الثانية إقليمياً بعد تركيا، مع إدراج 69 جامعة إيرانية ضمن قائمة أفضل 2200 جامعة في العالم؛ لكن الصورة الثانية تكشف عن جملة من التحديات. فعلى الرغم من ارتفاع عدد الجامعات الإيرانية في التصنيفات الدولية، فإن ترتيب عدد من أبرز الجامعات في البلاد شهد خلال السنوات الأخيرة تقلبات، بل وتراجعاً في بعض الحالات.
وبحسب تصنيف QS لعام 2025 جاءت أبرز الجامعات الإيرانية على النحو الآتي: جامعة طهران في المرتبة 322 عالمياً، وجامعة شريف الصناعية في المرتبة 342 عالمياً، فيما جاءت جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا في المرتبة 496 عالمياً وفق تصنيف US News.
وتحذر التقارير التحليلية الصادرة عن «إيرانداك» من أن تراجع مكانة 37 جامعة إيرانية في تصنيف لايدن لعام 2025 يشكل جرس إنذار بشأن إهمال مؤشرات الاستشهادات العلمية وجودة البحث. وبعبارة أخرى، فإن زيادة عدد المقالات وحدها لا تكفي للحفاظ على موقع متقدم في قمة المشهد العلمي العالمي.
الذكاء الاصطناعي؛ الهدف المقبل
تتجه أنظار المسؤولين عن القطاع العلمي في إيران اليوم نحو آفاق جديدة. وفي هذا السياق، أعلن النائب الأول لرئيس الجمهورية عن وجود برنامج جاد يهدف إلى إدخال البلاد ضمن قائمة الدول الرائدة عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن إيران تمتلك قدرات كبيرة في هذا المجال، وأن الوصول إلى المراتب العشر الأولى عالمياً يعد هدفاً قابلاً للتحقق.
وتتوافق هذه التصريحات مع المعطيات الدولية؛ فبحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» لعام 2025، احتلت إيران المرتبة 35 عالمياً في مؤشر البحث والتطوير في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما يشمل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وغيرها من التقنيات الحديثة.
الكلام الأخير؛ من إنتاج العلم
إلى المرجعية العلمية
ترسم بيانات «إيرانداك» و«ISC» صورة واضحة مفادها أن إيران بلغت اليوم مرحلة من النضج العلمي جعلتها واحدة من القوى البارزة عالمياً من حيث كمّ الإنتاج العلمي. غير أن تحويل هذا التفوق الكمي إلى مرجعية علمية وابتكار تكنولوجي مستدام يتطلب اتخاذ خطوات أوسع لتعزيز معدلات الاستشهادات الدولية، وتطوير التعاون العلمي العابر للحدود، وتوجيه الاستثمارات بصورة أكبر نحو جودة الأبحاث.
ويبقى تحقيق هدف الوصول إلى المرتبة 12 عالمياً بحلول عام 2027 مرهوناً بقدرة إيران على تجاوز هذه التحديات وترسيخ حضورها العلمي على مستوى التأثير والمرجعية، وليس على مستوى الكمّ فقط.
