إيران وروسيا والصين يحصدون ثمار المغامرة العسكرية الأمريكية
رابـحـو الـظـلّ
/ مع مرور أكثر من 70 يوماً على العدوان العسكري الأمريكي ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، باتت كواليس هذا الصراع الآن واضحة لشعوب العالم وممتزجة بحياتهم، وهي حرب العملات، والنفط، والهيمنة المالية؛ حرب رابحوها ليسوا بالضرورة القوى العسكرية الكلاسيكية، بل الدول التي تستفيد من الاضطراب الاقتصادي، والوقود الأحفوري الأعلى سعراً، وسقوط الثقة بالدولار.
إنّ الحرب المباشرة التي بدأت 28 فبراير 2026 بهجوم عسكري للتحالف الأمريكي - الصهيوني على إيران، واستشهاد قائد الثورة الإسلامية وجمع من القادة العسكريين، والتي استهدفت في ساعاتها الأولى 168 طفلاً في مدرسة «الشجرة الطيبة» بمدينة ميناب بصواريخ أمريكية مباشرة، لم تعد أبعادها إقليمية فحسب بل أصبحت عالمية؛ حرب باتت نتائجها ملموسة للناس من أبعد جزيرة في المحيط الهادئ وصولاً إلى محطات الوقود في أمريكا، التي تُعد واحدة من أكبر منتجي النفط.
لقد مضى الآن 70 يوماً على هذه الحرب التي تصورت الحكومة الأمريكية أنها ستنتهي في غضون أيام أو أسابيع، ولم تستطع الأدوات العسكرية والحصار البحري والحرب النفسية والعمليات السياسية لسكان البيت الأبيض طوال هذه المدة أن تخفف من تبعاتها الاقتصادية، رغم كل الجهود والبيروقراطية في الأسواق العالمية.
من المنظور الاقتصادي، تدفع هذه الحرب العالم نحو ركود وتضخم غير مسبوقين، رغم أن بعض الدول لم تُحرم من الأرباح والمزايا الاقتصادية، حيث يُطرح السؤال مَن هم الرابحون والخاسرون الحقيقيون في هذه الحرب اقتصادياً؟
روسيا؛ رابح يبيع النفط
الربح الأول والأكثر وضوحاً لروسيا من الصراع الإيراني - الأمريكي هو سعر النفط. فمع إغلاق مضيق هرمز أمام السفن المرتبطة بأمريكا وحلفائها، انخفض عرض النفط في السوق العالمية. ورفع بنك «غولدمان ساكس» الأمريكي توقعاته لخام برنت في الربع الأخير من عام 2026 إلى 90 دولاراً.
بالنسبة لروسيا، أكبر مُصدّر للنفط الخام بعد السعودية، فإن كل زيادة قدرها 10 دولارات في السعر تعني 20 - 30 مليار دولار كدخل سنوي إضافي، وهذا يحدث بينما تخضع روسيا منذ عام 2022 لأشدّ العقوبات النفطية في تاريخها؛ لكن أزمة الشرق الأوسط الآن خففت الضغط عن موسكو وزاد الطلب على نفطها، بل إن الخزانة الأمريكية علقت العقوبات النفطية على روسيا لتعزيز عرض النفط.
وبحسب المراقبين الاقتصاديين، فإن روسيا لم تغلق مضيق هرمز لكنها تستفيد من نتائجه؛ فكلما زاد التوتر، ارتفعت أسعار النفط والغاز. تصدر روسيا حوالي 5 ملايين برميل نفط يومياً، وبافتراض زيادة 15 دولاراً للبرميل، يرتفع دخلها اليومي بمقدار 75 مليون دولار. وفي هذا السياق، تبيع أكثر للصين والهند؛ الدول التي فقدت نفط الخليج الفارسي تتجه نحو النفط الروسي، وبات لدى روسيا زبائن أكثر وبأسعار أعلى.
وفي ظل الخلاف بين الدول العربية، يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للسعودية والإمارات والكويت، وكل يوم يبقى فيه المضيق مغلقاً يزداد الضغط على هذه الدول ويجبرها على مزيد من التنسيق مع روسيا، وهذا يعني قوة أكبر لروسيا في تحديد أسعار النفط.
من جهة أخرى، لطالما حلمت روسيا لسنوات بـ»إلغاء الدولرة» من الاقتصاد العالمي، والآن توفرت الفرصة لتحويل هذا الحلم إلى حقيقة، وكما يقول «كاشيب سريرام»، أحد محللي سوق رأس المال الأمريكي: «وداعاً للسلوكيات غير الطبيعية للدولار في الاقتصاد العالمي».
وتوضيحاً لهذه الحقيقة، فقد أنشأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خطوط «سواب» عملات واسعة لإنقاذ حلفائه من نقص الدولار؛ لكن النتيجة جاءت عكسية تماماً؛ فالدولار لم يعد «ملاذاً آمناً»، ورؤوس الأموال في وقت الأزمات لا تهرب نحو الدولار، بل نحو «اليوان والذهب والأصول الشرقية». وروسيا التي طُردت من نظام «سويفت»، يمكنها الآن استخدام الأنظمة البديلة مثل «SPFS الروسي» و»CIPS الصيني» بثقة أكبر. وكلما ضعف الدولار، قل ضغط العقوبات الأمريكية على روسيا.
الصين؛ وتعزيز اليوان
من وجهة نظر المحللين، فإن الصين هي رابح آخر في هذه اللعبة، حيث ذكر تقرير لصحيفة «الإيكونوميست» أنه في 2 أبريل 2026، سجل نظام الدفع الصيني «CIPS» رقماً قياسياً بلغ 2/1 تريليون يوان في يوم واحد، بنمو قدره 76% مقارنة بمتوسط العام السابق (680 مليار يوان).
ويربط المراقبون جزءاً من هذه القفزة بإغلاق مضيق هرمز والتعامل باليوان وبيع النفط الإيراني باليوان؛ لكن الجزء الأكبر يتعلق بهروب رؤوس الأموال من الغرب نحو الصين. فقد ذكرت البنوك الصينية أن شراء وبيع السندات والأسهم الصينية عبر الحدود في مارس 2026 بلغ 712 مليار دولار، وهو أعلى بـ40% من المتوسط السنوي. أي أن الرأسماليين الأوروبيين والأمريكيين يبيعون دولاراتهم ويشترون اليوان خوفاً من أن تدمر الحرب الإيرانية الأمريكية قيمة الدولار.
الاستراتيجية الجديدة التي باتت تبرز أكثر بعد العدوان الأمريكي ضد إيران، هي أن روسيا والصين يمكنهما بالتعاون معاً وضع نظام جديد للاقتصاد؛ وهناك عدة سيناريوهات أهمها التحول إلى «مخزن طاقة العالم» بزبائن ثابتين في الصين والهند وتركيا، وإنشاء نظام مالي موازٍ لـ»سويفت» (نظام SPFS) وربطه بنظام CIPS الصيني. كما أن تقليل الاعتماد على الدولار من 80% في عام 2021 إلى أقل من 20% في عام 2026م، وزيادة حصة اليوان في التجارة العالمية من 3% إلى 15% بحلول عام 2030م، هي إنجازات طويلة المدى تقرب بكين من حلمها في التحول إلى القوة الاقتصادية الأولى في العالم.
مَن هم الرابحون والخاسرون اقتصادياً؟
إذا أردنا الإجابة بوضوح على سؤال «مَن هم الرابحون والخاسرون الحقيقيون في هذه الأزمة»، يجب أن نقبل بأن الأدوار قد تغيرت تماماً؛ أولاً وأهم من كل شيء، الصين هي الرابحة، فمن دون إرسال جندي واحد إلى الخليج الفارسي، تستبدل عملتها تدريجياً بالدولار في صفقات النفط، بل وجذبت -وفقاً لإحصاءات مسربة من المصارف الصينية- أكثر من 700 مليار دولار من رؤوس الأموال الهاربة من الغرب في شهر مارس. بالنسبة للصين، هذه الأزمة هي فرصة ذهبية للقفز إلى مكانة القوة المالية العظمى في العالم.
الرابح الآخر في هذه الحرب هو روسيا؛ فكل برميل نفط يتم تداوله فوق 90 دولاراً يعني تحقيق عشرات المليارات من الدولارات كدخل إضافي، وذلك لبلد منخرط في الحرب منذ سنوات ويخضع لضغوط العقوبات والاقتصاد من الغرب.
الرابح الثالث في هذه الحرب من وجهة نظر المحللين الاقتصاديين هي إيران، التي لم تحقق هذا النجاح بالصواريخ والمسيرات فحسب، بل بالصمود؛ فقد أثبتت إيران أن مضيق هرمز هو رافعة اقتصادية قوية.علاوة على ذلك، نجحت إيران في حذف الدولار من معادلاتها النفطية واستبداله باليوان، وثبتت سيادتها على مضيق هرمز وجعلت العقوبات والتهديدات الأمريكية في المجال الاقتصادي عديمة الأثر. أمّا الخاسرون في هذه الحرب فهم واضحون تماماً؛ في رأس قائمة الخاسرين تقف أمريكا. فدونالد ترامب بترهاته الإعلامية وتهديداته العسكرية لم يفشل في تركيع إيران فحسب، بل وجّه أكبر ضربة للدولار. اليوم لم يعد الدولار الملاذ الآمن للعالم؛ رؤوس الأموال بدلاً من الهروب نحو الدولار، تتجه نحو اليوان والذهب والأسواق الشرقية. التكاليف العسكرية الأمريكية في الخليج الفارسي بلغت أرقاماً فلكية، وحلفاؤها قلقون، وسمعة واشنطن كـ»شرطي العالم» تلطخت.
في المرتبة التالية من المتضررين تأتي أوروبا، التي تعاني ضائقة اقتصادية بسبب غلاء الطاقة ولم تعد تمتلك القدرة السابقة لمساعدة أوكرانيا والضغط على روسيا، كما أنها لا تملك مكانة لإنهاء هذه الحرب؛ فلا إيران تكترث لكلام أوروبا، ولا ترامب يقيم لهم وزناً.
أوروبا التي لا تملك نفطها الخاص ولا غاز روسيا الرخيص، تدفع الآن ثمن الأزمة. المصانع الألمانية أغلقت، والتضخم في فرنسا وإيطاليا لا يمكن كبحه، ورؤوس الأموال تهرب من لندن وباريس وفرانكفورت. أوروبا ضُربت من الجانبين؛ من جهة العقوبات على روسيا، ومن جهة أخرى إغلاق مضيق هرمز. ثالثاً: الدول العربية في الخليج الفارسي، لاسيما السعودية والإمارات، فصادرات النفط والطاقة لهذه الدول تعتمد على العبور الآمن من مضيق هرمز؛ لكنها تعيش الآن في ظروف قد تتعرض فيها سفنها للتوقف أو الاستهداف في أي لحظة. وهي مضطرة للتنسيق مع روسيا في «أوبك بلس» وتحمل ضغط أمريكا أيضاً. وفي خضم ذلك، هم المتضرر الأكبر.
في النهاية، الدولار يمر بموت تدريجي. روسيا والصين تجلسان على جنازة الدولار؛ لكن مقبرة هذا الدولار هي شوارع أوروبا ومصانع ألمانيا المغلقة، وليست ميادين القتال في إيران. ترامب بترهاته، هوى بالدولار من القمة إلى القاع، وروسيا والصين تشاهدان ذلك بابتسامة.
