تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
في ذكرى انطلاق عقدها الثالث
ثورة النانو في إيران.. ابتكارات طبية وصناعية تعيد صياغة الاقتصاد وترتقي بجودة الحياة
ومضى أكثر من عشرين عامًا منذ أن خطت إيران خطواتها الأولى في مسار تطوير علم وتكنولوجيا النانو. ففي وقت كانت فيه العديد من الدول الرائدة لا تزال ترسم خرائط الطريق لهذه التكنولوجيا الناشئة، قررت إيران، بالاعتماد على العزيمة والإرادة الوطنية، أن يكون لها موقع متقدم في مستقبل العلم والصناعة في هذا المجال. في تلك السنوات، كان اطلاع المجتمع العلمي والصناعي في البلاد على تكنولوجيا النانو محدودًا للغاية؛ إذ كان عدد المتخصصين في هذا المجال قليلًا، كما لم تكن البنية التحتية اللازمة قد تشكّلت بعد. غير أن إرادة الباحثين وصنّاع السياسات اتجهت نحو فتح مسار جديد قائم على القدرات المحلية، مسار يربط بين العلم والتكنولوجيا، ويحوّل المعرفة إلى ثروة وتقدم اقتصادي.
منتج لضمان استقرار شبكة الكهرباء
يؤدي تراكم الغبار مع الرطوبة، لاسيما في المناطق الجنوبية من البلاد، إلى حدوث ظاهرة “القوس الكهربائي” (Electric Arc)، ما يتسبب في تضرر المعدات وانقطاع التيار الكهربائي أو خروج بعض الأجهزة من الخدمة.
ويتمثل الحل العالمي لمواجهة هذه المعضلة في استخدام أنواع من الطلاءات العازلة، وهي منتجات كانت إيران تعتمد سابقًا على استيرادها. إلا أن ارتفاع تكلفتها، إلى جانب القيود الناجمة عن العقوبات، جعل الحصول عليها وتوفيرها للشبكة الوطنية أمرًا صعبًا. وفي هذا السياق، تمكّن الباحثون الإيرانيون من تطوير طلاءات عازلة معززة بتقنية النانو، أسهمت في حماية شبكة الكهرباء من تأثيرات الغبار والرطوبة، ومنعت تضرر المعدات وانقطاع التيار. وتفوق جودة هذا المنتج المحلي نظيراته الصينية، فيما تضاهي كفاءته المنتجات الأوروبية.
طرف صناعي إيراني لإعادة ترميم قاع الحجاج
كانت الأطراف الصناعية المستخدمة سابقًا لعلاج كسور قاع الحجاج غالبًا دائمة وغير قابلة للامتصاص، ما يعني بقاءها داخل الجسم لفترات طويلة، الأمر الذي قد يزيد من مخاطر العدوى وظهور مضاعفات على المدى البعيد. غير أن هذا المسار شهد تحولًا مع تطوير أطراف صناعية نانوية قابلة للامتصاص تساعد الأطباء على ترميم المنطقة المتضررة بفاعلية أكبر، مع تقليل احتمالات الإصابة بالعدوى.
وتتميّز هذه الأطراف بأنها تتحلل تدريجيًا داخل الجسم، ليجري امتصاصها بالكامل بعد نحو عامين إلى ثلاثة أعوام، من دون الحاجة إلى تدخل جراحي جديد. وخلال السنوات الأخيرة انضمت إيران إلى قائمة الدول المنتجة للزرعات الطبية المتقدمة، بعد نجاحها في تطوير أطراف صناعية نانوية قابلة للامتصاص تُستخدم في إعادة ترميم عظام الوجه، ولا سيما قاع الحجاج.
تنقية مياه ساوه بجهاز نانوي
وفي مثال آخر على التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا، طُوِّر في إيران جهاز نانوي يعتمد على تقنية الأوزون أسهم في حل مشكلة تنقية المياه في مدينة ساوه.
وقد صُمّم هذا الجهاز بما يتناسب مع القدرة الاستيعابية لمحطة معالجة المياه في المدينة، وتم إدخاله إلى منظومة التشغيل. وبعد أكثر من عام من التشغيل المتواصل، أكدت النتائج كفاءته في تحسين جودة المياه، حيث تحولت المياه الملوثة إلى مياه صالحة للشرب، مع تسجيل مستويات عالية من رضا المواطنين.
عندما تدعم تقنية النانو المزارعين
وفي قطاع الزراعة، طوّرت إحدى الشركات المحلية جهازًا يعتمد على تقنية الفقاعات النانوية، أسهم في تقليص دورة الزراعة من نحو 40 يومًا إلى قرابة 20 يومًا فقط. كما أدى استخدام هذا الجهاز إلى تحسين عملية الإزهار وتعزيز قوة الجذور، فضلاً عن الحد من الأمراض الفطرية بشكل ملحوظ حتى اقتربت من الصفر.
خفض العدوى في المستشفيات بفضل أرضيات نانوية
من التطبيقات الأخرى لتكنولوجيا النانو في إيران استخدام الأرضيات الراتنجية المتكاملة في المستشفيات. وقد أسهم إدخال تقنية النانو في المواد الأولية المستخدمة في تصنيع هذه الأرضيات في خفض معدلات العدوى داخل المرافق الطبية بشكل ملحوظ.
بداية العقد الثالث من تطوير تكنولوجيا النانو في إيران
ومع إقرار برنامج تطوير النانو تحت عنوان «الوثيقة الوطنية لتطوير علوم وتكنولوجيا النانو» في المجلس الأعلى للثورة الثقافية، دخلت إيران العقد الثالث من مسيرة تطوير هذه التكنولوجيا، وهو عقد يركّز على تطوير التقنيات الجديدة وتعزيز الآثار الاقتصادية والاجتماعية لتكنولوجيا النانو.
وخلال أكثر من عقدين من تنفيذ برنامج تطوير النانو، شهدت المنتجات النانوية دخولًا واسعًا إلى معظم القطاعات الصناعية، كما واصل سوق هذه المنتجات مساره التصاعدي.
من الإنتاج المحلي إلى عائدات بملايين الدولارات
حتى نهاية شهر سبتمبر عام 2025، جرى تسويق نحو 1800 منتج نانوي من قبل 416 شركة ناشطة في هذا المجال، حصلت جميعها على شهادة «المقياس النانوي الصناعي» من مقر تطوير تكنولوجيا النانو.
وقد سجلت هذه المنتجات مبيعات بلغت 97 ألف مليار تومان خلال عام 2024، وهو ما يعكس نموًا تجاوز 57 في المئة مقارنة بالعام السابق.
ولم تقتصر منتجات تكنولوجيا النانو الإيرانية على تلبية احتياجات السوق المحلية ومنع خروج العملة الصعبة، بل تمكنت أيضًا من دخول أسواق 63 دولة في خمس قارات، محققة عائدات من النقد الأجنبي بلغت 183 مليون دولار خلال عام 2024.
النانو الإيراني.. من البحث العلمي
إلى الأسواق العالمية
إلى جانب تطوير الإنجازات الصناعية وتعزيز الآثار الاقتصادية لتكنولوجيا النانو، تنفذ إيران برنامجًا وطنيًا شاملًا يهدف إلى تعزيز حضورها العالمي في هذا المجال.
ويُعدّ حضور إيران بين الدول الرائدة عالميًا في نشر الإنجازات العلمية المرتبطة بتكنولوجيا النانو، إضافة إلى مساهمة خبرائها في إعداد ونشر نحو 11 في المئة من المعايير العالمية الخاصة بهذه التكنولوجيا، من أبرز إنجازات البلاد في هذا القطاع.
وأصبحت تكنولوجيا النانو في إيران اليوم منظومة متكاملة تمتد من البحث العلمي إلى السوق، مرورًا بالابتكار والتصنيع، وأسهمت منتجاتها في دعم النمو الاقتصادي وتحسين جودة حياة المواطنين.
