تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
من المضيق إلى العالم
كيف غيّرت إدارة هرمز قواعد اللعبة الاقتصادية؟
يُعدّ مضيق هرمز، باعتباره أهم ممر مائي حيوي في مجال الطاقة عالميًا، ناقلًا يوميًا لما يقارب 20 إلى 25 بالمئة من النفط المستهلك عالميًا؛ وهي حقيقة أصبحت واضحة للجميع مع مرور نحو شهرين على العمل العسكري للتحالف الأمريكي-الصهيوني ضد إيران، حتى إن سكان المناطق النائية حول العالم بدأوا يشعرون بتداعيات تقييد الملاحة في هذا الممر في حياتهم اليومية.
واليوم، بات من المسلّم به أن آثار تقييد حركة السفن في مضيق هرمز تجاوزت حدود المنطقة وأثّرت على الاقتصاد العالمي؛ إذ قبل بدء العدوان، كان نحو 20 ناقلة نفط عملاقة تعبر المضيق يوميًا، أما الآن ومع القيود المفروضة، يُقدّر أن ما بين 17 إلى 20 مليون برميل نفط قد أُخرجت من العرض العالمي. وقد تجلّت النتائج الفورية لذلك خلال الأسابيع الماضية في الارتفاع الحاد لأسعار الوقود الأحفوري، لا سيما النفط والغاز، مما أطلق موجة تضخمية جديدة بدأت في الدول المستوردة للطاقة ثم امتدت إلى بقية الدول.
ارتفاع أسعار الطاقة والترشيد الإجباري
في أعقاب هذه التطورات، شهدت أسعار خام برنت وغرب تكساس ارتفاعًا كبيرًا، واضطرت بعض الدول إلى تنفيذ خطط عاجلة لترشيد استهلاك الوقود. وتشير التقارير إلى أن دولًا أوروبية بدأت بالفعل بفرض قيود على محطات الوقود، وخفض سرعة السفن والقطارات، بل وحتى تنفيذ برامج انقطاع كهربائي صناعي.
وبحسب تحليل بنك الاستثمار الأمريكي «جي بي مورغن»، فإنه إذا استمر اضطراب مضيق هرمز، فإن معظم دول العالم ستواجه نقصًا حادًا في الوقود. ويعكس هذا التحذير هشاشة سلاسل الإمداد العالمية أمام نقطة اختناق استراتيجية مثل هرمز.
كما حذّر وزير المالية القطري، علي بن أحمد الكواري، من أن التداعيات الاقتصادية الواسعة للحرب على إيران ستظهر خلال شهر إلى شهرين، مشيرًا إلى أن إعادة إعمار المنشآت المتضررة واستئناف الصادرات بشكل كامل قد يستغرق ما يصل إلى خمس سنوات. ويُذكر أن قطر تمتلك نحو 30 بالمئة من الإمدادات العالمية من غاز الهيليوم، وهو عنصر حيوي في صناعة الرقائق الإلكترونية.
الحصار البحري يساوي انهيار الاقتصاد العالمي
في الوقت الذي يصرّ فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تنفيذ حصار بحري ضد إيران، تظهر آثاره النفسية بوضوح في أسواق الطاقة. ويرى بعض الخبراء أن تطبيق مثل هذا الحصار يُعد بمثابة إعلان حرب اقتصادية شاملة ضد إيران وحلفائها، ما قد يدفع طهران إلى اتخاذ إجراءات مضادة.
فبعد إعلان إيران السماح المشروط بمرور السفن غير التجارية خلال فترة وقف إطلاق النار، عاد ترامب للتأكيد على الحصار البحري، لتردّ إيران بإعادة تشديد القيود على الملاحة في المضيق.
وبناءً على ذلك، يرى مراقبو الاقتصاد العالمي أن تصاعد القيود في مضيق هرمز قد يؤدي إلى شلّ سلسلة إمدادات النفط في الشرق الأوسط لأشهر، ورفع معدلات التضخم والبطالة عالميًا إلى مستويات قياسية.
أي الدول كانت الأكثر تضررًا؟
تتصدر كل من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية قائمة الدول الأكثر تضررًا، إذ تعتمد على مضيق هرمز لتأمين أكثر من 70 بالمئة من وارداتها النفطية. وفي أوروبا، تواجه دول مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج الفارسي، ارتفاعًا حادًا في تكاليف الطاقة وتباطؤًا في النمو الصناعي.
حتى الولايات المتحدة، رغم زيادة إنتاجها النفطي، لم تكن بمنأى عن تقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
وفي خضم هذه الأزمة، أعلنت الصين رسميًا استبدال معاملات "البترو-دولار" بعقود "البترو-يوان" مع دول الخليج الفارسي، في خطوة يمكن اعتبارها استثمارًا جيوسياسيًا ذكيًا للأزمة. وتسارعت بذلك وتيرة التخلص من هيمنة الدولار، وهو تحول قد يشكل تحديًا طويل الأمد للقوة المالية الأمريكية.
عامان لعودة السوق إلى طبيعته
أشار المحلل البارز في قطاع الطاقة، إريك ناتال، إلى نقطة دقيقة، إذ أنه رغم إغلاق المضيق انخفضت أسعار النفط بنسبة 11 بالمئة، وهو ما يُعزى إلى الانفراج الظاهري المؤقت وتراجع التوتر النفسي في السوق. لكنه يوضح أن مدة الذهاب والإياب لناقلات النفط إلى آسيا، والتي تبلغ 25 يومًا، تعني فعليًا استمرار انخفاض الإنتاج لنحو شهرين، أي ما يعادل فقدان 600 مليون برميل من النفط.
وفي هذا السياق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية، أن استعادة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية قد تستغرق نحو عامين، حيث تحتاج ثلث المنشآت المتضررة من أصل 80 منشأة إلى إصلاحات تمتد لأشهر أو حتى سنوات. كما أن إعادة ملء الاحتياطيات الاستراتيجية ستخلق طلبًا إضافيًا بنحو 3/0 مليون برميل يوميًا لمدة أربع سنوات.
من جانبه، أشار الباحث في شؤون الطاقة، روري جونستون، إلى انخفاض المخزونات النفطية التجارية الأمريكية بمقدار 9 ملايين برميل خلال أسبوع واحد، موزعة بين النفط الخام والبنزين والديزل، وهو ما يعكس أن الولايات المتحدة نفسها لم تسلم من تداعيات الأزمة.
إن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران لا يُعد مجرد خطوة عسكرية دفاعية إقليمية، بل يمثل نقطة تحول مفصلية في اقتصاد الطاقة العالمي. فارتفاع أسعار الوقود، والتضخم المتسارع، واضطراب سلاسل إمداد الهيليوم، والتحولات النقدية الدولية مع صعود "البترو-يوان"، إلى جانب تحذيرات مؤسسات مثل «مورغان ستانلي» ووكالة الطاقة الدولية، كلها مؤشرات على دخول العالم مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي.
