أمين عام حزب الله:

التفاوض المباشر يُعدّ تنازلاً مجانياً.. ولن نقبل بإنشاء منطقة عازلة

في ظل استمرار المواجهة المفتوحة بين المقاومة في لبنان والعدو الصهيوني، يبرز خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بوصفه تعبيرًا واضحًا عن صلابة الموقف المقاوم وثباته في مواجهة التصعيد المستمر. خطاب يعكس إصرارًا على حماية سيادة لبنان ورفض كل أشكال الهيمنة أو فرض الوقائع على الأرض، ويؤكد أنّ خيار المقاومة يبقى الركيزة الأساسية في الدفاع عن البلاد، وفي منع العدو من تحقيق أهدافه أو فرض أي معادلات جديدة، وفي مقدمتها رفض وجود أي منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، والتشديد على استمرار مسار المواجهة حتى تحقيق الردع وحماية الأرض والإنسان.
استمرار العدوان وغياب وقف إطلاق النار
أكدّ أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم في بيانه في 4/5/2026  أنه «لا يوجد وقف إطلاق نار في لبنان، بل عدوانٌ صهيوني أميركي مستمر»، و«لا توجد عبارات كافية لإدانة استهداف المدنيين والقرى والبلدات والهدم وقتل الأطفال والنساء والرجال والشيوخ، نصبر ونقاوم والله تعالى معنا».
وشدد على أنّ «لبنان هو المعتدى عليه، وهو الذي يحتاج إلى ضمانات لأمنه وسيادته. أمَّا ادّعاء العدو الصهيوني بأنَّه يريد أمن مستوطناته في شمال فلسطين المحتلة، فقد حصل عليه بتطبيق لبنان لاتفاق 27/11/2024 بشكلٍ صارم لمدة خمسة عشر شهرًا. لكن العدو الصهيوني لم يُنفِّذ خطوة واحدة من الاتفاق، وخرقه أكثر من عشرة آلاف مرة، وقتل خمسمائة من المدنيين، وجرح المئات، وهدم آلاف البيوت والحياة، وهجَّر الناس من قراهم.. كلُّ ذلك لأنَّه لم يحقق أي خطوة على طريق «إسرائيل الكبرى»، ولن يُحققها ولو اجتمع معه وحوش الأرض من مجرمي البشر».
رفض المنطقة العازلة واستراتجية الكر والفر
وحول الترتيبات الميدانية والأمنية المقترحة، لفت الشيخ قاسم إلى أنّ «الجيش اللبناني انتشر في جنوب نهر الليطاني تطبيقًا للاتفاق، ويسأل بعضهم: من أين أتى المقاومون والسلاح؟ لقد اختارت المقاومة أساليب تنسجم مع المرحلة واستفادت من الدروس والعبر، وقد رأى الجميع اتقان المقاومة لأدائها ومفاجآتها في الميدان».
وأوضح في سياق التكتيكات العسكرية أنه «لا توجد حاجة للثبات في الجغرافيا، فالمقاومون يأتون من أماكن كثيرة في لبنان ويؤمنون أسلحتهم المناسبة، ويعملون بأسلوب الكر والفر لإيقاع أكبر عدد من الخسائر في جنود العدو وضباطه، ولمنعه من الاستقرار في الأرض التي احتلها»، وأكد أنه «لا وجود لخط أصفر ولا منطقة عازلة، ولن يكون».
معادلة القوة.. المقاومة والوحدة الداخلية
وفي سياق الانتقال إلى البُعد الاستراتيجي، أكد الشيخ قاسم أنه «مع إيماننا وخيارنا الحصري باسترجاع أرضنا وتحريرها وعدم الاستسلام، ننجح حتمًا بمواجهته وخصوصًا عندما نستفيد من قوتين: قوة المقاومة وقوة الوحدة الداخلية». وأشار إلى أنّ «المقاومة وأهلها يقدِّمون أداءً أسطوريًّا أدهش العدو والصديق، فلا تطعنوها في ظهرها»، وأضاف «نحن لا ندعوكم إلى حمل قناعاتها بل ندعوكم إلى أن لا تخدموا خندق الأعداء في هذه المرحلة الحساسة».
دور الدولة بين السيادة والمسؤولية الوطنية
وانتقالاً إلى الدور الداخلي، شدد الشيخ قاسم على أنّ «من واجب السلطة أن تحرص على الوحدة الوطنية، وتُحقق السيادة، وتأمر الجيش بالدفاع عن البلد، وتؤمن الحماية لكلِّ المواطنين، وتُعالج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية». ودعا الحكومة إلى أن تُبرز للمواطنين إنجازاتها، «وما طبقته من اتفاق الطائف من دون انتقائية وتفسير مغلوط، وأنَّها ملتزمة بالدستور والعيش المشترك ليكون تمثيلها صحيحًا وأداؤها مقبولًا. ومع ضعفها وعدم قدرتها تضع الخطط والبرامج على قاعدة بناء الدولة وسيادتها»، وقال «نحن حاضرون كما كُنا دائمًا السند والمعين في إطار الوحدة والاستقلال».
دعم التفاوض غير المباشر وتحذير
من التنازلات
وفي إطار الموقف السياسي من الخارج، تساءل الشيخ قاسم: «هل يوجد بلد في العالم تتفق سلطته مع العدو على مواجهة مقاومة البلد للاحتلال؟»، وتابع: «لا يوجد.. تعالوا نواجه أهداف العدو وتحرير الأرض بوحدتنا الداخلية، لننجح معًا في طرد العدو وتمكين السلطة من القيام بواجباتها».
وأوضح أنّ هناك «أربعة مؤثرات تُساعدنا على اجتياز هذه المرحلة: استمرار المقاومة، والتفاهم الداخلي، والاستفادة من الاتفاق الإيراني - الأميركي والاستفادة من أي تحرك دولي أو إقليمي يضغط على العدو».
وقال: «فليضع العالم نُصب عينيه أنَّه لن يكون الحل هو الاستسلام»، وشدد على أن «الحل مع العدو لا يكون بهندسة لبنان سياسيًا وعسكريًّا كبلدٍ ضعيف وتحت الوصاية. ولا بالدبلوماسية المكبلة باستمرار العدوان وضغط الطغيان وعدم تطبيق الاتفاقات».
وأعلن الشيخ قاسم «نحن مع الدبلوماسية التي تؤدي إلى إيقاف العدوان وتطبيق الاتفاق»، موضحاً «مع دبلوماسية التفاوض غير المباشر الذي أعطى نتائج في الاتفاق البحري واتفاق وقف إطلاق النار، وأبقى قدرات لبنان التي هي حقٌ له»، ولفت إلى أنّ «التفاوض المباشر هو تنازل مجاني بلا ثمار، وهو خدمة لنتنياهو الذي يريد رسم صورة نصر بالصورة والموقف مع استمرار العدوان، وخدمة لترامب قبل الانتخابات النصفية».
رسالة إلى شباب المقاومة وصُنّاع المستقبل
وتوجه الشيخ قاسم إلى شباب المقاومة بالقول: «يا شباب المقاومة، أنتم تصنعون المستقبل العزيز، وتقدِّمون الأنبل والأشرف، لقد جبلَتْ دماؤكم أرض لبنان فأصبحت عصيَّة على الغزاة والمتهاونين. رايتُكم هي الباقية بقاءَ الأرض والسماء والشمس والهواء. دماءُ شهداء المقاومة وعلى رأسهم سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله(رض) والسيد الهاشمي(رض) وكلّ الشهداء والجرحى هي نور طريقنا المضاءة مع الأسرى والأهل المضحين».
كما وجّه تحية تقدير للبيئة الحاضنة والداعمين، قائلاً: «تحيَّةَ حُبٍّ وتلاحم لأهلنا المضحين والنازحين والمؤيدين، يا من أصبحتم مفخرة الوطنية والتضحية ونُصرة الحق. وكلُّ الشكر لمن آوى ودعم وساعد من الناس والطوائف والأحزاب والشخصيات والإعلام والقطاع الصحي والمسؤولين والوزراء والمؤسسات الرسمية ولا استثني أحدًا من أهل الفضل والعطاء».
تأكيد صورة لبنان المقاوم والجامع
وفي ختام بيانه، وجه الشيخ قاسم «تحيةً خاصة لمن أسس اللقاء الوطني وعقد اجتماعه الكبير والجامع والشامل نُصرةً للمقاومة والوطن والوحدة والتحرير والشرف.. فقد أعطيتم الصورة المشرقة للبنان باجتماع القوى والأحزاب والشخصيات والهيئات المدنية والمستقلة من كلّ المناطق والطوائف لتُعبروا عن لبنان المقاوم والواعد والجامع والمُحرَّر».
في النهاية، يعكس خطاب الشيخ نعيم قاسم رؤية سياسية وأمنية قائمة على تثبيت معادلة المقاومة في مواجهة التصعيد المستمر، ورفض أي تسويات تُعتبر من وجهة نظره انتقاصًا من سيادة لبنان أو تنازلًا عن عناصر القوة فيه. وبين التركيز على الميدان، والوحدة الداخلية، والدور السياسي للدولة، يضع الخطاب إطارًا شاملًا لفهم موقع لبنان في المرحلة الحالية، حيث تتداخل المواجهة العسكرية مع الحسابات السياسية، في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة.

 

 

البحث
الأرشيف التاريخي