تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
«الميدان» و«الدبلوماسية».. قلبٌ واحد وصوتٌ واحد
لقد مضى أكثر من ستين يومًا على الحرب المفروضة الثالثة ضد «إيران الشامخة». كان العدو يسعى إلى رؤية جغرافيا بلادنا «مجزأة»، ولهذا، عندما سُئل الرئيس الأمريكي، على متن الطائرة، عن احتمال تغيير خريطة إيران، لم يستبعد ذلك؛ لكن أيًّا من استراتيجيات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تحقق؟ الجواب واضح: لم يتحقق أيٌّ من مخططاتهم. فقد أظهر الشعب، من خلال حضوره في الشوارع والتجمعات الليلية، مشهدًا متنوع الألوان من «الاتحاد المقدس»، بينما كانت القوات المسلحة في الميدان تستهدف كل نقطة يُشار إليها فتسوّيها بالأرض. وفي الوقت نفسه، جرى انتخاب القائد الثالث للثورة الإسلامية بأغلبية حاسمة من قبل أعضاء مجلس الخبراء، إلى جانب عوامل أخرى عديدة، جميعها عكست قوة الردع الإيرانية أمام العدو والعالم.
من جهة أخرى، لابدّ من الإشارة إلى عامل مهم، يتمثل في الارتباط المبارك بين الجبهتين الاستراتيجيتين الحساستين: «الميدان» و«الدبلوماسية». فالشعب، بوصفه صاحب الفضل على الثورة، يدرك جيدًا كيف يتصرف في اللحظات المفصلية، وما هي الأفعال السياسية التي ينبغي اعتمادها، كما أن المسؤولين المعنيين أداروا شؤون الحرب المفروضة بدقة وبصيرة.
فقد كان الجهاز الدبلوماسي منشغلًا بالمشاورات والحوار مع مسؤولي الدول الأخرى، كما كانت تُنقل رسائل من بعض الدول إلى طهران. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن القوات الثورية في الحرس الثوري والجيش دافعت بكل صلابة عن كل شبر من أرض إيران الواسعة، ولقّنت العدو المعتدي درسًا قاسيًا، بحيث لا يجرؤ مرة أخرى على انتهاك سيادة البلاد أو استهداف المسؤولين الكبار والمؤثرين في النظام.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن «الميدان» و«الدبلوماسية» كانا بالفعل، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، قلبًا واحدًا وصوتًا واحدًا، وكان هذا النهج سببًا في أننا لم نُخطئ الطريق رغم غياب قائدنا الشهيد، فيما تكبّد العدو خسائر موجعة. وبعد إعلان وقف إطلاق النار، وبطلب من الطرف المقابل، خصوصًا مع الدور الذي أدّته الدولة الصديقة باكستان، شاركنا في مفاوضات إسلام آباد، وهي مفاوضات سارت على نهج «دبلوماسية الاقتدار»، ولا تزال ملتزمة بهذا المسار وهذا الخطاب.
لا تراجع في «الميدان»
ولا في «الدبلوماسية»
أوضح رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمدباقر قاليباف، ورئيس الفريق المفاوض، بعد عودته إلى طهران، في مقابلة تلفزيونية مع الشعب، أبعاد ما جرى في عملية التفاوض، مؤكدًا أن تثبيت حقوق الشعب يجب أن يكون الهدف الأساسي، وقال: «اطمئنوا، لن يكون هناك أي تراجع في ميدان الدبلوماسية». وأضاف: «كنّا ثابتين عندما كنا نتابع العمل في الميدان العسكري، ونحن اليوم أيضًا ثابتون، وفي أي لحظة يرتكب فيها العدو خطأً نحن مستعدون، لأننا لا نثق به إطلاقًا. وحتى في هذه اللحظة، قد يبدأ الحرب، لذلك فإن قواتنا المسلحة في كامل الجاهزية. وليس صحيحًا أننا نتفاوض بينما قواتنا غير مستعدة، بل كما أن الشعب حاضر في الشارع، فإن قواتنا المسلحة أيضًا على أهبة الاستعداد».
إنّ الحكومة الرابعة عشرة تؤمن إيمانًا راسخًا بتكامل «الميدان» و«الدبلوماسية»، وقد أثبتت ذلك عمليًا في الحربين ذات الإثني عشر يومًا والأربعين يومًا. وقد كتب أمين مجلس الإعلام الحكومي محمد كلزاري، العام الماضي، في حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي: «في الدفاع الوطني، بعد هجوم الكيان الصهيوني على إيران، لم يسمح رئيس الجمهورية ومجموعة الحكومة، عبر الجهود المتواصلة والإدارة الميدانية والدبلوماسية النشطة، بانزلاق البلاد إلى أزمات أكبر. فالرئيس بزشكيان ملمّ بالدفاع كما هو ملمّ بالحوار؛ بالنسبة له، الميدان هو ساحة الدفاع عن تراب إيران، والدبلوماسية هي طريق خفض التوتر مع العالم. وإذا أردت تلخيص هذا العام في جملة واحدة: لم تكن مجرد رياح، بل كانت عاصفة من الأحداث، وقد عبرناها بوحدة وتلاحم شعبيين لافتين». كما أكدت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني، في 21 أبريل 2026، خلال زيارتها لوكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء «إرنا»، أن فريق التفاوض الإيراني فريق متكامل، وأن رئيسه كان قائدًا ميدانيًا وعلى دراية كاملة، مشددة على أن هذا الفريق يمتلك معرفة بالميدان وبالدبلوماسية معًا، ويضم عناصر ذكية وأكاديمية وذات خبرة تنفيذية، مؤكدة أن الفريق لن يتراجع قيد أنملة عن المصالح الوطنية.
رؤية السياسيين حول الشارع والميدان و الدبلوماسية
في هذا السياق، أكد عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، محمدرضا باهنر، أن شجاعة القوات المسلحة وصمود الشعب في الشوارع، الذي أدهش العالم، تُرجما اليوم في ساحة الدبلوماسية إلى عزّة ومصلحة وطنية، داعيًا إلى دعم المفاوضين والقوات المسلحة. كما كتب عضو المجلس المركزي لحزب كوادر البناء، محمد قوجاني، أن محمدباقر قاليباف يواجه أكبر اختبار سياسي في حياته، وقد تم تعيينه كأعلى مسؤول تفاوضي لإيران، مؤكدًا ضرورة دعمه، ودعم وزير الخارجية السيد عباس عراقجي، مشيرًا إلى أن تحقيق التوازن بين المقاومة والدبلوماسية مهمة حساسة.
وشدد حزب المؤتلفة الإسلامية على أن الصوت الموحد داخل البلاد هو أقوى أداة بيد الفريق المفاوض في مواجهة الأطراف الغربية، داعيًا إلى الحفاظ على الوحدة وتجنب الحواشي.
كما أكد رئيس مجلس الشورى الإسلامي الأسبق، غلام علي حداد عادل، أن وحدة الشارع والميدان والدبلوماسية جلبت وستجلب بركات كبيرة لإيران.
وأوضح عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، محمدحسين صفار هرندي، أن «الدبلوماسية من دون قوة الميدان مجرد كلام»، وأن قيمة الكلام تأتي من القوة التي تسنده على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن من خصائص الشهيد اللواء قاسم سليماني قدرته على أداء دور دبلوماسي إلى جانب دوره الميداني.
الخاتمة:
خلاصة القول إن «الميدان» و«الدبلوماسية» ليسا متعارضين، بل مكملان لبعضهما البعض. وفي الوقت الذي يسعى فيه العدو إلى إحداث انقسام بين مؤسسات الدولة والمجتمع الإيراني، فإن الوعي الشعبي والسياسي كفيل بإفشال هذه المخططات.
نعم، «الاتحاد هو سرّ النصر». وكما سرنا حتى الآن بهذا الانسجام في الشارع، وبهذا التكامل بين «الميدان» و«الدبلوماسية»، فإن استمرار هذا النهج ضرورة حتمية، مع تجاوز المصالح الفئوية والتركيز فقط على إيران ومصالحها. علينا أن نؤمن بأن العدو، أمام وحدة الشعب وقوة القوات المسلحة تحت القيادة الحكيمة لقائد الثورة السيد مجتبى الخامنئي، لن يتمكن من القيام بأي إجراء ضدنا. هذه هي إيران، أرض الرجال الشجعان من أمثال موسوي، باقري، سلامي، باكبور، حاجي زاده، تنغسيري، لاريجاني وسائر شهداء الحرب المفروضة.
