تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
إيـران والكيان الصهيوني.. بين الحقيقة والدعاية
لكن الأمر لا يتوقف عند دعم «إسرائيل». فما لم يجرؤ كثيرون على قوله هو أن الولايات المتحدة نفسها شنت حربين مدمرتين على إيران خلال أقل من عام، بالتنسيق الكامل مع الكيان الصهيوني، مستهدفة المدنيين والبنية التحتية وحتى قادة البلاد، في إعتداءات صارخة لا تجد أي مبرر قانوني أو أخلاقي.
هذا المقال لا يسعى إلى «المقارنة» بقدر ما يسعى إلى كشف الحقيقة التي تحاول آلة الدعاية الغربية والصهيونية طمسها: أن الإرهاب الحقيقي هو ذلك الذي تمارسه أميركا و»إسرائيل»، وكل مَن يدعمهما ويقدم لهما الغطاء السياسي والعسكري هو شريك في هذه الجريمة.
القسم الأول: إيران واتهامات الإرهاب.. الحقيقة التي يخفيها الغرب
لطالما اتهمت الولايات المتحدة إيران بدعم الإرهاب؛ لكن السؤال الذي لم يجبه أحد: ما هو تعريف الإرهاب الذي تستخدمه واشنطن؟ وكيف يمكن لكيان إرهابي مثل «إسرائيل»، التي يمطر المدنيين بالقنابل ويجوّع أطفال غزة ويقتل الصحفيين والأطباء، أن يُصنّف كـ»حليف» و»ديمقراطية شرقية»؟
الحقيقة أن واشنطن لا تكترث بالإرهاب بقدر ما تكترث بمن يعارض مشروعها الهيمني في المنطقة. فإيران تدعم حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وهذا «الدعم» هو ذنبها الوحيد في نظر الغرب. بينما تدعم أميركا و»إسرائيل» بالمال والسلاح كياناً يمارس «إرهاب الدولة» بكل معنى الكلمة، بل إن واشنطن لم تكتفِ بدعم تل أبيب، بل قامتا بشن حربين عدوانيتين على إيران نفسها، في جريمة إرهابية منظمة يندى لها الجبين.
القسم الثاني: العدوان الصهيو-أميركي على إيران.. حربان في أقل من عام
أ) العدوان الأول: حرب الإثني عشر يوماً - يونيو 2025
في 13 يونيو 2025، وفي هجوم غادر شنّته «إسرائيل» بدعم أميركي كامل، انطلق عدوان استمر 12 يوماً على إيران. لم يكن هذا العدوان دفاعاً عن النفس، بل كان عدواناً ممنهجاً استهدف المدنيين والبنية التحتية والمنشآت النووية السلمية، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية.
حجم الكارثة
- وفقاً للتقرير الرسمي الذي قدّمته إيران إلى مجلس الأمن الدولي، استشهد 100/1 مدني في الهجمات الصهيونية التي بدأت في الساعات الأولى من 13 يونيو، بينهم 132 امرأة و45 طفلاً.
- أصيب أكثر من 700/5 شخص بجروح متفاوتة الخطورة.
- استشهد 32 رياضياً إيرانياً، بينهم أطفال وشبان.
إستهداف البنية التحتية وجرائم الحرب
لم تقتصر الجريمة على قتل المدنيين، بل امتدت إلى استهداف ممنهج للبنية التحتية الحيوية للشعب الإيراني. في اليوم الثاني من الحرب، قصفت «إسرائيل» مجمعاً سكنياً في طهران، مما أدى إلى استشهاد 60 مدنياً وأكثر من 100 جريح. كما استهدف القصف حقل بارس الجنوبي الغازي (أكبر حقل للغاز في العالم)، مما تسبب في تعليق إنتاج الغاز في جزء منه.
استهدفت الضربات أيضاً مستشفى حكيم للأطفال، ورياض الأطفال، والحدائق العامة، وسجن إيفين، وسيارات الإسعاف. هذه الأهداف المدنية التي يحميها القانون الدولي بوصفها «أهدافاً محظورة»، تم قصفها بشكل متعمد، مما يشكل جرائم حرب واضحة.
لم تكتفِ «إسرائيل» بذلك، بل إستشهد إثنين من كوادر الهلال الأحمر بعد استهداف سيارة إسعاف في محافظة آذربايجان الغربية. وفي محافظة آذربايجان الشرقية، استشهد 31 شخصاً في هجمات استهدفت 19 موقعاً، بينهم 30 جندياً وموظف في الهلال الأحمر.
التدخل الأميركي المباشر
في 22 يونيو 2025، انضمت الولايات المتحدة رسمياً إلى الحرب، مستهدفة المنشآت النووية الإيرانية. واعترف الرئيس الأميركي علناً بأنه كان «مسؤولاً بشكل كبير» عن الهجوم الأول الذي شنته «إسرائيل». هذا الاعتراف العلني من ترامب هو بمثابة اعتراف بجريمة حرب، حيث شاركت أميركا بشكل مباشر في هذا العدوان.
ب) الحرب الثانية: حرب فبراير 2026 – اغتيال القادة
في 28 فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة و»إسرائيل» هجوماً عسكرياً منسقاً على إيران، في عملية عسكرية موسعة تجاوزت كل الخطوط الحمراء.
اغتيال قائد الأمّة والقادة العسكريين
كان أخطر ما في هذه الحرب هو استهداف قادة إيران السياسيين والعسكريين في عملية إرهابية منظمة. في هذا الهجوم، اغتالت أميركا و»إسرائيل» قائد الأمّة العظيم سماحة آيةالله العظمى الإمام علي الخامنئي(رض)؛ بالإضافة إلى عدد من كبار القادة العسكريين والاستخباراتيين. وقد اعترفت التقارير بأن الولايات المتحدة و»إسرائيل» كانتا تخططان لهذا الاغتيال لأشهر.
هذه الجريمة تمثل أبشع صور الإرهاب، حيث تم استهداف رمز سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية.
الخسائر البشرية والدمار الواسع
أسفر العدوان عن إستشهاد ما لا يقل عن 000/2 شخص في جميع أنحاء المنطقة، وفقاً لتقارير أميركية. في اليوم الأول من الهجوم، استهدفت القوات الأميركية مدرسة «الشجرة الطيبة» الإبتدائية في ميناب بجنوب إيران، مما أسفر عن مقتل أكثر من 170 شخصاً، بينهم العديد من تلاميذ المدارس.
عدم وجود أي تهديد إيراني لأميركا
من المهم التأكيد على أن إيران لم تشكل أي تهديد مباشر لأمريكا يبرر هذا العدوان. فإيران لم تهاجم الأراضي الأميركية، ولم تهدد بشن هجوم وشيك عليها. صحيح أن المسؤولين الإيرانيين كانوا ينتقدون السياسات الأميركية في المنطقة؛ لكن هذا لا يرقى إلى مستوى «التهديد الوشيك» الذي يبرر الحرب بموجب القانون الدولي. لقد شنّت أميركا و»إسرائيل» هذه الحرب بناءً على سيناريوهات «التهديدات المستقبلية» و»الخطر النووي الافتراضي»، وهي مبررات لا تمت إلى القانون الدولي بصلة.
ج) الجانب القانوني: جرائم حرب وانتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة
الخبراء القانونيون الدوليون أجمعوا على أن هذه الهجمات غير قانونية وتنتهك ميثاق الأمم المتحدة. المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أكد أن الهجمات «تقع خارج إطار ميثاق الأمم المتحدة»، وأن الأمين العام أعرب عن قلقه العميق إزاء الخسائر البشرية والعواقب الإنسانية والاقتصادية للصراع، وأن الأمم المتحدة تعارض القتل غير القانوني وأي انتهاك لسيادة الدول الأعضاء.
أمّا بالنسبة لاغتيال الإمام الشهيد، فهو تحت القانون الدولي «غير قانوني بدرجة كبيرة»، وقتل رئيس دولة من قبل قوة أجنبية يُعتبر اغتيالاً غير قانوني، خاصة إذا كان الهجوم نفسه غير مبرر بموجب ميثاق الأمم المتحدة.
والأهم أن «الحرب الاستباقية» أو «الحرب الوقائية» ليس لها أي أساس قانوني في القانون الدولي. فإيران لم تشن هجوماً على أميركا، ولم يكن هناك أي تهديد وشيك يبرر هذا العدوان. إن ما فعلته أميركا وإسرائيل هو عدوان صريح وجريمة حرب.
القسم الثالث: الكيان الصهيوني.. إرهاب الدولة المؤسساتي
بينما تتهم إيران بالإرهاب، فإن الكيان الصهيوني يمارسه يومياً بشكل مؤسساتي:
أ) الإبادة الجماعية في غزة.. أكثر من 000/72 شهيد
منذ أكتوبر 2023، ارتكب جيش الاحتلال مجازر مروعة في قطاع غزة. وفقاً لأحدث الإحصاءات، بلغ عدد الشهداء أكثر من 500/72 فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى أكثر من 000/172 جريح، بينما لا يزال آلاف الضحايا تحت الأنقاض.
في تقرير صدر مؤخراً، خلصت لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن «إسرائيل» ترتكب إبادة جماعية في غزة. وقالت رئيسة اللجنة، نافي بيلاي، القاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا: «تجد اللجنة أن إسرائيل مسؤولة عن ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة».
ب) جيش الإحتلال.. الأكثر انحطاطاً وإجراماً
قبل أكثر من عام ونصف، عندما سُئل المحقق الأممي الأسترالي كريس سيدوتي، عضو لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، عن ادّعاء نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي هو «الأكثر أخلاقية في العالم»، أجاب سيدوتي: «لست متخصصاً في علم الأخلاق؛ ولكني متخصص في علم الجريمة. والاستنتاج الوحيد الذي يمكن استخلاصه هو أن الجيش الصهيوني هو واحد من أكثر الجيوش إجراماً في العالم».
وفي 19 أبريل 2026، صدر تصريح أكثر حدة من المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، التي كتبت: «لقد رأيت ما يكفي لأقولها بكل يقين: الجيش الإسرائيلي هو أكثر الجيوش انحطاطاً».
ج) الإحتلال في لبنان.. تكرار نمط الإبادة
في 15 أبريل 2026، حذّر عدد كبير من خبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة من أن الدمار الإسرائيلي في لبنان يتوافق مع نمط الإبادة الجماعية الذي تم توثيقه سابقاً في غزة، وأن التدمير المنهجي للمنازل يُستخدم كسلاح حرب وكشكل من أشكال العقاب الجماعي، مما «يشير إلى تطهير عرقي».
القسم الرابع: الغرب.. شريك
في الجريمة
أ) أميركا: 7/6 مليار دولار أسلحة جديدة للكيان الصهيوني
في يناير 2026، أعلنت إدارة ترامب عن حزمة مبيعات أسلحة جديدة لإسرائيل بقيمة 67/6 مليار دولار، شملت 30 مروحية هجومية من طراز أباتشي و3250 مركبة تكتيكية. هذه الأسلحة هي نفسها التي تستخدمها إسرائيل لقتل المدنيين في غزة ولبنان والضفة الغربية.
ب) المعايير المزدوجة والتواطؤ
بينما يفرض الغرب عقوبات على إيران بحجة «دعم الإرهاب»، يواصل تقديم مليارات الدولارات من الأسلحة والمساعدات العسكرية للكيان الصهيوني الذي يرتكب جرائم الإبادة الجماعية. هذا النفاق السياسي لا يمكن تفسيره إلّا بمنطق «صديقنا مجرم، وعدونا مناضل».
والأدهى من ذلك أن أميركا نفسها شنّت حربين على إيران، وقتلت آلاف المدنيين، واغتالت قادة البلاد، ثم تتصدر قائمة الدول التي تتهم إيران بـ»الإرهاب»، هذا هو قمة النفاق والانحطاط الأخلاقي.
ج) تشويه صورة المقاومة ومَن ينتقد إسرائيل
ليس غريباً أن تصف أميركا إيران بـ»الدولة الراعية للإرهاب» حسب زعمها بينما تقدم كل هذا الدعم للكيان الصهيوني. فالمطلوب ليس الحقيقة، بل تشويه صورة كل مَن يقف في وجه المشروع الصهيوني. إيران لا تدعم «الإرهاب»، بل تدعم حق الشعوب في مقاومة الاحتلال. هذا هو جوهر الصراع: مقاومة الاحتلال ليست إرهاباً، بل حق كفله القانون الدولي.
كما أن المقررة الأممية «فرانشيسكا ألبانيز» تعرضت لتهديدات بالقتل وعقوبات مالية أميركية (بما في ذلك وضعها على قائمة الإرهاب وتجميد أصولها) بسبب تقاريرها التي اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة. هذا يؤكد أن الغرب لا يريد سماع الحقيقة، بل يريد فقط تبرئة إسرائيل مهما كانت جرائمها.
الخلاصة: الإرهابي الحقيقي
بعد هذا الاستعراض، تتضح الصورة بشكل لا يقبل الجدل: الإرهابي الحقيقي هو كيان الاحتلال الصهيوني وحليفته أميركا، وكل مَن يدعمهما ويغطي جرائمهما ويساهم في تبييض صورتهما هو شريك في هذه الجريمة.
إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية في غزة فحسب، بل تعاونت مع أميركا لشن حربين مدمرتين على إيران، قتلت فيهما آلاف المدنيين، ودمرت البنية التحتية، واغتالت قادة البلاد، في أكبر عملية إرهابية منظمة في التاريخ الحديث. في المقابل، لم تشن إيران أي حرب عدوانية، ولم تقصف المدنيين، ولم تفرض حصاراً على أي شعب. إيران تدافع عن سيادتها وحقوق شعبها، وتدعم حق الشعوب المظلومة في مقاومة الاحتلال. هذا هو الفرق بين من يدافع عن الحق ومَن يرتكب الجريمة.
لقد بدأت صورة إسرائيل تتكشف تدريجياً أمام العالم، بفضل شجاعة المقررين الأمميين والصحفيين المستقلين ومنظمات حقوق الإنسان؛ لكن الطريق لا يزال طويلاً لفضح هذه الجرائم بالكامل وفضح كل من يدعمها ويغطيها.
إنّ دعم إسرائيل ليس دفاعاً عن «الديمقراطية» أو «القيم الغربية»، بل هو تواطؤ في جريمة إبادة جماعية وإرهاب دولة منظم. والتاريخ لن يرحم المتواطئين.
