الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وثلاثة وثلاثون - ٢٠ أبريل ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وثلاثة وثلاثون - ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

من ساحة القتال إلى الرأي العام..

كيف خسر ترامب معركة الرواية؟

/ تُظهر أحدث استطلاعات الرأي والانعكاسات الإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا أن الحرب ضد إيران لم تنجح فقط في تثبيت الرواية التي أرادتها واشنطن في الرأي العام، بل تحوّلت أيضًا إلى عاملٍ فاقم انعدام الثقة إزاء المزاعم الأمريكية المتعلقة بالأمن والديمقراطية وشرعية التدخل العسكري.
وكتبت وكالة رويترز يوم السبت (19 نيسان/ أبريل)، في تقرير مفصّل، إن سبعة أسابيع من الحرب ضد إيران لم توصل واشنطن إلى جميع أهدافها المعلنة، بل كشفت، أكثر من أي شيء آخر، نقطة الضعف الأساسية لدى دونالد ترامب، وهي الضغط الاقتصادي الداخلي. ويضيف التقرير: إن ترامب قلل مرارًا، في تصريحاته العلنية، من شأن المخاوف الاقتصادية الناجمة عن الحرب، إلا أن الواقع هو أن الولايات المتحدة، حتى وإن لم تكن تعتمد مباشرة على ذلك الجزء من صادرات النفط العالمية الذي تعطل بفعل تطورات مضيق هرمز، فإن قفزة أسعار الطاقة فرضت ضغطًا ملموسًا على المستهلكين الأمريكيين. كما أشارت رويترز، مستندة إلى تحذير صندوق النقد الدولي من خطر الركود العالمي، إلى أن استمرار هذا الوضع جعل الأفق الاقتصادي للولايات المتحدة والعالم أكثر قتامة، ورفع الكلفة السياسية للحرب بالنسبة إلى البيت الأبيض.
الناخبون الأمريكيون يعارضون الحرب مع إيران
في الوقت نفسه، تُظهر البيانات الإحصائية لجامعة كوينيبياك، التي نُشرت في 15 أبريل، أن 53% من الناخبين الأمريكيين يعارضون العمل العسكري ضد إيران. وبحسب هذا الاستطلاع، فإن 65% يحمّلون ترامب مسؤولية الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة، كما اعتبر 64% أن تهديداته الحادة ضد إيران غير مقبولة.
ولا يقتصر هذا المسار على الأسابيع الأخيرة، إذ إن بيانات استطلاعات الرأي السابقة تُظهر أيضًا أن معارضة هذه الحرب تشكّلت منذ أسابيعها الأولى وتعززت تدريجيًا. فقد أفادت مؤسسة «يوغاف» المعتبرة لاستطلاعات الرأي في 26 مارس بأن ما يقارب نصف الأمريكيين عدّوا العمل العسكري ضد إيران قرارًا خاطئًا، ثم ارتفعت نسبة المعارضة في استطلاع 7 أبريل إلى 53%، في حين لم تتجاوز نسبة المؤيدين 34%. وفي الوقت نفسه، أعلن مركز «بيو» للأبحاث أن 59% من الأمريكيين يرون أساسًا أن استخدام القوة العسكرية ضد إيران أمر خاطئ، وأن 61% غير راضين عن طريقة إدارة الحكومة لهذه الأزمة.
وتكمن أهمية هذه البيانات في أنها لم تأتِ من مصدر واحد. فقد أُعد تقرير «بيو» استنادًا إلى استطلاع شمل 3 آلاف و507 بالغين أمريكيين خلال الفترة من 23 إلى 29 مارس. كما أجرى «كوينيبياك»، في استطلاع منفصل، دراسة شملت ألفًا و191 ناخبًا مسجلًا خلال الفترة من 19 إلى 23 مارس 2026. وفي بريطانيا أيضًا، توصلت «إيبسوس»، استنادًا إلى استطلاع شمل ألفًا و136 بالغًا خلال الفترة من 3 إلى 7 أبريل، إلى نتائج تتوافق في اتجاهها العام مع النتائج الأمريكية. إن تكرار نمط مشابه في عدة استطلاعات مستقلة يعزز الفرضية القائلة إن المسألة ليست مجرد تقلب عابر في الرأي العام، بل إننا أمام مسار استنزافي متواصل.
وما جعل هذه المعارضة أكثر رسوخًا ليس الحساسية السياسية فحسب، بل أيضًا الارتباط المباشر بين الحرب والحياة اليومية للمواطنين. فقد أفاد «بيو» في 7 أبريل بأن ارتفاع أسعار البنزين هو أكبر مصدر قلق لدى الأمريكيين من الحرب على إيران، وأن غالبية المستطلعين أعربوا كذلك عن قلقهم من إرسال قوات برية، وسقوط خسائر بشرية واسعة، واتساع رقعة الحرب. كما كتبت «إيبسوس» في استطلاعها الصادر في 13 أبريل أن 24% فقط من الأمريكيين يعتقدون أن قرار مهاجمة إيران كان «يستحق العناء» إذا ما أُخذت الكلفة والمنفعة في الاعتبار، في حين عارض 51% هذا الرأي. وتُظهر مجموعة البيانات نفسها أن 54% من الأمريكيين رأوا أن الحرب ألحقت ضررًا بوضعهم المالي الشخصي، فيما فضّل 66% أن تنسحب الولايات المتحدة من هذا الصراع في أسرع وقت، حتى لو لم تتحقق جميع أهدافها. وفي بريطانيا أيضًا، أظهر الرأي العام تباعدًا واضحًا عن الرواية الرسمية لواشنطن.
وتشير بيانات «يوغاف» إلى أنه منذ الأيام الأولى للحرب، فاق عدد المعارضين للهجمات عدد المؤيدين لها، واتسعت هذه الفجوة في الأسابيع التالية حتى بلغت نسبة المعارضين نحو 59%. وفي الوقت نفسه، أعلنت أغلبية ملحوظة من المشاركين أنهم لا يجدون الأسباب المقدمة لهذه الحرب مقنعة، ويشعرون بالقلق من آثارها على تكاليف المعيشة، ولا سيما أسعار الطاقة والوقود. كما أظهرت «إيبسوس» في استطلاعها أن 65% من البريطانيين يعارضون الهجمات الأمريكية على إيران، وأن 23% فقط يوافقون على استخدام قواعد هذا البلد لمثل هذه العمليات. ولم يقتصر هذا النهج النقدي على الولايات المتحدة وبريطانيا، بل ظهرت مؤشرات مشابهة في دول غربية أخرى أيضًا. فبحسب بيانات «إيبسوس»، رأى 72% من المستطلعين في إسبانيا أن العمليات العسكرية ضد إيران غير مبررة، وفي فرنسا أيضًا أعرب نحو ثلاثة أرباع المشاركين عن استيائهم من إجراءات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في هذه الأزمة. أما في كندا، فقد عارض 61% العمل العسكري الأمريكي، وأبدى 66% قلقهم من انجرار بلادهم إلى هذه الحرب.
تردد الحلفاء الأوروبيين
في دعم الحرب
وقد انعكس هذا المناخ في الرأي العام على مستوى الحكومات والنخب الأوروبية أيضًا. فمنذ البداية، أعلن المسؤولين الأوروبيون أنهم لن يشاركوا في هذه الحرب، وشددوا على ضرورة الحلول الدبلوماسية. وقد صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في 16 مارس 2026، بشكل واضح، بأن بلاده لن تشارك في هذه الحرب الأمريكية، لأن مثل هذا الإجراء لا يحظى بتفويض من الأمم المتحدة، ولا بغطاء من الاتحاد الأوروبي، ولا بقرار من حلف الناتو. وبعد أسابيع قليلة، قال وزير المالية الألماني -بنبرة انتقادية- إن برلين ليست منخرطة في هذه الحرب؛ لكنها تدفع ثمنها الاقتصادي. وبحسب التقارير، أقرت الحكومة الألمانية حزمة بقيمة مليار و600 مليون يورو لخفض تكاليف الوقود والحد من الضغوط الناجمة عن أزمة الطاقة.
وكتبت مؤسسة كارنيغي أن تردد الحلفاء الأوروبيين في دعم هذه الحرب أمر مفهوم، لأن واشنطن لم تتشاور معهم، ولم تقدم استراتيجية متماسكة، ولذلك فإن الدخول في حرب محل شك حتى في مشروعيتها يبدو مكلفًا بالنسبة إلى الحكومات الأوروبية. كما أكد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في تحليل له، أنه لا يوجد الكثير من الشك في عدم قانونية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، وأن تجاهل هذه الحقيقة يضعف أكثر فأكثر مبدأ حظر اللجوء إلى القوة.
وفي الداخل الأمريكي أيضًا، ترافق تآكل رواية الحرب مع تزايد انعدام الثقة بالكيان الصهيوني وقادته. فقد أفاد «بيو» في 7 أبريل بأن 60% من الأمريكيين باتوا ينظرون الآن إلى الكيان الصهيوني نظرة سلبية، وأن 55% لا يثقون بقرارات ترامب في ما يخص العلاقات الأمريكية مع الكيان الصهيوني.
ويُعدّ هذا التحول، بحسب بعض وسائل الإعلام الغربية، مؤشرًا على تغير تدريجي في أحد أهم التوافقات السياسية في واشنطن. فقد كتبت صحيفة «الغارديان»، في تقرير لها، أن حروب إسرائيل في المنطقة أحدثت تحولًا ملحوظًا في الرأي العام الأمريكي، ووضعت أحد أكثر أركان سياسة واشنطن ثباتًا، أي الدعم الحزبي المزدوج (الجمهوري والديمقراطي) للمساعدات العسكرية إلى تل أبيب، أمام تحدٍّ جدي. وأضافت الصحيفة، استنادًا إلى استطلاعات الرأي والمناخ السياسي في الولايات المتحدة، أن العلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل باتت الآن موضع تساؤل أكثر من أي وقت مضى، لا بين الرأي العام فحسب، بل أيضًا بين المرشحين المحتملين للانتخابات المقبلة وحتى داخل بعض الأوساط الداعمة لإسرائيل.
كما أشارت «الغارديان» إلى الزيادة غير المسبوقة في عدد أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الذين دعموا مشاريع تحدّ من بيع السلاح إلى إسرائيل، وكتبت: أن السلوك العسكري للكيان الصهيوني في غزة، وكذلك الغضب المتصاعد من دعم دونالد ترامب للحرب ضد إيران، كان لهما أثر في تغيير مواقف الشخصيات الوسطية.
ووفقًا لما كتبته الصحيفة، يرى بعض المراقبين حتى أن المرشحين الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية المقبلة سيضطرون، في المناخ السياسي الأمريكي الجديد، إلى إظهار مسافة أوضح من الدعم غير المشروط لإسرائيل. ويُظهر ذلك أن تآكل الدعم لهذا الكيان لم يعد مجرد حالة استياء اجتماعي، بل وصل أيضًا إلى مستوى الحسابات الانتخابية والاستراتيجية.
ويرى بعض المحللين الغربيين أن هذه التحولات تشكل مؤشرات على تآكل النظام الذي تقوده واشنطن وبداية تغيرات عميقة في موازين القوى العالمية. فقد كتبت باتريسيا لالوند، نائبة رئيس معهد «جيوبراغما» الفرنسي، في مقال لها، أن الحرب الأمريكية ضد إيران لم تؤدِّ فقط إلى ترسيخ موقع واشنطن، بل كشفت أيضًا عن بوادر ابتعاد بعض الدول الأوروبية عن الإملاءات الأمريكية وإملاءات الكيان الصهيوني. وذكرت أن إخفاق أمريكا في تحقيق أهدافها من الحرب ضد إيران قد يسرّع من وتائر مثل تنامي النزعة الاستقلالية في أوروبا، وتآكل الهيمنة السياسية الأمريكية، وتعزيز فكرة العالم متعدد الأقطاب.
ورغم أن بعض هذه التقييمات يحمل طابعًا تحليليًا واستشرافيًا، فإن طرح مثل هذه الآراء في الأوساط الفكرية الأوروبية يدل على أن الحرب ضد إيران، خلافًا للهدف المعلن من مصمميها، جعلت هذا السؤال أكثر إلحاحًا: هل لا تزال واشنطن والغرب قادرين على فرض رواية واحدة لا منازع لها على التطورات الدولية أم لا؟
تبعات الحرب ضدّ إيران
إنّ مجمل هذه الشواهد يظهر أن تبعات الحرب ضد إيران تجاوزت ساحة الاشتباك وتحولت إلى أزمة على مستوى صناعة الرواية الغربية.
وفي الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا، لم يعد موضع التساؤل يقتصر فقط على أصل العمل العسكري نفسه، بل شمل أيضًا قدرة واشنطن على تسويق هذه الحرب باعتبارها إجراءً ضروريًا ومشروعًا وقابلًا للدفاع عنه. فالحرب التي كان يُفترض تبريرها بادعاءات أمنية وسياسية، ارتبطت في الرأي العام الغربي، أكثر من أي شيء آخر، بغلاء المعيشة والشكوك وتراجع الثقة في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ويرى كثير من المراقبين والخبراء في أوروبا أن نطاق هذا الشرخ تجاوز مستوى المواجهة بين طهران وواشنطن، وامتد إلى داخل المعسكر الغربي نفسه.
ومن هذا المنظور، فإن الرواية الرسمية الأمريكية بشأن ضرورة الحرب ومشروعيتها لم تعد تواجه الشك وانعدام الثقة المتزايدين في الرأي العام داخل الولايات المتحدة فحسب، بل أيضًا بين المجتمعات والنخب السياسية لدى حلفائها الغربيين.
البحث
الأرشيف التاريخي