فارس الكلمة وحارس الأدب الفارسي

«أمين شعر الثورة».. حين كان قائد الأمّة شاعراً وناقداً ومرشداً

/ بين شخصيات إيران المعاصرة، يُعرف قائد الأمّة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض) بلقب «أمين شعر الثورة»؛ وهو لقب جذوره في نصف قرن من المرافقة المتواصلة مع الأدب الفارسي والدور الفريد لسماحته في توجيه وتطوير حركة الشعر في إيران.
وبعد استشهاد قائد الأمّة رثاه الكثير من الشعراء بأبيات ملحمية، منهم «أفشين علا»، رثاه بهذه الأبيات في قصيدة تحت عنوان في رثاء الأمين، جاء في قسم منها: أريد من الله أن يلحقني بك.. أن يوفقني لنيل هذا المقام.. ».
الشعر الفارسي
الأدب الفارسي، وخاصة الشعر، لعب منذ القدم دوراً محورياً في حفظ ونقل الهوية الوطنية والثقافية لإيران. ولعب الشعر الفارسي دوراً محورياً في حفظ الهوية الإيرانية، حاملاً الفكر والملحمة والعشق والتصوف والاعتراض. برز فيه فردوسي ونظامي ومولانا وسعدي وحافظ، فأثبتوا أنه ليس مجرد فن، بل حكمة وهوية ومقاومة ضد الزوال، ومرآة للإيرانيين.
قائد الأمّة؛ أمين شعر الثورة
بين شخصيات إيران المعاصرة، قلّما يمكن العثور على شخص تحدث عن الشعر والأدب الفارسي بقدر قائد الأمّة. إن لقب «أمين شعر الثورة» الذي يلمع على هامّة اسمه، جذوره في نصف قرن من الحضور المستمر، والنظرة الناقدة، والحب الصادق للكلمة والمعنى.
جلسات الشعر السنوية
واحدة من أبرز التقاليد الثقافية في فترة قيادة سماحته، كانت عقد جلسات شعر منتظمة. في آخر لقاء شعري له، الذي عُقد في مارس 2025، قرأ أكثر من 36 شاعراً أشعارهم في مواضيع دينية واجتماعية وسياسية. كانت هذه الجلسات، التي كانت تُعقد عادة في شهر رمضان أو الأعياد الدينية، فرصة للحوار وجهاً لوجه بين قائد الأمّة والشعراء الشباب والمخضرمين.
اللافت أن سماحته كان يحضر هذه الجلسات ليس كمستمع شكلي، بل كناقد أدبي متمرس.
لقد روى الشعراء مراراً أنه كان يستمع بعناية إلى الأبيات، وبعد انتهاء الجلسة، كان يعبّر عن آرائه الدقيقة حول الوزن والقافية والمضمون ولغة القصائد.
وأكد الإمام الشهيد في هذه اللقاءات مراراً على تفرّد فن الشعر. قال في إحدى خطاباته أمام مجموعة من الشعراء: «الشعر وسيلة وفن فريد من نوعه لم تستطع الوسائل الأخرى أن تحل محله» .
وصايا خالدة للشعراء
من النقاط المتفائلة التي أكد عليها قائد الأمّة مراراً، هي قدرة العصر الحالي على ظهور شعراء كبار. قال في لقائه الأخير مع الشعراء: «عصرنا يمكن أن يكون عصر ظهور سعدي وحافظ ونظامي جدد، لأنه على عكس عصر الطاغوت الذي لم يكن فيه الشعراء الكبار يحظون بالاحترام والاهتمام، فإن الاحترام الاجتماعي والاهتمام بالشعراء اليوم على مستوى عالٍ» .
كان الإمام الشهيد يوصي الشعراء بثلاث: تجنب الابتذال في الشعر العاطفي والحفاظ على العفة، والالتزام بالتقوى والمعرفة لأن نقاء القلب ينعكس على الشعر، والاستفادة من كنوز الأدب الفارسي القديم والاستلهام من أعمال كبار الشعراء الإيرانيين. 
وكان سماحته يرى أن من وظائف الشعر إحياء ذكرى الأبطال الوطنيين والدينيين، مثل الفريق الشهيد سليماني والشهيد رئيسي والشهيد نصر الله والشهيد السنوار، ليبقى دور التاريخ الشفوي والذاكرة الجماعية حيّاً. 
شعر الثورة؛ إنجاز فريد
كان الإمام الشهيد يعتبر أسلوب الشعر الفارسي الحالي لغة غير مسبوقة ونتاج الثورة، وكان يؤكد أن هذا الامتياز الفني هو أرضية أخرى لظهور شعراء كبار وقمم شعرية في عصرنا، ورآه قفزة نوعية لا انحرافاً عن التقليد.
جمع بين الالتزام الكلاسيكي ومعالجة قضايا اليوم، فكان فناً ملتزماً في آن، لأن الفن والالتزام لم ينفصلا عنده.
تأثير عابر للحدود
تجاوز اهتمام القائد الشهيد بالشعر حدود إيران، حيث أُقيمت أمسية شعرية في  العاصمة الأفغانية كابل تكريماً له. أظهر ذلك أن نظرة القائد للشعر كانت حضارية، جاعلةً من الشعر الفارسي لغة للتقارب الثقافي بين إيران وأفغانستان وطاجيكستان.
بعد استشهاد «أمين شعر الثورة»، تبقى ذكراه نابضة في كل قصيدة. كان سماحته ناقداً محباً، يدفع الشعراء للتجدد بابتسامته وكلماته. لن تعود جلسات الشعر كما كانت، لكن إرثه النظري والتربوي سيظل منارة لأجيال قادمة. روحه طيبة، وطريقه معمور بالمريدين.
البحث
الأرشيف التاريخي