الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف واثنان وثلاثون - ١٩ أبريل ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف واثنان وثلاثون - ١٩ أبريل ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

وهم تديين الحرب الأمريكية ضدّ إيران

محمد حسين مختاري
سفير إيران في الفاتيكان 

إنّ تديين الحرب من المنظور الأخلاقي والإنساني، يحمل تداعيات عميقة. فهذا النهج قد يؤدي إلى تطبيع العنف والعدوان، وتعميق الانقسامات الدينية، وإضعاف المعايير الأخلاقية العالمية. فعندما تُشنّ الحرب باسم الله، لا يتم تجاهل ضحاياها -الذين هم غالباً من المدنيين والأطفال- فحسب، بل يتعرض مفهوم الدين ذاته للضرر أيضاً.
في خطاب بعض السياسيين الأمريكيين، خاصة على المستويات العليا لصنع القرار، يُلاحظ اتجاه واضح نحو استخدام اللغة والمفاهيم الدينية لتبرير الأعمال العسكرية العدوانية. هذا الخطاب، من خلال توظيف مفاهيم مثل «المهمة الأخلاقية» و«الدفاع عن القيم الإلهية» و«مكافحة الشرّ»، يسعى إلى رفع الحرب من مستوى الفعل السياسي إلى مستوى مقدّس. وضمن هذا الإطار، لا تُعرض الحرب كخيار قابل للنقد، بل كضرورة أخلاقية بل وإلهية؛ وهو ما يحدّ ضمنياً من إمكانية تقييمها نقدياً.
وبحسب تقارير منشورة في الأوساط السياسية القريبة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، طُرحت بعض التصريحات بطريقة تُصوّر الحرب ضد إيران في إطار صراع بين الخير والشر أو بين النظام المنشود والقوى المهدِّدة له (2026، Reuters). كما تشير تحليلات إعلامية إلى أن هذا التصور يرتبط لدى بعض التيارات المسيحية الإنجيلية بتفسيرات خاصة للنصوص المقدسة، بل وحتى بسيناريوهات أخروية (2026، The Guardian). هذا النوع من التمثيل يُعدّ، من منظور الفلسفة السياسية، شكلاً من أشكال تقديس السياسة، حيث يختلط الحدّ الفاصل بين الإرادة الإلهية والإرادة البشرية.
في المقابل، تكتسب مواقف البابا ليون الرابع عشر، أهمية خاصة، إذ يتحدث بصفته أعلى مرجعية في الكنيسة الكاثوليكية، ليس فقط من منظور ديني، بل من زاوية أخلاقية عالمية. فقد صرّح في عظته بمناسبة «أحد الشعانين» (Palm Sunday) قائلاً: «إنّ الله لا يقبل صلوات الذين يشعلون الحروب؛ فأيديهم ملطخة بالدماء» (2026، Reuters). هذا التصريح ينفي بوضوح أي ارتباط بين الدعاء -بوصفه فعلاً دينياً- والحرب -بوصفها ممارسة عنيفة-.
كما شدد على أن الله هو إله السلام لا إله الحرب، محذراً من أن استخدام اسم الله لتبرير العنف يُعدّ تحريفاً للدين (2026، The Washington Post). هذا الموقف يمثل عودة إلى جوهر التعاليم المسيحية التي تجعل السلام مبدأ أساسياً لا خياراً ثانوياً. وفي هذا السياق، يؤكد البابا أن الدعاء الحقيقي لا يمكن أن يكون في خدمة العنف، لأن جوهره يقوم على المصالحة والغفران وإعادة بناء العلاقات الإنسانية.
هذا الطرح يستند إلى تقليد لاهوتي عميق. ففي الأناجيل، لا يرفض السيد المسيح(ع) العنف فحسب، بل يؤكد أيضاً على المحبة والغفران حتى تجاه الأعداء. ويُظهر الأمر بـ«محبة الأعداء» (إنجيل متى 5:44) أن المسيحية تتحدى العنف ليس فقط في السلوك، بل في النوايا والمواقف أيضاً. وعليه، فإن أي محاولة لإضفاء الشرعية على الحرب -خصوصاً العدوانية منها- تتعارض مع البنية الداخلية لهذه التعاليم.
ومن الناحية النظرية، يمكن تحليل هذا التناقض ضمن إطار نقد «اللاهوت السياسي». فعندما تتحدث السياسة بلغة الدين، يبرز خطر تحويل الدين إلى أداة لتكريس السلطة. في مثل هذا الوضع، تُفرَّغ المفاهيم الدينية من معانيها الأصيلة وتُسخَّر لخدمة أهداف سياسية. تصريحات البابا تقف تحديداً في مواجهة هذا المسار، إذ يسعى من خلال الفصل الواضح بين الإيمان والعنف إلى حماية الدين من هذا التوظيف الأداتي.
أمّا النقد المنطقي لهذا الخطاب، فيمكن صياغته على عدة مستويات: أولاً إن نسبة الحرب إلى الإرادة الإلهية تفتقر، معرفياً، إلى أي معيار موضوعي، وتشبه ادعاءً غير قابل للاختبار. ثانياً يتعارض هذا الادعاء مع النصوص والتقاليد المسيحية التي لا تقرّ العنف كوسيلة لتحقيق أهداف دينية. ثالثاً يضعف هذا النهج المسؤولية الأخلاقية، إذ إن إسناد الأفعال البشرية إلى الله يقلل من إمكانية المساءلة.
حتى ضمن إطار نظرية «الحرب العادلة» في اللاهوت المسيحي -كما صاغها مفكرون مثل أوغسطينوس وتوما الأكويني- فإن الحرب لا تُقبل إلا بشروط صارمة ومحدودة، مثل الدفاع المشروع، والضرورة القصوى، والتناسب في استخدام القوة. وبحسب تقييم بعض المسؤولين الكنسيين، فإن الحرب ضد إيران لا تستوفي هذه المعايير (2026، The Guardian). وبالتالي، حتى في إطار يسمح بالحرب بشروط، فإن هذه الحرب غير قابلة للتبرير. ومن المنظور الأخلاقي والإنساني، فإن تديين الحرب يؤدي إلى نتائج خطيرة، منها تطبيع العنف، وتعميق الانقسامات الدينية، وإضعاف المعايير الأخلاقية العالمية. وعندما تُشن الحرب باسم الله، فإن الضحايا -خصوصاً المدنيين والأطفال- يُهمَّشون، ويتعرض الدين نفسه للتشويه.
في الختام، يمكن القول إن موقف البابا لا يمثل مجرد ردّ فعل على ظرف سياسي معين، بل هو دفاع مبدئي عن العلاقة الصحيحة بين الدين والأخلاق. هذا الموقف، بتأكيده على السلام والكرامة الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية، يبيّن أن الدين -إذا فُهم بشكل صحيح- ليس أداة لتبرير الحرب، بل قوة للحدّ منها.
وخلاصة القول إن القضية الأساسية لا تكمن فقط في اختلاف سياسي، بل في اختلاف جوهري في فهم حقيقة الدين. فالدين الذي يُفهم على نحو سليم لا يبرر الحروب العدوانية ولا قتل الأبرياء، بل يقف في مواجهتها ويدعو إلى السلام والعدالة وصون الحياة. وفي هذا السياق، فإن الدفاع عن السلام ليس خروجاً عن الدين، بل عودة إلى جوهره الحقيقي.

البحث
الأرشيف التاريخي