تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
ذكراها تطارد جيش الاحتلال من جديد
المسافة صفر في بنت جبيل.. معركة الاستنزاف وكسر التقدم
هذا ولم تعُد الخسائر الصهيونية في جنوب لبنان تُقرأ في تل أبيب بوصفها مجرد أرقام عسكرية عابرة، بل تُستحضر ضمن ذاكرة ثقيلة تختصرها مدينة واحدة هي بنت جبيل، فمع عودة الجيش الصهيوني إلى محيط البلدة في أبريل/نيسان 2026، عاد معها شبح 2006، وعادت المقارنات بين الكلفة الحالية ومعارك سابقة تحولت في الوعي الصهيوني إلى رمز للفشل الميداني وكسر صورة الحسم.
بنت جبيل.. البُعد الرمزي قبل العسكري
رغم أن مدينة بنت جبيل لا تتمتع بميزات جغرافية استثنائية أو مرتفعات استراتيجية، إلاّ أنها اكتسبت مكانة خاصة في الوعي الصهيوني. فهي المدينة التي ارتبطت بخطاب «بيت العنكبوت»، الذي ألقاه سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله في المدينة في العام 2000بمناسبة التحرير، وأصبحت رمزاً لصورة كيان الاحتلال المهزوزة أمام المقاومة. لهذا السبب، ينظر إليها الجيش الصهيوني اليوم كـ«بوابة المقاومة»، ويعتبر السيطرة عليها إنجازاً يتجاوز الميدان العسكري ليصل إلى إعادة ترميم الهيبة المفقودة منذ 2006.
فبعد ما واجهه الجيش الصهيوني في بنت جبيل في العام 2006، يبدو أنه يسعى اليوم للعودة إلى المكان نفسه، ربما لالتقاط صورة من ملعبها، في محاولة للرد على خطاب مضى عليه 26 عاماً.
لكن، قد لا يكون الهدف الفعلي الوصول إلى الملعب بحد ذاته، إذ يُدرك الاحتلال أن المقاومة توقعت ذلك وأعدّت له. بل الأهم هو إعلان السيطرة على بنت جبيل، المدينة التي اعتُبرت دائماً بوابة المقاومة والتحرير، وتحويل هذا الإعلان إلى إنجاز رمزي يعوّض إخفاقات ما سبق.
الخسائر الصهيونية..استنزاف يُعيد إنتاج الماضي
تشير التقارير الصهيونية إلى أن عملية «زئير الأسد» أسفرت حتى منتصف أبريل/نيسان 2026 عن مقتل 13 جندياً، بينهم عناصر من وحدات النخبة مثل سرية الاستطلاع في لواء نحال. هذه الخسائر، وإن كانت أقل عدداً من حرب 2006، إلاّ أنها تحمل دلالات سياسية ومعنوية عميقة. فالمشهد يُعيد إنتاج نمط الاستنزاف القديم: كمائن، صواريخ مضادة للدروع، اشتباكات قريبة، وحوادث عملياتية، مما يُذكر الصهاينة بأن الجنوب اللبناني لم يفقد قدرته على فرض الكلفة الثقيلة.
المقاومة.. إدارة معركة استنزاف مفتوحة
المقاومة الإسلامية لا تخوض المعركة كحالة دفاعية تقليدية، بل كمنظومة قتال متكاملة. فهي تعتمد على تكتيكات «الكر والفر»، الكمائن، العبوات الناسفة، والاشتباكات المباشرة داخل الأزقة والمنازل. هذا النمط القتالي حوّل التقدم الصهيوني إلى عبء استنزافي ثقيل، وأجبر الجيش على الاعتماد على الطائرات المسيّرة والاستطلاع بالنار بدلاً من الزج بالمشاة. كما وسّعت المقاومة دائرة الاشتباك عبر عمليات تعرضية دقيقة وصواريخ ومسيّرات استهدفت العمق الصهيوني، مما أبقى الجبهة الشمالية تحت ضغطٍ دائم.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن جيش الاحتلال، رغم دفعه بخمسة ألوية وآلاف الجنود ومحاولته فرض حصار متعدد المحاور على بنت جبيل، لم يتمكن من تحقيق اختراق حاسم. بل على العكس، وجد نفسه أمام مقاومة شرسة تخوض القتال من مسافة صفر، في اشتباكات مباشرةً داخل الأزقة والمنازل، حيث تتلاشى أفضلية التكنولوجيا لصالح الإرادة والخبرة القتالية. وقد أقرت وسائل إعلام صهيونية بأن المعارك تدور أحياناً على مسافات لا تتجاوز عشرين متراً، في مشهد يعكس حجم التورط الميداني وتعقيداته. ولم تكتفِ المقاومة بتحصين الداخل، بل وسّعت دائرة الاشتباك عبر عمليات تعرضية دقيقة استهدفت نقاط الحشد والتجمعات العسكرية، ما حرم الجيش الصهيوني من بناء زخم هجومي متواصل. كما ترافقت هذه العمليات مع إسناد ناري كثيف بالصواريخ والمسيّرات، التي استهدفت العمق التكتيكي للعدو، وأبقت الجبهة الشمالية تحت ضغطٍ دائم، في اعتراف صهيوني واضح بفشل العمليات البرية في وقف النيران أو تأمين عودة المستوطنين.
وهكذا وجد العدو نفسه في مواجهة إدارة محكمة للمعركة من جانب المقاومة، التي اعتمدت تكتيك «الجيب القاتل». فقد سمحت للقوات المعادية، على مدى الأيام الماضية، بالتقدم نحو أطراف بنت جبيل وتطويقها، لكنها تخلّت عن الدفاع الخطي التقليدي، لتتغلغل في الأزقة وتخوض اشتباكات تلاحمية وجهاً لوجه. هذا الأسلوب ألغى فعالية التفوق الجوي الصهيوني، وجعل الدروع تحت رحمة المحلقات الانقضاضية (FPV) وقذائف التاندوم والـB29 والكورنيت. ومع اجتياز قوات جفعاتي أول 200 متر داخل نطاق الدفاع الذي أعدته المقاومة شمال شرقي البلدة، تكبّدت خسائر فادحة، ولم تتمكن من اختراق السوق أو الاقتراب من الملعب. أمّا لواء المظليين، فقد فشل في تأمين المدخل الشمالي للمدينة، إذ لم يتجاوز تقدمه سوى عشرات الأمتار باتجاه منطقة العويني. وفي المقابل، تلقى اللواء 401 المدرع ضربات موجعة، حيث استُهدفت كتيبتاه الـ9 والـ52. وحتى مساء الثلاثاء، بلغ عدد قتلى وجرحى العدو 158، في ما يُعد فضيحة عملياتية كبرى لجيشه. وبذلك، تواصل المقاومة تعطيل التقدم البري ومنع تثبيته، مع استهداف منظومات الإسناد الناري والقيادي، والضغط على العمق الاستيطاني والبُنية التحتية، في تحدٍ مباشر للتفوق الجوي والاستطلاعي المعادي.
فشل استراتيجي لجيش العدو
على مستوى أوسع، تكشف المعركة عن أزمة استراتيجية لدى الجيش الصهيوني، تتجلى في فشله في تحقيق أهدافه الأساسية. فرغم دفع الجيش الصهيوني بخمسة ألوية وآلاف الجنود، لم يتمكن من تحقيق اختراق حاسم أو عزل بنت جبيل عن محيطها. فالتوغل لم يتجاوز ثمانية كيلومترات، وفشلت محاولات الربط بين القطاعين الغربي والشرقي. هذا الفشل أسقط فكرة إعادة إنتاج «الحزام الأمني»، وأبقى الجبهة مفتوحة على احتمالات الاستنزاف الطويل. في المقابل، اعتمد الاحتلال سياسة الأرض المحروقة، لكن القصف المكثف لم ينجح في شل قدرات المقاومة أو كسر بيئتها الحاضنة.
بنت جبيل.. استنزاف طويل الأمد
وهكذا تتجه معركة بنت جبيل نحو ترسيخ نمط استنزاف طويل الأمد، حيث يفشل العدو في فرض شروطه رغم تفوقه الناري، فيما تنجح المقاومة في تحويل كل تقدم إلى كلفة، وكل محاولة اختراق إلى فخ. ومع مرور الوقت، تتراجع فرص الحسم الصهيوني، وتتعزز معادلة ميدانية جديدة قوامها: الصمود قوة، والاستنزاف سلاح، والزمن حليف من يعرف كيف يدير المعركة.
