تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
انفجار في محراب الكلمة
مسجد أبوذر في طهران.. منبر الثورة الإسلامية وذاكرة المقاومة الشعبية
موقع مسجد أبوذر ودوره
في مسيرات الثورة
يقع مسجد أبوذر الجامع في شارع أبوذر، المعروف سابقًا باسم شارع فلاح، وهو منطقة سكن عدد من الشهداء وجرحى الحرب المفروضة (الدفاع المقدس). وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن المنطقة 17، التي تضم 4200 شهيد، تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الشهداء بين الأحياء الحضرية في البلاد.
ويُعدّ نصب تذكاري لانفجار القنبلة الذي نفّذته زمرة خلق الإرهابية بهدف اغتيال قائد الأمّة آيةالله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، أحد أبرز محطات التاريخ المشرّف لهذا المسجد؛ حيث إن كل صفحة من تاريخه مضرّجة بدماء الشهداء، ومليئة بأيام أخرى من المجد. وهي أيام صنع فيها المتدينون في هذا الحي، من خلال المساجد، ملاحم خالدة، كان أبطالها من الشهداء والجرحى، ومنهم قائد الأمّة آيةالله العظمى الإمام الخامنئي(رض).
بعد انتصار الثورة الإسلامية، برزت الحاجة إلى تشكيل كيان ينظّم إدارة البلاد ويُنسّق مختلف القطاعات، فتم تأسيس حزب الجمهورية الإسلامية الإيرانية على يد شخصيات بارزة، من بينهم الشهيد المظلوم آيةالله بهشتي. ومن خلال هذا الحزب وأعضائه، جرى تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وسائر شؤون البلاد.
وبحسب ما يرويه حجةالإسلام مطلبي، إمام جماعة مسجد أبوذر الجامع، كانت تُعقد اجتماعات أسبوعية للحزب يحضرها العلماء. ويضيف: «أتذكر أنه في إحدى الليالي، كان قائد الأمّة يتحدث إلى العلماء ورجال الدين، وكان عددهم يقارب 500 - 600 رجل دين. وقد وجّه إليهم نصائح، وقال: إن المشكلة الأساسية في مساجدنا هي أننا لا نقدّم للناس مراجعة وتدبّرًا في القرآن».
محاولة اغتيال
في قلب المسجد عام 1981
كان الإمام الشهيد قد عاد من جبهات القتال والتقى بالإمام الخميني(رض). وبعد هذا اللقاء توجّه، وفق برنامجه المعتاد أيام السبت، إلى أحد مساجد جنوب طهران لإلقاء كلمة.
وكانت السيارة التي تقل قائد الأمّة، والتي انطلقت من جماران، تحمل في ذلك اليوم ضيفًا مميزًا، وهو الطيار عباس بابائي، الذي أراد أن يبوح بمشكلاته لممثل الإمام في المجلس الأعلى للدفاع. وقد وصلا إلى مسجد أبوذر قبل أذان الظهر بنصف ساعة، وواصلا حديثهما هناك.
إنتهت صلاة الظهر، فتوجّه سماحته إلى المنبر، فيما ظلّ المصلّون جالسين بانتظام في صفوف الصلاة. وكانوا يسلّمون الأسئلة المكتوبة إلى المتحدث، رغم أن بعض هذه الأسئلة كان حادًا وأحيانًا غير ذي صلة.
بدأ الإمام الشهيد خطابه بمقدمة تمهيدية حتى قال: «اليوم انتشرت شائعات كثيرة بين الناس، وأريد أن أردّ على جزء منها».
تداول الناس بينهم جهاز تسجيل صوتي حتى وصل إلى شاب متوسط الطول، ذي شعر مجعّد ووجهٍ بلحية خفيفة؛ وكان هذا المظهر شائعًا بين كثير من الشباب في تلك الأيام.
تقدّم الشاب نحو المنبر، ووضع جهاز التسجيل عليه، تمامًا مقابل قلب الخطيب، ثم وضع يده على زر التشغيل. أصدر الجهاز صوت طقطقة ولم يعمل، كما لو كان الشريط قد انتهى، ثم انصرف.
لم تمضِ دقيقة حتى بدأ مكبّر الصوت يصدر صفيرًا. واصل الشهيد قائد الأمّة حديثه قائلًا: «يا سيدي، اضبط هذا المكبّر». ثم انزاح قليلًا نحو اليسار وتراجع إلى الخلف خلف المنبر قليلًا، واستمر في حديثه: «في زمن أمير المؤمنين(ع)، كانت المرأة في جميع المجتمعات البشرية -وليس فقط بين العرب- مظلومة. لم يكونوا يتركونها تدرس، ولا يدعونها تدخل المجتمع وتتعمّق في القضايا السياسية، ولم يكن ممكنًا لها المشاركة في الميادين... وقد وقع الانفجار»!
بقي إمام الجماعة حائرًا في وسط المسجد. وقع بصره على جهاز تسجيل قد انقسم إلى قطعتين ككتاب مفتوح. وعلى الجدار الداخلي للجهاز المكسور كُتب بقلم تحديد أحمر: «هدية مجموعة فرقان للجمهورية الإسلامية».
في خارج المسجد، وبين أحضان الحرّاس، أفاق سماحته للحظات، فرفع رأسه؛ لكنه سرعان ما هوى مجددًا. كان الحراس يقودون السيارة وبسرعة لا تُتصوّر.
كان الأطباء يقولون سماحته وصل عدة مرات إلى حافة الاستشهاد ثم عاد؛ مرة بسبب انفجار القنبلة، ومرة بسبب نزيف حاد جدًا وغير قابل للسيطرة، ومرة بسبب تراكم السوائل في الرئة وحدوث حالة اختناق.
وقد تجاوز كل ذلك؛ لكنه كان يعاني من حمى ورعشة شديدة. كانوا يضعون عدة أغطية عليه، وأحيانًا كان الأطباء يحتضنونه لتخفيف الرعشة. ولم يكن مصدر هذه الحمى معروفًا، كما لاحظوا آفة صغيرة في الرئة.
كان الإمام الخميني(رض) يرسل الرسائل باستمرار ويسأل المقرّبين: «كيف حال سيد علي؟». وانتشرت رسالته عند الساعة الثانية بعد الظهر. وضع الدكتور ميلاني نيا جهاز الراديو بجانب أذن سماحته، وكان في تلك اللحظة واعيًا؛ فكأن روحًا جديدة قد نُفخت فيه، واستعاد حيويته.
تحسّنت حالته؛ لكنه لم يكن لا يزال على علم بقضية الإثنين والسبعين شهيدًا (حادثة التفجير). جاء فريق من التلفزيون لإعداد تقرير، وانتظروا نحو ساعة حتى أفاق سماحته. سألوه: كيف حالكم؟ فقال: «أنا، بحمد الله، بخير جدًا».
