تم الحفظ في الذاكرة المؤقتة...
لمواجهة «طلاق الأطلسي»
سحب القوات الأمريكية من أوروبا.. بين تهديد ترامب وأوراق قوة القارة العجوز
جذور الأزمة التاريخية.. من الحماية الأمريكية إلى الضغط السياسي
بعد الحرب العالمية الثانية، اعتمدت أوروبا على المظلة الأمريكية لمواجهة التهديد السوفياتي. تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 ليكون أداة لتجسيد هذا التحالف العسكري. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، استمر الوجود الأمريكي كضمانة للأمن الأوروبي، لكن مع تراجع التهديد المباشر، بدأت واشنطن تعيد النظر في جدوى هذا الانتشار.
وصول ترامب إلى البيت الأبيض مثّل نقطة تحول، إذ رفع شعار «أمريكا أولاً»، وأعاد صياغة السياسة الخارجية وفق منطق الربح والخسارة، لا وفق الالتزامات التاريخية.
البُنية العسكرية الأمريكية في أوروبا
تستضيف القارة الأوروبية ما يزيد على 275 موقعاً عسكرياً أمريكياً تُشكل العمود الفقري للانتشار العسكري لواشنطن خارج حدودها، وتتوزع هذه المواقع على 15 دولة أوروبية، وتتنوع مهامها بين قواعد جوية وبحرية وبرية ومراكز استخبارية متقدمة، وتكشف المعطيات العسكرية أن هذه القواعد تخدم المصالح الأمريكية في أفريقيا وآسيا بقدر ما تحمي العمق الأوروبي.
وأبرز القلاع الأطلسية هي قاعدة رامشتاين (ألمانيا) والتي تُعد القلب النابض للعمليات الجوية، والمركز الرئيسي لنقل الجرحى وإدارة العمليات اللوجستية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وروتا (إسبانيا) وهي قاعدة بحرية حيوية تستضيف مدمرات الدفاع الصاروخي، وتُعد ضرورية لحماية السواحل الأمريكية ذاتها من التهديدات العابرة للقارات. وتوصف قاعدة سيغونيلا (إيطاليا) بأنها «عين المتوسط»، وتُعد المنصة الأولى لطائرات الاستطلاع والمسيرات التي تراقب شمال أفريقيا والساحل. أمّا لاكنهيث (بريطانيا) فتعتبر المربض الأساسي للمقاتلات من طراز«إف -35 إيه» ذات القدرات النووية، وهي ركيزة الردع الإستراتيجي في الجناح الغربي للحلف.
هذه البُنية التحتية تجعل من أوروبا موقعاً لا غنى عنه في الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية، وهو ما يفسر تردد المؤسسة العسكرية في واشنطن تجاه أي قرار جذري بالانسحاب.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه القواعد الأمريكية في أوروبا تضم منظومات سرية للغاية تهدف لرصد التحركات الروسية (والصينية) تحت الماء، وأن غياب هذا التعاون الاستخباري سيُضعف قدرة أوروبا على كشف الخطط الروسية مبكراً.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
الوجود العسكري الأمريكي لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد المحلي في المناطق المستضيفة. المجتمعات المحلية تعتمد على القواعد العسكرية كمصدر للوظائف والإنفاق الاستهلاكي لعائلات الجنود. أي انسحاب سيعني هزة اقتصادية لهذه المناطق، وهو ما يجعل القضية أكثر تعقيداً. في المقابل، بدأت أوروبا منذ سنوات في رفع ميزانياتها الدفاعية تحسباً لهذه اللحظة، لكن الطريق نحو الاستقلالية الكاملة لا يزال طويلاً.
أوراق أوروبا في مواجهة تهديد «طلاق الأطلسي»
أوروبا تدرك أن الاعتماد المفرط على واشنطن لم يعُد خياراً آمناً. لذلك بدأت دول الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، في رفع ميزانيات الدفاع وتحديث قواتها المسلحة. كما يجري الاستثمار في الدفاع الجوي والاستخبارات والنقل العسكري، بهدف بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالية.
كذلك فكرة إنشاء قوة دفاع أوروبية لم تعُد مجرد حلم سياسي، بل تحولت إلى مشروع عملي. الاتحاد الأوروبي يعمل على تعزيز التعاون العسكري بين الدول الأعضاء، عبر مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
كما أن أوروبا بدأت تنظر إلى خارج الناتو بحثاً عن شركاء جدد. التعاون مع اليابان والهند وأستراليا، وتعزيز العلاقات الدفاعية مع كندا وبريطانيا بعد البريكست، كلها أوراق يمكن أن تُقلل من الاعتماد على واشنطن. كذلك تُمثل القارة الأوروبية أكبر سوق للولايات المتحدة، وهو ما يمنحها ورقة ضغط اقتصادية. كما يُشكل التهديد بإعادة النظر في الاتفاقات التجارية أو استخدام المؤسسات الدولية كمنصة للتأثير على القرار الأمريكي، كلها أدوات يمكن أن تستخدمها أوروبا لمواجهة الضغوط.
مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)
الناتو يواجه اليوم أخطر اختبار منذ تأسيسه. فانسحاب أمريكي جزئي أو كامل سيضع الحلف أمام فراغ استراتيجي يصعب ملؤه. ومع ذلك، بدأ الحلف منذ سنوات في إعادة تقييم إستراتيجيته الدفاعية، عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز القدرات الذاتية. لكن السؤال يبقى: هل تستطيع أوروبا فعلاً أن تحل محل الولايات المتحدة في قيادة الحلف؟
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول هو انسحاب جزئي يقوم على تقليص عدد القوات مع الإبقاء على القواعد الرئيسية، وهو السيناريو الأكثر واقعية، أمّا السيناريو الثاني فهو انسحاب كامل وهي خطوة جذرية لكنها صعبة التنفيذ بسبب القيود اللوجستية والاقتصادية، والسيناريو الأخير استمرار الوضع الراهن مع ضغوط سياسية، فاستخدام التهديد كورقة ضغط دون تنفيذ كامل، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً.
انعكاسات بعيدة المدى
التهديد الأمريكي يفرض على أوروبا أن تستعد لعالم جديد لا يمكن التنبؤ بمساراته. فالعلاقة عبر الأطلسي التي قامت على الحماية العسكرية المجانية والأسواق المفتوحة لم تعُد مضمونة. كذلك أوروبا مضطرة إلى إعادة تعريف دورها في النظام الدولي، سواء عبر تعزيز استقلاليتها الدفاعية أو عبر بناء تحالفات جديدة. هذا التحول قد يقود إلى ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد. ختاماً التهديد الأمريكي بسحب القوات من أوروبا ليس مجرد مناورة سياسية، بل يعكس تحولات عميقة في النظام الدولي. أوروبا تجد نفسها أمام لحظة الحقيقة: إما أن تواصل الاعتماد على المظلة الأمريكية مع كل ما يترتب على ذلك من ضغوط، أو أن تبدأ فعلياً في بناء استقلاليتها الدفاعية. أوراق أوروبا متعددة، لكنها تتطلب إرادة سياسية موحدة واستثمارات ضخمة. في النهاية، قد يكون «طلاق الأطلسي» مجرد تهديد، لكنه يفرض على أوروبا أن تستعد لعالم جديد لا يمكن التنبؤ بمساراته، حيث لم يعُد الأمن الغربي مضموناً كما كان في العقود الماضية.
