الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد ثمانية آلاف وستة وعشرون - ١١ أبريل ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد ثمانية آلاف وستة وعشرون - ١١ أبريل ٢٠٢٦ - الصفحة ۷

إرث القائد الشهيد

إحسان صالحي

قبل 40 يوماً، وبجريمة ارتكبها العدو الأمريكي-الصهيوني، فقدت إيران العظيمة وشعبها شخصية فريدة في تاريخها.
لقد كان القائد الشهيد الإمام علي الخامنئي(رض) شخصية متعددة الأبعاد والمهارات، والحديث عنه يليق بكبار القوم وأعلام إيران، ومن المؤكد أنه بعد انقشاع غبار الجريمة والحرب المفروضة الثالثة، ومع انتصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ستبلغ رواية القائد الشهيد ذروتها.
إنّ الحديث عن تلك الشخصية الفريدة يفوق قدرة أمثال هذا العبد قولاً وكتابة. نحمد الله حمداً لا ينتهي أن جعل حياتنا في زمن الطاهرين الشجعان الحكماء، أي الإمام الخميني الكبير والإمام الخامنئي الشهيد. ومن الجدير أن نقضي أعمارنا شكراً لهذه النعمة. وهذه الكلمات المختصرة ليست إلا قطرة من بحر الشكر، إذ إن ماء البحر -وإن لم يُستطَع أخذه كله- يُكتفى منه بقدر العطش.
إنّ الشخصيات العظيمة تُذكر بعد رحيلها بما خلّفته من إرث. وكان إرث القائد الشهيد لإيران هو: القوة، التقدم، العزة، العقلانية، والمعنوية.
لقد كان بحق أميناً على إرث الإمام الخميني(رض) والشهداء، وقاد الثورة عبر تقلباتها محافظاً على مبادئ العهد بين الإمام والأمّة؛ ووقف في وجه الانحرافات، حتى لو كلّفه ذلك حملات الإساءة والهجوم؛ لكنه لم يسمح للثورة أن تنحرف عن مسارها. وكما كان يؤكد مراراً، فإن أخطر ما يهدد الثورات هو الخروج عن أهدافها ومبادئها. وكان يضرب أمثلة بثورات كبرى معاصرة انحرفت خلال فترات قصيرة نسبياً عن قيمها الأولى، بل سقطت في أحضان القوى أو التوجهات التي قامت الثورة أصلاً لتغييرها.
لقد حافظ على الثورة وفياً للعهد الذي قطعه مع الإمام الخميني(رض) والشعب، وضحّى بروحه في سبيل هذا العهد. غير أن تمسكه بمبادئ الثورة ومنعه الارتداد نحو الاستعمار والاستبداد لم يكن يعني الجمود أو المحافظة السلبية، بل ظلّ حتى آخر لحظة ثورياً إصلاحياً. وعلى الرغم من بلوغه 86 عاماً، فقد بقي بروح متقدة يسعى باستمرار إلى معالجة نقاط الضعف وإصلاح الأمور.
لقد كانت فترة قيادته مرحلة تقدم وازدهار لإيران بعد الحرب التي استمرت ثماني سنوات. وتحولت إيران في عهده إلى دولة قوية ومتقدمة، وأثبتت للعالم أن الحكم الديني، مع الحفاظ على الاستقلال ورفض الخضوع للهيمنة، قادر على تحقيق التنمية وبناء دولة كبيرة رغم الضغوط الهائلة.
وخلال هذه الفترة، تمّ إنشاء آلاف المستشفيات والمراكز الصحية، والجامعات ومراكز البحث، والمصافي، ومجمعات البتروكيماويات، والصناعات المعدنية الكبرى كالصلب والنحاس والألمنيوم، ومئات محطات الطاقة، وعشرات السدود الضخمة، ومئات آلاف الوحدات الإنتاجية، وآلاف الجسور والطرق والسكك الحديدية، والموانئ والمطارات، وملايين الوحدات السكنية، ومئات آلاف المعدات الدفاعية الفعالة.
ولعل ما نشهده في الحرب الحالية يؤكد ذلك، حيث استهدف العدو هذه البنى التحتية، خلافاً لادعاءاته بأنه يعادي النظام لا الشعب، إذ دخل عملياً في حرب ضد تقدم إيران ورفاه شعبها.
قاد الشهيد نهضة علمية وفكرية جعلت إيران دولة محترمة ومتقدمة في نظر العالم. كما أسس استراتيجية دفاعية فريدة خلقت قوة أدهشت العالم حتى بعد استشهاده.
إنّ استراتيجية الردع والهجوم الصاروخي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي كان مهندسها الإمام الشهيد، أدت إلى شلّ قوة الولايات المتحدة وهزيمة الكيان الصهيوني، رغم امتلاكهما أسلحة دمار شامل نووية. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية أنه يمكن، مع الإلتزام بالمبادئ الإسلامية والإنسانية ورفض إنتاج السلاح النووي، تحقيق ردع فعّال.
لقد كان إيرانياً بامتياز، وإرثه لا يخص إيران فقط، بل يمتد إلى المسلمين وكل الأحرار في العالم، ويتمثل في الشجاعة، والعزة، والقدرة على الصمود، وجرأة قول «لا» في وجه الظلم. كما تميزت قراراته دائماً بالعقلانية، وكان من أبرز سماته مشاركته منطق هذه السياسات مع الشعب. وهذا ما شكّل أساس القوة الناعمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وصمود الشعب أمام الضغوط.
لقد أدى هذا النهج إلى تنشئة أجيال واعية تمتلك بصيرة عالية، وهو ما نراه اليوم في مستوى الوعي الشعبي. وهذا الوعي لم يكن عفوياً، بل نتيجة تراكم معرفي وثقافي استثمره القائد الشهيد لترسيخ الوعي في المجتمع. وقد تجلّت نتائج هذه البصيرة في شجاعة الإيرانيين خلال الحروب والإنقلابات في العام الأخير، وفي تعزيز الإرادة الوطنية وروح التضحية.
إنّ القوة التي يراها العالم اليوم في إيران، واستعداد الشعب للتضحية، هي ثمرة تلك التربية الجهادية. كما أن استشهاد القائد أحدث تحوّلاً عميقاً إضافياً في الأمّة.
لقد كان إمام «الوعود الصادقة»، إذ أكد مراراً أن النصر الإلهي حتمي مع الصمود، وأن كلفة المقاومة أقل من كلفة الاستسلام، وأن الولايات المتحدة كقوة شيطانية غير جديرة بالثقة. واليوم، تحولت إيران إلى ساحة إثبات لصدق هذه الرؤى. وحتى هذه المرحلة من الدفاع المنتصر، تجلت صحة تلك الوعود بوضوح. ولا شك أن استمرار النصر مرهون بالثبات على العهد.
إنّ إيران العريقة ستخرج من هذا الاختبار مرفوعة الرأس، وسيظل دم القائد الشهيد(رض) باعثاً للحياة في الأمّة. فلا قوة يمكنها إسقاط شعب متماسك يؤمن بالله، وسيحافظ هذا الشعب على إرث شهدائه وقائده بشجاعة وثبات تاريخي.
اليوم، لا توجد وسيلة إعلامية أو محلل يجرؤ على القول إن الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني منتصران، بل إن وسائل الإعلام العالمية تتنافس في كشف حجم إخفاقاتهم. وحتى حلفاء أمريكا التقليديون يسعون للنأي بأنفسهم عنها، إذ إن أحداً لا يرغب في الوقوف مع الخاسر. وبفضل الله وصمود الشعب والقوات المسلحة الإيرانية، تحولت الحرب إلى معرض لهزائم عسكرية وأمنية وسياسية وإعلامية للعدو. لقد تمّ بيع سمعة الولايات المتحدة من أجل نظام مزيف وجرائم حرب. وأصبحت تصريحات قادتها مادة للسخرية العالمية، خاصة مع تهديداتهم بضرب البنى التحتية كالمياه والكهرباء، وهي تهديدات تكشف ضعفهم. إنهم كالغريق الذي يتعلق بأي شيء؛ لكن إن ارتكبوا أي خطأ، سيتلقون ضربات غير متوقعة، كما حدث خلال الأربعين يوماً الماضية. وأصبح العالم يسخر من تناقضاتهم، حيث إن مضيق هرمز كان مفتوحاً قبل الحرب، أما اليوم فاضطرت أمريكا للتفاوض مع إيران لإعادة فتحه بشروط جديدة. إنّ قوة إيران اليوم هي ثمرة وإرث مدرسة الإمام الشهيد ويعتبر الشعب الإيراني قائده الشهيد روحه، وسيحمي إرثه العظيم بكل ما يملك.

البحث
الأرشيف التاريخي