مقابلة مع الباحث والخبير في الشؤون العسكرية «إسماعيل محبي»

بين الواقع والتضليل.. تحليل سيناريو الإنزال الجوي في إيران

أثار الرئيس الإرهابي الأميركي دونالد ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية، خلال العدوان العسكري على إيران، قضايا متعددة، كان لبعضها نصيب ضئيل من الحقيقة. ومن بين هذه القضايا، الحديث عن تنفيذ عملية إنزال جوي. ونشرت وسائل الإعلام الأمريكية مؤخرًا تصريحات لترامب بشأن هجوم على بعض الجزر الإيرانية. وقد أصبح هذا الموضوع مثار جدل، في وقتٍ بات فيه واضحًا للجميع خواء تهديدات ترامب بشأن فتح مضيق هرمز، وعدم مصداقية المهل التي حددها في هذا الصدد.
وفي هذا السياق، أجرت وكالة الجمهورية الاسلامية للأنباء «إرنا» مقابلة مع الباحث والخبير في الشؤون العسكرية إسماعيل محبي:

 في السؤال الأول، هل يُعدّ إرسال قوات برية وتنفيذ إنزال جوي في مناطق من إيران مسألة جدية، أم أن الهدف من طرحها هو الحرب النفسية؟
عملية الإنزال الجوي ليست عملية تقليدية، بل هي عملية خاصة تهدف إلى تحقيق إنجاز محدد لا يمكن تحقيقه في الظروف العادية. على سبيل المثال: اختطاف شخصية، تنفيذ اغتيال محدد، السيطرة على نقطة أو منشأة، وأمثال ذلك من الأهداف التي لا يمكن تحقيقها بالعمليات الكلاسيكية المعتادة.
النقطة المهمة في عمليات الإنزال الجوي هي المستوى العالي جدًا من مهارة القوات المنفذة. فهذه القوات تُعدّ من النخب فائقة الاحتراف في الدول، وتوليها الحكومات قيمة كبيرة. لذلك فإنّ عملية الإنزال الجوي لا تُصمَّم فقط للتنفيذ، بل تمر بثلاث مراحل رئيسية: الوصول إلى موقع العملية، تنفيذها، ثم العودة.
وبالتالي، فإنّ أحد المبادئ الأساسية لهذه العمليات هو ضمان عودة القوات المنفذة بعد التنفيذ، وبأقل قدر ممكن من الخسائر. وهذه المسألة تحديدًا تفرض قيودًا جدية، لأن المرحلة الثالثة، أي العودة، تواجه غموضًا كبيرًا، بل وقد تُعدّ مستحيلة.
إضافة إلى ذلك، توجد مشكلات كبيرة تتعلق بتنفيذ العملية نفسها؛ فالقوة المهاجمة غالبًا لا تمتلك فهمًا كافيًا لطبيعة الأرض وخصائصها. وخلال الحرب الحالية، شهدنا مرارًا أن العدو لم يكن لديه إدراك دقيق لظروف وقدرات إيران، بل اعترف بذلك في أكثر من مناسبة.
ومن أبرز الأمثلة المعروفة على نقص المعرفة ببيئة الخصم، والتي أدت إلى فشل العمليات، عملية «مخلب النسر» الشهيرة التي نفّذتها قوات «دلتا فورس» الأمريكية وانتهت بالفشل في طبس. ففي تلك العملية، صمّم الأمريكيون خطة متكاملة للوصول إلى سفارتهم السابقة في طهران، التي كانت تُعرف بـ«وكر التجسس». غير أن العملية بقيت على الورق ولم تُنفذ. وكانت الخطة تشمل الدخول إلى إيران، والوصول إلى السفارة، وتحرير الرهائن، ثم العودة.
وقد استغلّ الأمريكيون، للدخول إلى الأجواء الإيرانية، وضع السنوات الأولى بعد الثورة، إضافة إلى وجود عناصر متغلغلة في مستويات عليا. وكان المخطط يقضي بالتجمع في طبس بعد الدخول، وبقاء الطائرات هناك، فيما تتوجه المروحيات إلى طهران، نظرًا لتعذر هبوط الطائرات في العاصمة. وفي النهاية، وبإذن الله، أدّت عواصف الرمال إلى إفشال كل الحسابات، وسُجلت واحدة من أكبر الهزائم العسكرية للولايات المتحدة.
وعليه، وبالنظر إلى الفارق الكبير بين الظروف الحالية في إيران وتلك التي كانت في بداية الثورة، إضافة إلى اليقظة والاستعداد الكامل للقوات المسلحة في ظل ظروف الحرب، فإن تصميم عملية إنزال جوي داخل الأراضي الإيرانية، حتى على الورق، يشبه الأمور المستحيلة. ومن ثم، فإن طرح موضوع الإنزال الجوي في الظروف الحالية يُعدّ، في المقام الأوّل، جزءًا من الحرب النفسية والإعلامية، وربما يهدف أيضًا إلى التأثير في الأسواق العالمية.
 إلى أي مدى يمكن تنفيذ عملية إنزال جوي في إيران من الناحية العملياتية؟ وفي أي مناطق -حدودية، حضرية، منشآت، العاصمة- وبأي أهداف؟
خلال الحرب المفروضة التي استمرت إثني عشر يومًا، ووفقًا للأخبار والتحليلات، يبدو أن الأمريكيين ومسؤولي الكيان الصهيوني المجرم درسوا تنفيذ عملية إنزال جوي. وكانت خطتهم في المرحلة الأولى أن تؤدي عمليات القصف إلى تفكيك بنية الحكومة والقوات المسلحة، بحيث لا تبقى أي قوة دفاعية.
وفي مثل هذه الحالة، كان من الممكن أن يفكر الأمريكيون في تنفيذ عملية إنزال جوي ويضعوا لها تصورات؛ لكن الجميع رأى أن هذا الافتراض الأساسي لم يتحقق؛ إذ لم تُدمَّر القوات المسلحة، بل بقيت صامدة وتواصل أداء مهامها.
ورغم أن الأمريكيين أجروا تدريبات واسعة على هذا النوع من العمليات، فإنهم لم يجدوا أي فرصة لتنفيذه عمليًا. وقد تبيّن أن تقديراتهم بشأن الوضع في إيران بعد الحرب كانت خاطئة تمامًا، وهو ما ظهر أيضًا خلال مجريات الحرب الحالية.
وعليه، فإن تنفيذ عملية إنزال جوي في جغرافيا إيران، وفي ظل الظروف الراهنة، غير ممكن: لا في مرحلة الدخول إلى الأجواء، ولا في التنفيذ، ولا في العودة.
فمثل هذه العمليات تُنفذ باستخدام طائرات نقل كبيرة، تدخل الأجواء الإيرانية لتواجه الرادارات وشبكات الدفاع الجوي. وقد شهدنا مؤخرًا رصد وإسقاط طائرات مقاتلة معادية داخل الأجواء الإيرانية، في حين أن طائرات النقل أكبر حجمًا وأبطأ سرعة، وتحتاج إلى التحليق على ارتفاع منخفض لتنفيذ الإنزال. ولا يمكن تحقق ذلك إلا في حال غياب أي نشاط عسكري دفاعي، بينما يكفي حتى وجود عدد قليل من الجنود المزودين بصواريخ محمولة على الكتف لإفشال العملية. كما أن مرحلة العودة ستكون أكثر تعقيدًا وخطورة بكثير.

 هل يهدف مشروع الإنزال الجوي لدى الأمريكيين إلى انتشار طويل الأمد أم إلى مهمة مؤقتة؟
للإجابة، يجب النظر أولًا إلى الجغرافيا الإيرانية، التي تتسم بعوامل غير قابلة للتنبؤ: جبال، سهول، صحارى، بحار... وكلها تمنح مزايا كبيرة وتفرض تحديات جسيمة على أي قوة مهاجمة، خصوصًا مع وجود انتشار مسبق للقوات العسكرية.
وفي المناطق الحضرية المكتظة، يبقى العامل الأهم هو الشعب. فالشعب الإيراني يقف بوعي ويقظة إلى جانب النظام في الدفاع عن البلاد، ما يجعل دخول القوات الأمريكية واستقرارها أمرًا غير ممكن.
حتى في حال افتراض دخول قوات معادية وتمركزها بعيدًا عن المدنيين، فإن القوات المسلحة الإيرانية ستستهدفها بهجمات صاروخية مكثفة، ولن تسمح لها بالاستقرار، بل ستشلّ حركتها.
الوضع الحالي لا يشبه السنوات الأولى بعد الثورة. وحتى لو افترضنا تنفيذ إنزال جوي في مناطق صحراوية مثل نطنز بهدف الوصول إلى المنشآت النووية، فإن هذه المناطق ليست بلا دفاع، بل توجد فيها قوات وخطط لمواجهة أي تسلل وتدمير القوات المعادية. كما أنه، في حال تحقق مثل هذا السيناريو، فلن يكون هناك طريق للعودة. فوفقًا للأوامر الصادرة، لا ينبغي لأي قوة معادية تدخل الأراضي الإيرانية أن تعود حيّة.
وقد رأينا أيضًا، في الأسبوع الأول من الحرب الحالية، أن قوات خاصة صهيونية نفذت عملية إنزال جوي في لبنان لكنها فشلت، واعترف رئيس وزراء الكيان الصهيوني بهذا الفشل.

 أخيرًا، ما تبعات تنفيذ عملية إنزال جوي بالنسبة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني؟
استنادًا إلى ما سبق، فإن هذه العملية ستكون مكلفة جدًا، وخطيرة، وغير مجدية للأمريكيين، بل إنها من النوع الذي يُحكم عليه بالفشل قبل التنفيذ. وستترتب عليها كلفة كبيرة على ترامب والجيش الأمريكي، خاصة وأن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 12% فقط من الشعب الأمريكي يدعمون الهجوم على إيران.
وبالتالي، فإن هذا الموضوع سيحمل تكلفة سياسية كبيرة داخل الولايات المتحدة بالنسبة لإدارة ترامب وقيادات الجيش، وهي تكلفة يبدو أنه لا مفرّ منها.

البحث
الأرشيف التاريخي