حول إنحطاط العقل السياسي..
ما هو الترورامبيسم؟ (2/2)
د. محمد أخكري
عضو هيئة التدريس في جامعة الإذاعة والتلفزيون
3. إرهابُ القانون هو جعل الاستثناء قاعدة منظمة
في «الإرهاب الترامبي»، لا يُنتهك القانون؛ بل يُفرَّغ من مضمونه. شكل القانون يبقى محفوظاً؛ لكن روحه -أي عموميته وقابليته للتوقّع- تُعلَّق. الاستثناء يصبح قاعدة. الأمثلة المعاصرة، من الانسحاب الأحادي من الاتفاقيات الدولية إلى الإرهاب الموجَّه والعقوبات الخارجة عن القانون، تظهر أن القانون لم يعد حدًّا للسلطة، بل أصبح أداةً لها.
في عالم وعد فيه ميثاق الأمم المتحدة بالسلام، وكان يُفترض بالمؤسسات الدولية أن تكون منارات العقلانية في ظلمة السياسة، وجّه «الإرهاب الترامبي» ضربةً قاصمة ليس فقط للقواعد، بل لفكرة القانون نفسها. هنا لم يسقط القانون هنا عبر إنكار صريح، بل استُخدم بشكلٍ متناقض ضد نفسه. بقيت المؤسسات؛ لكن من الداخل أُفرغت؛ بقي القانون قائمًا؛ لكنه لم يعد مُلزِمًا؛ استمرت الرقابة؛ لكنها لم تعد تمنح حصانة.
عندما استُهدفت المنشآت النووية السلمية في إيران -الخاضعة بالكامل لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية- تكشّفت حقيقة مرعبة: لم يعُدّ التصديق الفني كافيًا لحماية الشرعية، ولم تعُدّ الجهة الرقابية ملاذًا للقانون. تحوّل القانون من عتبة آمنة إلى وثيقة قابلة للتفسير في يد قوّة مسلّحة؛ تُرفَع حيث تشاء، وتُداس حيث تشاء.
وهكذا، تقدّم «الإرهاب الترامبي» ليس بإلغاء المؤسسة، بل عبر تشويهها: مجلس الأمن، الوكالة، المعاهدات والميثاق، جميعها تحوّلت إلى مسرحيات لعرض الإرادة، لا إلى حُكّامٍ مستقلين لكبحها.
بلغ هذا المنطق ذروته في الانسحاب الأحادي من الاتفاقيات المتعددة الأطراف، وتجاهل القرارات الملزِمة، وعمليات الارهاب العابرة للحدود دون تفويض من مجلس الأمن؛ حيث اختزل الدفاع المشروع إلى ادّعاء واهٍ، وتراجع نص المادة 2 من الميثاق إلى هامش تزييني في السياسة العالمية. لم تكن نتيجة هذا المسار مجرد خرق قانوني، بل انهيار للثقة: الثقة في المعاهدة، في المؤسسة، وفي مبدأ المساواة أمام القانون. عندما تصبح العضوية في المعاهدات ليست ضمانًا للأمن، بل نقطة ضعف، يموت روح القانون الدولي حتى لو بقي نصّه قائمًا.
وبتعبير هابرماس، حلّت القوة الاستعراضية محل القوة التواصلية؛ تحوّل الإقناع إلى طاعة، وصارت الشرعية تُستمدّ من شدّة الإرادة وليس من الحوار العقلاني. إن إغتيال القانون بهذا المعنى، ليس لحظة عابرة، بل مسار منهجي يحول القانون من معيار للعدالة إلى أداة لاحتكار السلطة. وفي عالم لم يعُد فيه القانون حكمًا بل تابعًا، يصبح الحاكم ليس النظام، بل تقنينُ العنف.
4. إرهاب الذاكرة.. هندسة النسيان
إنّ الذاكرة التاريخية شرطٌ لقيام المسؤولية. غير أنّ «الإرهاب الترامبي» يجعل الذاكرة انتقائية عبر معايير مزدوجة؛ فبعض الفظائع تُختزل إلى «ضرورة تاريخية»، فيما تُمحى فظائع أخرى من سجل التاريخ. يصبح الماضي، في هذا المنطق، ليس ساحةً للحكم الأخلاقي، بل مخزنًا للتبرير. النسيان هنا ليس عارضًا، بل مشروعًا فعّالًا.
إنّ إرهاب الذاكرة، بتعبير بول ريكور، ليس نسيانًا طبيعيًا، بل نسيانًا مُنظَّمًا: هيمنة الرواية المهيمنة، التلاعب بالماضي، وفرض الصمت. ويكتمل هذا الإرهاب بإرهاب الحدود؛ حيث تُعاد صياغة الجغرافيا بحيث لا تجد الذاكرة طريقًا للعودة. في هذا السياق، تُسمّي اللغة الترامبية التهجيرَ «نقلًا إنسانيًا»، والاحتلالَ «عودة تاريخية»، وتُعيد كتابة الأسماء بما يخدم السلطة من غزة إلى تحريف اسم «الخليج الفارسي»؛ لكن الذاكرة لا تعيش في الأرشيف وحده، بل تحيا في اللغة، والشعر، والصورة، والاحتجاج. وهنا يكمن خوف السلطات: ذاكرة لا تُمحى، حتى لو قُتل أصحابها. إنّ إرهاب الذاكرة يسعى إلى تحويل التاريخ إلى صمت؛ لكن كل حجر يُرمى، وكل مفتاح ينتقل من جيلٍ إلى جيل، وكل اسم يُستعاد، يشهد بأن الذاكرة عدوّ النسيان؛ وعدوّ لا يموت، حتى لو تعرّض للإرهاب.
5. اغتيال الأخلاق، انهيارُ مبدأ العالمية
الأخلاق الكانطية تقوم على مبدأ العالمية؛ لكن في «الإرهاب الترامبي» تتحوّل الأخلاق إلى امتياز. ما هو مباحٌ لـ«نحن» يُعتبر جريمة بالنسبة لـ«الآخرين». هكذا، تُختزل الأخلاق من قاعدة إلى استثناء، ويغدو الضمير تابعًا للتحالف السياسي. إرهاب الأخلاق، في جوهره، ليس سوى ترسيخ المعيار المزدوج؛ وضعٌ يُسمّى فيه فعلُ طرف ما «دفاعًا مشروعًا»، بينما يُوصَف الفعل نفسه، إذا صدر عن آخر، بـ«الإرهاب».
في هذا المنطق، لا تكون الأخلاق أمرًا يصدر عن العقل العملي، بل أداةً للسلطة؛ قناعًا مُزيَّنًا لإرادة عارية. ما كان يُسمّيه كانط «القانون الذي يضعه العقل لنفسه» يفسح هنا المجال لأمرٍ يصدر من أعلى، ويستثني نفسه من كل قاعدة.
ومن هذا المنطلق، لا یكون «الإرهاب الترامبي» مجرّد تدميرٍ للمؤسسات، بل قبل كل شيء، تدميرًا للضمير: تهيئةً لفضاءٍ تُقدَّم فيه الجريمة بوصفها عادلة، ويُصوَّر فيه الاعتراض الأخلاقي بوصفه خيانة.
في عالم «الإرهاب الترامبي» العدالة تشبه قاضياً كتب الحكم قبل أن يستمع للقضية. الدولة التي أسقطت للمرة الأولى نارًا ذرّية على مدن بلا دفاع ما تزال تعتبر نفسها مرجعًا للحكم الأخلاقي؛ والمجزرة التي حوّلت مئات الآلاف من البشر في هيروشيما وناغازاكي إلى رماد، لم تُسمَّ جريمة، بل «ضرورة تاريخية». في فيتنام، أصبح النابالم لغة العقل؛ وفي العراق، أصبح اليورانيوم المنضَّب «ثمن الحرّية»؛ وفي غوانتانامو، اتخذ التعذيب شكلًا قانونيًا. هذه هي الأخلاق حين لا تعود مبدأً، بل حسابًا للربح والخسارة.
في هذا النظام المقلوب، حتى المعنى يصبح تابعًا للمصلحة. الإرهابي الذي كان بالأمس في القائمة السوداء يُسمّى اليوم، بعد تغيير الاسم والزي، «قائدًا معتدلًا»؛ ومن ينطق بالحقيقة يُعاقَب، لا لشيء إلّا لوفائه لضميره. يُعاقَب مقرّر الأمم المتحدة ليس بسبب خطأ، بل بسبب صدق كلمته. هذه هي مأساة الأخلاق: حين تتحرّر الكلمات من حكم العقل وتخضع للسلطة، يصبح عدوّ الأمس حليف اليوم، دون أن يشعر أحد بالخجل من التناقض.
ذروة هذا الإرهاب، لا تُرتكَب الجريمة خفية، بل تُشرعن. رجلٌ مطارد بتهمة ارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية يُقدَّم في أحضان الحلفاء بوصفه كصاحب «حق الدفاع»؛ وفي عرض أبلغ من أي هجاء، يقترح المتهم نفسه جائزة سلام لمن يرى القانون امتدادًا لإرادته الشخصية. هذا المشهد يُذكّرنا بـ«الملك العاري»؛ مع فارقٍ واحد: هذه المرّة اعتاد المتفرّجون الصمت. العريّ ليس في الجسد، بل في الحقيقة والأخلاق والحياء.
«الإرهاب الترامبي» یُفرغ المؤسسات الأخلاقية من الداخل. المحكمة الجنائية، الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف محترمة ما دامت لا تعيق السلطة. معاقبة القضاة، طرد المقرّرين، واللامبالاة تجاه موت آلاف الأطفال، تدفع العالم نحو أخلاق ليست عالمية، بل قومية ونفعية. يتحوّل العنف من أمرٍ مروّع إلى عرف، وتحتلّ الأرقام مكان الفاجعة.
وفي هذا السياق، يصبح الفضاء الافتراضي الميدان الجديد؛ حيث ينتشر الكراهية بسرعة الضوء، ويُختزل الموت إلى سخرية سياسية. تُبرِز الخوارزميات ما هو أشدّ إثارة للغضب، وتدفع ما هو أكثر إنسانية إلى الهامش. حتى بعض المفكرين، خلافًا لأسسهم النظرية، يلجأون إلى التبرير أمام هذه الجرائم؛ كأنّ العقل قد انحنى قبل الضحايا أنفسهم.
وهكذا يجب القول: إنّ إرهاب الأخلاق هو مقدّمة ارهاب الإنسان. فطالما أنّ الضمير حيّ، ترتجف يد العنف؛ أمّا حين تُفرَّغ الأخلاق من قيمتها، فلا تعود أي جريمة مستغربة. في مثل هذا العالم، ينهار النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية -القائم على القانون والمؤسسة والعقل- وتظهر الفاشية الجديدة، ليس عبر الأحذية العسكرية والزيّ الموحّد، بل عبر لغة الأمن، ومفردات الديمقراطية، وقناع الأخلاق.
6. إرهاب الراوي.. إبادةُ الشاهد
لا وجود لحقيقة بلا راوٍ. إرهاب الراوي، بمعنى حذف الشاهد أو إفقاده لمصداقيته، يزيل شرط إمكان الحقيقة. الصحفي أو القاضي أو المراقب المستقل، إمّا يُزال أو يُختزل إلى «كاذب». إرهاب الراوي ليس مجرد إسكات صوت واحد، بل هو اعتداء على شرط إمكان اختبار الحقيقة. فالذي يروي هو الوسيط الضروري بين الواقع والفهم العام؛ ولهذا يصبح الراوي، في منطق سلطة ترى الحقيقة عائقًا، خطرًا بنيويًا.
تدمير وسائل الإعلام، قتل الصحفي، وإسكات الترددات، جميعها تهدف إلى غاية واحدة: قطع الصلة بين الواقع والإدراك. في هذا الأفق، تصبح الحقيقة مستحيلة لا بسبب بطلانها، بل بسبب غياب الشاهد؛ لأن ما لا يُرى، لن يوجد في مجال المعرفة.
«الإرهاب الترامبي»، بهذا المعنى، يقود إلى إرهاب الوعي؛ الوعي الذي لا يصل إلى ساحة العقل العام إلّا عبر الشهادة العينية. الإزالة الجسدية للرواة، من الصحفي إلى الشاهد الميداني، هي الشكل الأول لهذا الإرهاب؛ لكن شكله الأكمل هو هندسة جهل معرفي. في هذه العملية، لا يُنكَر الواقع، بل يُعاد تشكيله: تُزاح المفاهيم، تُقلَب المعاني، ويُختزل ما حدث إلى ما «يجب تصديقه».
مثل هذا النظام يفرغ العقل من القدرة على الحكم، ويحوّله إلى مستهلكٍ لروايات مُعدّة سلفًا. وعندما يقترن اغتيال الراوي بالرقابة الرقمية، إزالة وسائل الإعلام، وتشريع الصمت، لا تتفكك التجربة الفردية فحسب، بل تنهار الذاكرة الجماعية أيضًا. في غياب الرواية المستقلة، يصبح التاريخ أداةً في يد السلطة، ويغدو العقل تابعًا للخوارزمية والأمر بدل أن يكون مشرّعًا.
هذا هو الوضع الذي لا تُباد فيه الحقيقة تمامًا، ولا ينتصر فيه الكذب كليًا؛ بل يبقى الإنسان معلّقًا: عاجزًا عن المعرفة، عاجزًا عن الحكم، وعاجزًا عن الخروج من قصور لم يعُد هذه المرّة إراديًا، بل مفروضًا عليه.
7. إرهاب الرواية.. تشبّعُ المعنى
المرحلة النهائية هي إرهاب الرواية: الإنتاج الكثيف لروايات مصطنعة، والتزييف العاطفي العميق، وتحويل العنف إلى لعبة، وسرقة المعاناة. لم تعُد الرواية نابعة من التجربة، بل أصبحت سلعة سياسية. في هذا التشبّع، يفقد العقل قدرته على الحكم. إرهاب الرواية ليس تزوير قصة بعينها، بل التلاعب بشرط إمكان المعنى في أفق العقل الجمعي.
الرواية، بوصفها وسيطًا بين الحدث والحكم، تتيح أن تتحوّل المعاناة إلى فهم، والفهم إلى حكم أخلاقي؛ لكن في النظام الترورامبي، تُصادَر هذه الوساطة. يصبح الاعتراض من موقع الحكم العقلاني إلى تهديدٍ أمني؛ وتُختزل التعاطف إلى تطرّف؛ وتتحوّل الحقيقة إلى «ادّعاء». وهكذا لا تعود الرواية حاملةً للواقع، بل أداةً لتنظيم الإدراك، ويواجه العقل العمومي لا الوقائع، بل تمثيلاتٍ مُعَدّة سلفًا ومُحمّلة بالمعنى قبل أن تُرى.
في العصر الرقمي، تجاوز إرهاب الرواية مستوى اللغة وارتقى إلى هندسة الإدراك. يظهر هذا الإرهاب في صور متعددة: تارةً عبر إنتاج روايات مزيفة وشهودٍ اصطناعيين يشهدون من دون أن يكون لهم وجود؛ وتارةً عبر سرقة رواية الضحايا وإعادة تعريف معاناتهم بوصفها تبريرًا للعنف؛ وتارةً عبر تراكمٍ هائل للعلامات والصور والقصص الصغيرة التي تُقصي الحقيقة من مجال الحكم، لا بالكذبة الكبرى، بل بالتآكل التدريجي. في هذا الوضع، تحلّ الصورة محلّ التجربة، والعاطفة محلّ الحكم، والتكرار محلّ الصدق؛ ويغدو التمييز بين الواقع والمحاكاة مستحيلًا على عقلٍ أنهكه فائض المعلومات.
الغاية النهائية لإرهاب الرواية هي تعطيل قوة الحكم؛ تلك اللحظة التي لا يعود فيها الإنسان يسأل: «ماذا حدث؟»، بل يكتفي بقبول: «ما يجب أن يُصدَّق؟». تحويل العنف إلى لعبة، وجعل التاريخ ترفيهاً، وتمثيل المعاناة بوصفها مهمة أو امتياز، لا تنكر الأخلاق بل تعلّقها. يُختزل الضحية من إنسان إلى شخصية؛ وتتحوّل الجريمة من فاجعة إلى إجراء؛ والذاكرة من ساحة حكم إلى مستودع للأساطير الرسمية. في مثل هذا الوضع، لا تعود الرواية ساحة صراع الحقيقة، بل أداةً لترسيخ الهيمنة؛ وهذا هو الموضع الذي يقود فيه إرهاب الرواية إلى إرهاب الوعي، ويُختزل فيه العقل من مشرّع إلى متفرّج على نظام سلبه مسبقًا إمكانية الحكم.
