أصفهان تحتفي بالحكاية في مهرجان القصّة

كان يا ما كان.. الحكاية في إيران من ذاكرة الجدّات إلى مجالس الكبار

/ كان يا ما كان، ومنذ الأزمنة الأولى، شكّلت الحكاية اللغة المشتركة بين الإنسان والخيال. وقبل أن تُدوَّن الكتب وتُحفَظ الوقائع، كانت القصص تُروى شفهياً، تنتقل من فم إلى فم، ومن قلب إلى قلب. تلك الحكايات التي اعتادت الجدّات روايتها بقيت خالدة في الذاكرة، لأنها لم تكن مجرّد تسلية، بل حاملة للحكمة، ومخزناً للقيم، وجسراً يربط الماضي بالحاضر. وفي إيران، احتلّت الحكاية والقصّة مكانةً مركزية في تكوين الثقافة والهوية عبر العصور.
تنافس 61 قصّاصاً في مهرجان القصّة
أُقيمت الدورة السابعة والعشرون لمهرجان القِصّة التابع لمركز تنمية الفكر للأطفال والناشئة يومي 15 و16 فبراير في مدينة أصفهان. وشهدت هذه الدورة تنافس 61 قصّاصاً ضمن تسعة أقسام هي: «الكلاسيكي»، «باستخدام الأدوات»، «الإيثار والأبطال»، «الديني»، «لغة الإشارة»، «المنظوم»، «القصص الجديدة»، «الطقوسي–التقليدي»، و«مختارات العام الماضي»، وذلك لنيل تمثال المهرجان.
وفي اليوم الأول، صعد 37 قصّاصاً إلى خشبة المسرح، فيما تواصلت المنافسات في اليوم الثاني عبر تقديم القصص في أربع فترات زمنية. ويُعدّ المهرجان فرصةً للتعريف بمواهب اليافعين والكبار في فنّ القصّ، وتعزيز ثقافة القصّة الإيرانية، إذ يضفي تنوّع الموضوعات وأساليب الأداء في كل عرض جاذبيةً خاصة لدى الجمهور.
وبهذه المناسبة، نقدّم لقرّائنا نبذةً موجزة عن تاريخ القِصّة والحكاية في إيران، بوصفها أحد أعرق الفنون الثقافية التي شكّلت الذاكرة الجمعية وأسهمت في نقل القيم والهوية عبر العصور.
الجذور الأولى للسرد القصصي في إيران
كان نقل قصص الشاهنامة وهزار أفسانه وكارنامه، رائجاً في إيران منذ زمن بعيد، وارتبط بالذاكرة الشعبية والمجالس العامة، حيث كان الرواة ينقلون أخبار الأبطال والملوك والأساطير. وتشير المصادر إلى أن كتاب «هزار أفسانه» شكّل الأساس للكتاب الشهير «ألف ليلة وليلة»، وكان متداولاً بين القصّاصين ورواة القصص، شأنه شأن الشاهنامة، بما يعكس عمق تأثير السرد القصصي في الحياة الثقافية الإيرانية.
الرواة بين البلاط والعامّة
تكشف الروايات التاريخية عن المكانة الرفيعة للحكاية في البلاط، إذ كان كارآسي، قارئ الشاهنامة، أوّل نديم لعضد الدولة وفخر الدولة، وكان يقرأ للسلطان محمود الشاهنامة وكتباً تتعلّق بملوك إيران القدماء. وفي المقابل، لم يكن القصّاصون طبقةً واحدة، بل توزّعوا بين من يروي القصص لعامة الناس في الساحات والأسواق، وبين من كان يرويها في مجالس الكبراء وأهل السلطة.
الغوسان وفنّ الحكاية في إيران القديمة
في إيران القديمة، تشير بعض المصادر، ومنها كتاب «تاريخ أدب الأطفال في إيران»، إلى رواة قصص عُرفوا باسم «غوسان»، وهي كلمة فارسية تعني «المنشد». وتميّز هؤلاء بذاكرة قوية وبيان بليغ، وكانوا يسحرون الجمهور بتعبيراتهم الحركية واللغوية.
ويرى المؤرخون أن الإيرانيين جمعوا بين فنّ الحكاية والإنشاد، إذ كان الأطفال يتعلّمون منذ سنّ مبكرة، إلى جانب فنون القتال، قصصاً وأساطير عن أعمال الآلهة والرجال العظماء، وأحياناً بمرافقة الموسيقى. وقد ورد ذكر الغوسان في نصوص مكتوبة مثل الشاهنامة، ومجمع التواريخ، ومقدمة شاهنامة أبي منصوري.
القصّاصون في العصر الإسلامي
في العصر الإسلامي، انتقل فنّ الحكاية إلى المساجد، حيث كان رواة القصص يروون الحكايات، وأحياناً يعظون الناس أثناء السرد. ومع ذلك، تميّز الوعّاظ عن القصّاصين؛ فالوعّاظ كانوا من كبار علماء الدين، يعتمدون على الكتاب والسُّنّة، بينما اعتمد القصّاصون على محفوظاتهم ومعرفتهم العامة، مستخدمين جمال الصوت وقوّة البيان لإمتاع المستمعين.
الجمهور وأجواء الحكاية
رغم كثرة الحديث عن الرواة، قلّما تناولت المصادر جمهورهم بشكل مباشر. غير أن الوثائق المتبقية تشير إلى أن القصّاصين كانوا يوجّهون قصصهم غالباً إلى الكبار، في حين كان الأطفال يتلقّون الحكايات في أجواء أخرى داخل البيوت، وعلى ألسنة الجدّات، حيث كانت القصص تُروى بهدوء، وتُغرس في الذاكرة، وتبقى حيّةً لا تزول.
الحكاية في العصر الحديث
في العصر الحديث، أثبتت الدراسات التربوية أن الحكاية تؤدي دوراً مهماً في تعزيز النمو العاطفي والفكري للأطفال والناشئة، كما أظهرت الأبحاث العلمية إمكانية توظيفها في العلاج النفسي وتنمية المهارات الفكرية. ومع تطوّر التكنولوجيا، انتقلت الحكاية من شكلها البسيط إلى أشكال فنية أكثر تعقيداً، وشهدت دول عديدة إنشاء دورات تعليمية رسمية لتدريب رواة القصص.
وهكذا، من المجالس السلطانية إلى ليالي البيوت، ومن أفواه القصّاصين إلى همسات الجدّات، ظلّت الحكاية في إيران حيّةً ومتجدّدة، تهمس عبر الزمن: كان يا ما كان.. وما زالت الحكاية مستمرّة.

 

البحث
الأرشيف التاريخي