الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • ثقافة ورياضة
  • سیاحة
  • دولیات
  • مقالات و المقابلات
  • منوعات
العدد سبعة آلاف وتسعمائة وخمسة وثمانون - ١٠ فبراير ٢٠٢٦
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد سبعة آلاف وتسعمائة وخمسة وثمانون - ١٠ فبراير ٢٠٢٦ - الصفحة ٦

وأعادت رسم خرائط القوة

موسكو تفاوض بثقة.. كيف غيّرت الضربات الاستراتيجية شكل المحادثات؟

/ أتت الجولة الثانية من محادثات أبو ظبي في لحظة حساسة من عمر الحرب الأوكرانية، حيث تتقاطع التحولات الميدانية مع مسار تفاوضي معقّد تحاول فيه الأطراف الثلاثة روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا إعادة صياغة مستقبل الصراع. ورغم أن الجولة أفرزت نتائج إنسانية وعسكرية مهمة، فإن جوهر الملفات السياسية بقي عالقاً، خصوصاً ما يتعلق بدونباس والضمانات الأمنية. تبدو هذه الجولة محطة إضافية في مسارٍ طويل تعمل فيه موسكو على تثبيت مكاسبها وترجمة تفوقها العسكري إلى واقع سياسي دائم، في وقت تتراجع فيه قدرة كييف على المناورة وتتزايد الضغوط الداخلية والخارجية عليها.
موسكو تدخل المفاوضات من موقع قوة
تفاوض روسيا اليوم من موقع مختلف تماماً عن السنوات الأولى للحرب. فبعد سلسلة من العمليات العسكرية المتدرجة، نجحت موسكو في تثبيت وجودها في دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا وخيرسون، وتحويل الجبهة الممتدة على مئات الأميال إلى مساحة استنزاف للقوات الأوكرانية. هذا التفوق الميداني لم يعُد مجرد مكسب عسكري، بل أصبح قاعدة تفاوضية صلبة. فموسكو هي الطرف الوحيد القادر على تغيير الوقائع على الأرض، بينما تعتمد كييف على دعم غربي بدأ يتراجع بفعل الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل أوروبا والولايات المتحدة. وفي اللحظة التي سبقت المفاوضات، نفّذت روسيا هجوماً واسعاً على شبكة الطاقة الأوكرانية، في رسالةٍ واضحة مفادها أن موسكو قادرة على شلّ أوكرانيا في أي وقت، وأن أي مسار تفاوضي لا يلغي قدرتها على التصعيد حين تشاء.
تبادل الأسرى واستئناف الاتصال العسكري.. مكاسب روسية محسوبة
رغم التصعيد العسكري، وافقت موسكو على تبادل 314 أسيراً مع أوكرانيا، في خطوةٍ تحمل أبعاداً إنسانية وسياسية في آنٍ واحد. فمن جهة، تُظهر روسيا استعدادها لاتخاذ خطوات إيجابية في المسار الدبلوماسي، ومن جهةٍ أخرى تستعيد جنوداً ذوي خبرة تحتاج إليهم في الجبهات النشطة. أمّا استئناف قنوات الاتصال العسكري بين واشنطن وموسكو، فهو تطور يعكس اعترافاً أميركياً بضرورة التنسيق المباشر مع روسيا، وبأن استمرار الحرب دون هذا التنسيق قد يؤدي إلى احتكاكات خطيرة. كما إن إعادة فتح هذه القناة يعيد موسكو إلى موقع الندّية مع الولايات المتحدة، ويؤكد أن واشنطن لم تعُد قادرة على إدارة الحرب عبر وكلاء فقط.
دونباس.. جوهر الصراع وحدود التسوية الممكنة
يبقى مستقبل دونباس محور الخلاف الأساسي. فبالنسبة لروسيا، الإقليم ليس مجرد مساحة جغرافية، بل جزء من الأمن القومي الروسي، وأي تسوية لا تعترف بسيطرة موسكو عليه هي تسوية غير قابلة للحياة. تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال المفاوضات جاءت واضحة: لا ضمانات أمنية غربية داخل أوكرانيا، ولا عضوية لكييف في الناتو، ولا انسحاب روسي من المناطق التي تم ضمّها. في المقابل، تطرح كييف صيغاً بديلة مثل إنشاء مناطق اقتصادية حرة أو منزوعة السلاح، لكن موسكو ترى في هذه الطروحات محاولة للالتفاف على واقع السيطرة الروسية وإبقاء الباب مفتوحاً أمام النفوذ الغربي. لذلك، ترفض موسكو هذه المقترحات لأنها تعيد إنتاج نموذج «مينسك» الذي أثبت فشله.
زاباروجيا.. الجبهة التي تغيّر قواعد اللعبة
تشهد جبهة زاباروجيا تطورات ميدانية مهمة، حيث حققت القوات الروسية تقدماً نحو بلدة هوليايبولي الاستراتيجية. هذا التقدم ليس مجرد حركة تكتيكية، بل جزء من خطة روسية تهدف إلى قطع خطوط الإمداد الأوكرانية وتوسيع الحزام الأمني حول المناطق التي ضمتها روسيا. وفي المقابل، تعاني أوكرانيا من نقص حاد في القوى البشرية والذخيرة، ما يضطرها إلى نقل وحدات الطوارئ من جبهةٍ إلى أخرى لسدّ الثغرات. هذا الإنهاك الأوكراني يُعزز موقع موسكو التفاوضي، ويؤكد أن الزمن يعمل لصالحها، خصوصاً مع تراجع قدرة الغرب على تزويد كييف بالأسلحة والذخائر بالوتيرة نفسها التي كانت في السنوات الأولى للحرب.
قيود «ستارلينك» تكشف هشاشة الاتصالات الأوكرانية
في موازاة المعارك الميدانية، تخوض موسكو معركة تكنولوجية معقدة بعد القيود التي فرضتها شركة «سبيس إكس» على استخدام محطات «ستارلينك» داخل أوكرانيا. ورغم أن هذه القيود تهدف إلى الحد من قدرة القوات الروسية على استخدام الشبكة في توجيه المسيّرات والصواريخ، فإنها تكشف هشاشة البُنية الاتصالية الأوكرانية واعتمادها شبه الكامل على التكنولوجيا الغربية. هذا التدخل التكنولوجي الأميركي يؤكد أن الحرب لم تعُد مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع متعدد الأبعاد يشمل الاتصالات والفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي، وأن كييف لا تملك استقلالية حقيقية في إدارة جبهاتها.
تحوّل المزاج الشعبي الأوكراني.. ورقة ضغط إضافية لصالح موسكو
مع تدهور الأوضاع المعيشية في أوكرانيا، بدأت استطلاعات الرأي تُظهر تحوّلاً في المزاج الشعبي، إذ ارتفعت نسبة الأوكرانيين المستعدين لقبول تسويات إقليمية مقابل السلام إلى 40%. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لدى الشارع الأوكراني بأن استمرار الحرب يهدد بقاء الدولة نفسها، وأن تقديم تنازلات «مؤلمة» قد يكون الخيار الوحيد لتجنّب الانهيار الكامل. هذا التحول الشعبي يُشكّل عاملاً إضافياً يعزز موقف موسكو التفاوضي، ويؤكد أن الضغط الداخلي في كييف قد يصبح عاملاً حاسماً في دفع القيادة الأوكرانية نحو قبول تسوية واقعية.
الدور الأميركي بين حدود القوة وتآكل النفوذ
تبدو الولايات المتحدة اليوم في موقع مختلف عمّا كانت عليه في السنوات الأولى للحرب. فبعد أن حاولت إدارة بايدن تحويل الصراع إلى منصة لإعادة توحيد الغرب وإضعاف روسيا، جاءت إدارة ترامب لتتبنى مقاربة أكثر براغماتية، تركّز على تقليص الكلفة الأميركية المباشرة، ودفع الأطراف نحو تسوية تُنهي النزيف المالي والسياسي الذي تسببت به الحرب. هذا التحول في الموقف الأميركي يعكس تراجعاً بنيوياً في قدرة واشنطن على فرض إرادتها في الساحات الدولية، خصوصاً في ظل الانقسامات الداخلية، وتراجع الحماسة الأوروبية للاستمرار في تمويل الحرب، وارتفاع الأصوات داخل الكونغرس المطالبة بوقف الدعم المفتوح لكييف. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن مضطرة إلى التعامل مع موسكو باعتبارها الطرف الأكثر ثباتاً وقدرة على الصمود، بعدما أثبتت روسيا أنها قادرة على امتصاص العقوبات، وإعادة توجيه اقتصادها، وتطوير صناعاتها العسكرية بوتيرة غير مسبوقة. كما أن فشل الغرب في تحقيق اختراقات ميدانية عبر الهجمات الأوكرانية الكبرى جعل واشنطن أكثر ميلاً إلى الواقعية، وأكثر استعداداً للقبول بتسوية لا تحقق كل أهدافها المعلنة. 
ختاماً تكشف جولة أبو ظبي الثانية أن روسيا باتت الطرف الأكثر تأثيراً في مسار التسوية، وأنها تفاوض من موقع قوة، وتستخدم أدواتها العسكرية والسياسية والتكنولوجية لإعادة صياغة مستقبل أوكرانيا والمنطقة. ورغم أن الطريق إلى اتفاق نهائي لا يزال مليئاً بالعقبات، فإن موسكو تبدو واثقة من قدرتها على فرض معادلات جديدة، مستندةً إلى تفوق ميداني واضح، وتماسك داخلي، وقدرة على إدارة الصراع على جبهات متعددة. وفي المقابل، تبدو كييف محاصرة بضغوط داخلية وخارجية، بينما تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى التعامل مع موسكو كطرف لا يمكن تجاوزه. 
البحث
الأرشيف التاريخي