من فلسطين إلى الذاكرة الوطنية
مهرجان فجر السينمائي.. حين تتحول السينما إلى مرآة للهوية والإنسان
/ يُعدّ مهرجان فجر السينمائي أحد أبرز التظاهرات الثقافية والفنية في إيران، ومن أهم المنصات التي تعكس مسار السينما الوطنية وتحوّلاتها الجمالية والفكرية. فمنذ انطلاقه، شكّل هذا المهرجان فضاءً لعرض أحدث الإنتاجات السينمائية، ومنبراً لاكتشاف المواهب الجديدة، وساحةً للحوار بين صُنّاع السينما والنقّاد والجمهور، إلى جانب دوره في تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والإنسانية والتاريخية من خلال لغة الصورة والفن السابع.
ولا تقتصر أنشطة مهرجان فجر السينمائي على عروض الأفلام فقط، بل تشمل جلسات نقدية، وورش عمل متخصصة، ولقاءات فكرية، ما يجعله حدثاً ثقافياً متكاملاً يسهم في تعزيز الوعي السينمائي وتطوير صناعة الفيلم، ويؤكد مكانة السينما كأداة للتعبير عن هوية المجتمع وهمومه وآماله.
وانطلاقاً من أهمية هذا الحدث الفني العريق، نقدّم المقال التالي بمناسبة إقامة مهرجان فجر السينمائي، حيث نتوقف عند عدد من أفلامه البارزة، ونسلّط الضوء على مضامينها الفنية والإنسانية، وما تحمله من رؤى تعكس تنوّع التجارب السينمائية المشاركة في هذه الدورة.
«الرحيل»
فيلم «كوج» أي «الرحيل» من تأليف وإنتاج مهدي مطهر، وإخراج محمد إسفندياري، وجاء في ملخص قصة الفيلم: أن مَش حسن، ربّ أسرة ريفية كبيرة، يضطر إلى الحصول على قرض مصرفي من أجل الحفاظ على عائلته، غير أن السيول وبعض الحوادث المؤلمة تؤدي إلى تراكم الديون عليه ودخوله السجن. وفي محاولة لتعويض هذه الديون، يتوجه قاسم، الابن البالغ من العمر 13 عاماً، برفقة أصدقائه إلى المدينة.
ويقدّم الفيلم مقطعاً من حياة القائد الشهيد الفريق قاسم سليماني خلال مرحلتي المراهقة والشباب.
وقال مهدي مطهّر، كاتب ومنتج الفيلم، إن الفيلم هو العمل الاقتباسي الوحيد في المهرجان، موضحاً أن الكتاب الذي استند إليه الفيلم هو حصيلة ذكريات متنوعة عن الحاج قاسم، شكّلت إطاراً سردياً دقيقاً ومتماسكاً.
وأضاف: إن مواقع التصوير أُنجزت في منطقة ساوجبلاغ، حيث تم بناء جميع الديكورات لتشبه قرية «قنات ملك»، مسقط رأس الشهيد الحاج قاسم.
«أرض الملائكة»
فيلم «سرزمين فرشته ها» أي «أرض الملائكة» من تأليف وإخراج بابك خواجهباشا، وإنتاج منوتشهر محمدي، وهو إنتاج مشترك لمنظمة «سوره» السينمائية، وصُوِّر الفيلم في قالب درامي. وجاء في الملخص الرسمي للعمل: «في أرض الملائكة، تصنع امرأة بالحبّ والمقاومة معجزةً…». وبعد الفيلم الخالد «المتبقي» من إخراج الراحل سيف الله داد، يُعد «أرض الملائكة» ثاني عمل سينمائي إيراني بارز يتناول القضية الفلسطينية؛ إذ يتجه بعيداً عن المقاربات السياسية المباشرة نحو أطفال غزة، مسلطاً الضوء على حياتهم وأحلامهم في خضم الحرب.
وتشارك في الفيلم سُلاف فواخرجي، الممثلة العربية البارزة التي حصدت العديد من الجوائز في مهرجانات مختلفة، إلى جانب مجموعة من الممثلين الأطفال من إيران والعالم العربي، من بينهم ممثلون سوريون ولبنانيون.
«مارون»
فيلم «مارون» من إخراج أمير أحمد أنصاري وإنتاج مهدي صاحبي وهو عن حياة الشهيد «هدايت الله طيب». وجاء في ملخصه: «الخبز، السياسة، ومؤامرة زُرعت في عروق الأرض..». يروي الفيلم قصة «هدايت»، الذي ينحدر من جذور لُرّية، ويحمل ذكريات عميقة عن الأرض والزراعة في إحدى قرى ضفاف نهر مارون بمحافظة كهكيلويه وبوير أحمد، فيما يواصل دراسته في جامعة فلوريدا بالولايات المتحدة الأميركية. ويُعد «مارون» من إنتاج جمعية سينما الثورة والدفاع المقدس التابعة لمؤسسة «روايت فتح» الثقافية، وقد أُنجز بمشاركة ممثلين من إيران وروسيا وتركيا.
«غسّال الأحياء»
فيلم «زندهشور» أي «غسّال الأحياء» من إخراج كاظم دانشي، فيما كتب السيناريو محمد داودي. تدور أحداث «زندهشور» حول ليلة واحدة من عمل مرتضى زند، ممثل المدعي العام في المحكمة، الذي يصل إلى مدينة أخرى لتنفيذ حكم الإعدام بحق خمسة مدانين بجرائم قتل، غير أن تنفيذ الحكم الأول لا يكون سوى بداية سلسلة من الأحداث المتشابكة. وأوضح دانشي أن فيلمه يتناول مفهوم العفو، مشيراً إلى أنه، بحكم عمله السابق في مجال الأفلام الوثائقية، شاهد عن قرب حالات إعدام ويعرف أجواءها بشكل مباشر.
«إبنة السيدة بَري»
تولّى مهدي معتمدي في فيلم «دختر بري خانم» أي «إبنة السيدة بَري» مهام الإخراج والإنتاج وكتابة السيناريو، مقدّماً حكاية إنسانية تدور في زمن جائحة كورونا، ومواصلاً من خلالها رؤيته الشخصية المهتمة بالعلاقات الإنسانية. يتناول الفيلم قصة رجل في منتصف العمر يعتني بوالدته المسنّة داخل منزل قديم، فيما جاء في الملخص الرسمي: «تتحقق أمنية رجل، لكنه لم يعد يرغب فيها».
منصة ثقافية
يؤكد مهرجان فجر السينمائي، من خلال تنوّع أفلامه وتعدد رؤاه، مكانته كمنصة ثقافية جامعة تعكس حيوية السينما الإيرانية وقدرتها على ملامسة القضايا الإنسانية والوطنية بعمق فني.
