في معهد أبحاث الفضاء الإيراني

رصد الفيضانات والتنبؤ بها بالاعتماد على البيانات الفضائية

كبري أميري


 أعلن رئيس مركز أبحاث الفضاء عن تطوير منظومة متقدمة لرصد الفيضانات والتنبؤ بها، بالاعتماد على بيانات الاستشعار عن بُعد والنماذج العددية المتقدمة والتعاون العلمي الدولي، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات الإنذار المبكر والحدّ من الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية.
وقال جمال آغاياري، رئيس مركز أبحاث الفضاء في معهد أبحاث الفضاء الإيراني، إن المشروع الدولي المعنون «رصد الفيضانات في دول منظمة التعاون الفضائي لآسيا والمحيط الهادئ (أبسكو) وتشكيل لجنة تخصصية»، يشكّل إطاراً علمياً متكاملاً لتحليل وتطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر للفيضانات على المستوى الوطني، ويؤكد أهمية تصميم نماذج تشغيلية قابلة للتطبيق العملي في إدارة المخاطر الهيدرولوجية. وأوضح: أن هذه المنظومة جرى تنفيذها بصورة تجريبية في حوض نهر غرغانرود، حيث أظهرت قدرة على التنبؤ بحدوث الفيضانات حتى أفق زمني يصل إلى 73 ساعة، وذلك من خلال دمج البيانات الفضائية مع النماذج العددية الهيدرولوجية والهيدروليكية المتقدمة.
الفيضانات.. من أكثر الكوارث الطبيعية تكراراً في البلاد
تُعدّ الفيضانات من أخطر وأكثر الكوارث الطبيعية تكراراً في إيران، إذ تتسبب سنوياً في خسائر بشرية ومادية جسيمة. وتشير المعطيات التاريخية إلى أن أحواض بحر قزوين والخليج الفارسي وبحر عُمان، إلى جانب السفوح الغربية والجنوبية لسلسلة جبال زاغروس، تُعدّ من أكثر المناطق عرضة لمخاطر الفيضانات. ويُعزى ارتفاع مستوى المخاطر في هذه المناطق إلى تداخل مجموعة من العوامل، من بينها التعقيدات الطبوغرافية، وتكثّف الهطولات المطرية الغزيرة، وارتفاع الكثافة السكانية في المناطق المحاذية لمجاري الأنهار، فضلاً عن التوسع العمراني غير المنظم، ما يجعلها عرضة دائمة لأزمات ناتجة عن السيول المفاجئة.
قدرات الاستشعار عن بُعد في رصد الفيضانات وإدارتها
وقال آغاياري: أن تقنيات الاستشعار عن بُعد، المعتمدة على تحليل الصور الفضائية وبيانات الأقمار الصناعية، أصبحت أداة محورية في رصد الفيضانات وتحليلها وإدارتها. وتتيح هذه التقنيات مراقبة الظواهر أثناء وقوعها بدقة مكانية وزمانية عالية، ما يسمح بإنتاج خرائط تفصيلية لمناطق انتشار المياه وتقييم حجم الأضرار الناجمة عنها في مختلف المراحل. وأضاف: إن توافر أرشيف واسع من البيانات الفضائية على المستويين الوطني والدولي يوفّر أساساً علمياً لدراسة الفيضانات السابقة، واستخلاص الأنماط المتكررة، والتنبؤ بالمخاطر المستقبلية. كما أن الكلفة المنخفضة نسبياً لجمع ومعالجة هذه البيانات، مقارنة بالمنظومات الأرضية التقليدية، تجعل من تقنيات الاستشعار عن بُعد خياراً عملياً وفعّالاً في إدارة الأزمات الطبيعية.
فيضانات عام 2019؛ ودور معهد أبحاث الفضاء الإيراني
شكّلت الفيضانات الواسعة التي شهدتها إيران في نيسان/ أبريل 2019 نموذجاً بارزاً للتوظيف العملي للبيانات الفضائية في إدارة الأزمات. فقد طالت هذه الفيضانات محافظات كلستان ولرستان وخوزستان، وألحقت أضراراً بشرية ومادية كبيرة.
وخلال هذه الأزمة، قام معهد أبحاث الفضاء بتشغيل منظومات معالجة الصور الفضائية على مدار الساعة، وأعدّ خرائط آنية لمناطق انتشار الفيضانات. وفي هذا الإطار، جرى إنتاج 28 خريطة لمحافظة كلستان، وخريطتين لمحافظة لرستان، و9 خرائط لمحافظة خوزستان، ووضعت جميعها في تصرف مقار إدارة الأزمات، ما أسهم في تسريع عمليات اتخاذ القرار وتوجيه فرق الإغاثة.
التعاون مع «أبسكو»؛ وبرامج بناء القدرات
وأشار آغاياري إلى الدور المحوري لمنظمة التعاون الفضائي لآسيا والمحيط الهادئ (أبسكو) في دعم مشاريع رصد الفيضانات وتطوير القدرات الوطنية في هذا المجال. وأوضح أن هذا التعاون شمل تنفيذ برامج تدريبية تخصصية في مجال الاستشعار عن بُعد ونمذجة الفيضانات. وأضاف: إن معهد أبحاث الفضاء الإيراني نظم، بالتعاون مع أبسكو، ثلاث دورات تدريبية متخصصة، بلغت مدة كل منها 120 ساعة، بمشاركة خبراء ومتخصصين من ثماني دول أعضاء في المنظمة، ما أسهم في نقل المعرفة وتعزيز التعاون الإقليمي في مواجهة المخاطر الطبيعية.
منظومة غرغانرود؛ دمج النماذج العددية وأفق التنبؤ
تُعدّ منظومة رصد الفيضانات في حوض نهر غرغانرود من أبرز النماذج التطبيقية التي طوّرها معهد أبحاث الفضاء الإيراني. وتعتمد هذه المنظومة على الدمج المتكامل بين نماذج التنبؤ الجوي WRF، والنماذج الهيدرولوجية HEC‑HMS، والنماذج الهيدروليكية HEC‑RAS، إلى جانب البيانات الفضائية والقياسات الأرضية.
وتمكّن هذا التكامل من رفع دقة التنبؤات وتوسيع أفقها الزمني إلى 73 ساعة، ما يوفّر زمناً كافياً لإطلاق التحذيرات المبكرة واتخاذ الإجراءات الوقائية للحد من آثار الفيضانات على السكان والبنية التحتية.
إنشاء منظومة وطنية شاملة لرصد الفيضانات
وشدّد آغاياري على أن التجارب المكتسبة من المشاريع البحثية والتطبيقية تؤكد ضرورة إنشاء منظومة وطنية متكاملة وذكية لرصد الفيضانات في مختلف أنحاء البلاد. وأوضح أن هذه المنظومة ينبغي أن تكون قائمة على العمل المتواصل عبر الإنترنت، وأن تستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لرفع سرعة ودقة التنبؤات. وأشار إلى أن وجود مثل هذه المنظومة سيسهم في تعزيز جاهزية مؤسسات إدارة الأزمات، وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية، وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية الناتجة عن الفيضانات.
أهمية المشروع وآفاقه المستقبلية
وفي ختام حديثه، أكد رئيس مركز أبحاث الفضاء أن تطوير منظومات رصد الفيضانات والتنبؤ بها يُعدّ خطوة استراتيجية في مسار تعزيز الأمن البيئي وإدارة المخاطر الطبيعية في إيران. وأضاف: إن توظيف البيانات الفضائية، إلى جانب النماذج العددية المتقدمة والتعاون الدولي، يفتح آفاقاً جديدة لتطوير حلول علمية مستدامة قادرة على مواجهة التحديات المناخية المتزايدة في المستقبل.

البحث
الأرشيف التاريخي