وتشكيل للنظام العالمي

مجلس السلام في غزة.. بين أوهام الهيمنة الأميركية وتكريس الاحتلال الصهيوني

/ في منتصف يناير/ كانون الثاني 2026، أعلن  ترامب تأسيس ما سمّاه «مجلس السلام»،  في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية. ورغم أن الإعلان رُوّج له باعتباره مبادرة إنسانية لإعادة إعمار غزة بعد الحرب، فإن  قراءة متأنية للميثاق الذي صدر لاحقاً تكشف أن هذا المجلس لا علاقة له بغزة ولا بالقضية الفلسطينية، بل إنه كيان جديد صُمِّم ليكون أداة تركيز للسلطة في يد فرد واحد مدى الحياة، وليُشكّل بديلاً من الأمم المتحدة التي لم تكن يوماً طيّعة لإرادة ترامب. هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل نحن أمام مؤسسة دولية جديدة تسعى إلى تحقيق السلام، أم أمام مشروع سياسي-مالي يُكرّس الاحتلال الصهيوني ويُعيد تشكيل النظام الدولي على أسس أحادية؟
خلفيات تأسيس المجلس ومحاولة الالتفاف على الأمم المتحدة
منذ وصول ترامب إلى السلطة، اتّسمت سياساته الخارجية بنزعة فردية واضحة، قائمة على تقويض المؤسسات الدولية التقليدية، وعلى رأسها الأمم المتحدة. لم يكن خافياً أن ترامب يرى في المنظمة الدولية عقبة أمام طموحاته الشخصية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية أو بحقوق الشعوب المضطهدة. من هنا، جاءت فكرة «مجلس السلام» كبديل أكثر طواعية، يتيح له التحكم بالقرار العالمي بعيداً عن آليات التصويت الجماعي أو الالتزام بالقانون الدولي. الإعلان الأولي ركّز على غزة، لكن الميثاق النهائي تجاهلها تماماً، ما يكشف أن الهدف الحقيقي ليس معالجة آثار الحرب، بل إعادة  تشكيل النظام الدولي بما يخدم مصالح ضيقة.
البُنية التنظيمية.. سلطة الفرد الواحد
الميثاق ينصّ صراحةً على أن ترامب هو العضو الوحيد المسمّى بالاسم، ليس بصفته رئيساً للولايات المتحدة، بل بصفته الشخصية، وهو الرئيس الدائم مدى الحياة. يمتلك وحده حقّ تعيين الأعضاء وإقالتهم وإصدار القرارات من دون تصويت، فضلاً عن التحكم بالصندوق المالي بلا رقابة أو محاسبة. هذه البُنية تجعل المجلس أقرب إلى شركة خاصة أو إمبراطورية شخصية، لا إلى مؤسسة دولية جماعية. غياب ممثلين عن منظمات إنسانية كـ«الأونروا» أو «برنامج الأغذية العالمي» يعكس الطابع المالي والسياسي للمجلس، لا الطابع الإنساني.
الأهداف المضمرة.. من السلام إلى الهيمنة
رغم الخطاب المعلن عن «السلام» و«الإعمار»، فإن الأهداف الحقيقية تبدو مختلفة تماماً. المجلس يسعى إلى تركيز السلطة في يد فرد واحد، وتقويض دور الأمم المتحدة، وخلق غطاء دولي جديد يتيح لكيان العدو تعزيز مشروعه الاستيطاني والتوسعي. تغييب القضية الفلسطينية من الميثاق ليس صدفة، بل هو جزء من استراتيجية متعمّدة لتهميشها، وتحويلها إلى قضية غير موجودة في الوعي الدولي الرسمي، خلق غطاء دولي جديد يتيح للعدو الصهيوني تعزيز مشروعه الاستيطاني والتوسعي، تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية هامشية عبر تغييبها من الميثاق. بهذا المعنى، يصبح «مجلس السلام» أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي بما يخدم مصالح محددة، لا منصة لحل النزاعات أو دعم الشعوب المقهورة.
كيان العدو والفرصة الذهبية
العدو الصهيوني كان من أوائل الدول الذي سارع إلى الانضمام كعضو مؤسِّس، بل كداعم رئيس. فهو يدرك أن المجلس لا يشكّل آلية لإحلال السلام، بل فرصة استراتيجية لتعزيز هيمنتها تحت غطاء دولي جديد. النقاط الثلاث التي تحرّك الدول المشاركة تتطابق تماماً مع الأهداف الصهيونية طويلة الأمد: تكريس الاحتلال، توسيع الاستيطان، وتهميش القضية الفلسطينية. وجود ترامب كرئيس دائم يمنح العدو الصهيوني غطاءً سياسياً غير مشروط، ويخلق فراغاً قانونياً يمكن استغلاله لترسيخ الواقع الاحتلالي القائم على الأرض.
الانعكاسات على القضية الفلسطينية
غياب أيّ ذكر لغزة أو حقوق الفلسطينيين في الميثاق يعكس توجهاً خطيراً: تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية غير موجودة في الوعي الدولي الرسمي. هذا الغياب يفتح الباب أمام  كيان العدو لتكريس احتلاله، ويضعف أيّ آليات مساءلة أو محاسبة. الفلسطينيون يجدون أنفسهم أمام مؤسسة دولية جديدة، لا تعترف بهم ولا بحقوقهم، بل تُقصيهم من أيّ تمثيل حقيقي. حتى «اللجنة التقنية الفلسطينية» داخل المجلس لا تمتلك سلطة، وتخضع لتعليمات من شخصيات منحازة للعدو الصهيوني، كما أن أعضاء اللجنة لا يحملون هوية وطنية واضحة، ولا يمتلكون تفويضاً شعبياً، ما يجعلها مجرد واجهة شكلية بلا مضمون، فالهدف من وجودها تجميل صورة المجلس، لا تمثيل الفلسطينيين فعلياً.
البُعد المالي والسياسي.. نادٍ للنخبة الاقتصادية
المجلس يضم شخصيات من عالم المال والاستثمار، مثل رئيس البنك الدولي ومديري صناديق الأسهم الخاصة، إضافةً إلى سياسيين مثل توني بلير. هذا التركيب يوحي بأن الغرض من المشروع ليس السلام، بل الهيمنة المالية والسياسية، وإدارة الموارد والتحكم بها. التمويل يتم عبر صندوق خاص لقاء عضوية بالدولار، ما يجعل المجلس أقرب إلى نادٍ للنخبة الاقتصادية، لا إلى مؤسسة إنسانية. بهذا الشكل، يتحوّل «السلام» إلى سلعة تُباع وتشترى، بعيداً عن معاناة الشعوب.
تداعيات على النظام الدولي.. نهاية التعددية وبداية الأحادية
إنشاء «مجلس السلام» يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الدولي. إذا نجح ترامب في فرضه كبديل للأمم المتحدة، فإن ذلك يعني نهاية التعددية، وبداية مرحلة جديدة من الأحادية المطلقة. الدول التي تنضم تفعل ذلك بدافع الخوف من سخط ترامب، أو رغبة في الظهور كجزء من «النخبة الدولية»، أو لاستغلال مصالحها الثنائية معه. هذا الانضمام يعكس هشاشة النظام الدولي، واستعداد بعض الدول للتخلي عن المبادئ مقابل مصالح ضيقة.
قراءة نقدية في الخطاب المعلن
الخطاب الذي رافق الإعلان ركّز على «السلام» و«الإعمار»، لكنه خطاب فارغ من المضمون. السلام الحقيقي يتطلب الاعتراف بحقوق الشعوب، ومحاسبة المعتدين، وإعادة الإعمار على أسس عادلة. لكن المجلس يتجاهل كل ذلك، ويحوّل السلام إلى شعار دعائي. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يكشف عن طبيعة المشروع: أداة دعائية لتلميع صورة ترامب، وأداة سياسية لإعادة تشكيل النظام الدولي بما يخدم مصالحه ومصالح كيان العدو. ختاماً مجلس السلام» ليس مؤسسة إنسانية، بل مشروع سياسي-مالي يهدف إلى تركيز السلطة في يد فرد واحد، وتقويض دور الأمم المتحدة، وتكريس الاحتلال الصهيوني. غياب القضية الفلسطينية من الميثاق يعكس محاولة متعمّدة لتهميشها، وفتح الباب أمام العدو الصهيوني لتعزيز مشروعه الاستيطاني. الدول التي تنضم تفعل ذلك بدافع الخوف أو المصالح، لا إيماناً بالسلام. في النهاية، يبدو أن المجلس ليس سوى أداة جديدة لإعادة هندسة النظام الدولي، على حساب الشعوب المضطهدة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.

 

البحث
الأرشيف التاريخي