كيف أسهمت السياسات العسكرية الأمريكية في زعزعة استقرار العالم؟
/ في الوقت الذي تُطرح فيه مسألة «الأمن القومي» دائمًا بوصفها العنوان المتقدم في البيانات وعمليات صنع القرار داخل الكونغرس الأمريكي، تختبئ حقيقة بنيوية أعمق: سياسة ممنهجة قائمة على التدخل الواسع بهدف السيطرة على الموارد الحيوية في العالم، وتوسيع النفوذ الجيوسياسي، وتقويض الاستقرار الدولي.
يعتمد هذا التقرير، استنادًا إلى مصادر علمية موثوقة، وتقارير حكومية، ووثائق صادرة عن منظمات دولية، مقاربة تحليلية ومحايدة لتفكيك الأهداف الحقيقية والمخفية للنزعة الحربية الأمريكية في سياق العمليات العسكرية خلال العقدين الماضيين، ورصد آثارها الواسعة على الدول والمجتمعات المستهدفة.
من فيتنام إلى أفغانستان، ومن ليبيا إلى اليمن، يمتلئ التاريخ المعاصر بأمثلة على الوجود العسكري للولايات المتحدة في دول لم تكن بالضرورة أعداء مباشرين لها؛ لكنها لم تنسجم أيضًا مع مصالح واشنطن الهيمنية. هذه الحروب التي غالبًا ما قُدّمت تحت عناوين مثل «الحرب على الإرهاب» أو «مكافحة الاستبداد» أو «حفظ الأمن الدولي»، خلّفت في الواقع نتائج تجاوزت بكثير الأهداف المعلنة، سواء على مستوى الدول المعنية أو على مستوى النظام العالمي ككل.
الهجوم الأمريكي على فنزويلا؛ السيطرة على النفط واختطاف قيادات الدولة
الهجوم الأخير الذي شنّته الولايات المتحدة على فنزويلا جاء في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى السيطرة على الموارد النفطية لهذا البلد والإطاحة بحكومة نيكولاس مادورو. وقد ادّعت السلطات الأمريكية أن هذا التحرك يندرج ضمن مكافحة تهريب المخدرات أو مواجهة الفساد والاستبداد، إلا أنّ الواقع يُظهر أن هذه الذرائع استُخدمت أداةً لتأمين مصادر الطاقة وتوسيع النفوذ السياسي في دولة تمتلك احتياطيات نفطية هائلة.
وفي ذروة هذه الأزمة، جرى اختطاف الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو وزوجته في عملية سرّية، بوصف ذلك خطوة تأسيسية لتوسيع السيطرة الأمريكية على قطاع النفط الفنزويلي. ولم يعكس هذا التطور مجرد تحول في السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، بل أكد استمرار الصراع العالمي على موارد الطاقة.
العراق؛ ذريعة التحرير وهدف النفط
في عام 2003، شنّت الولايات المتحدة، بدعم من حلفاء مثل بريطانيا وبولندا وأستراليا، هجومًا عسكريًا على العراق. وقد رافقت هذا الهجوم حملة إعلامية مكثفة أقنعت الرأي العام بأن رئيس النظام البعثي البائد يمتلك أسلحة دمار شامل ويشكل تهديدًا للأمن العالمي؛ لكن مع مرور الوقت، أكد محللون أن الدوافع الحقيقية للعملية تمثلت في السيطرة على الاحتياطيات النفطية الضخمة للعراق، وترسيخ وجود عسكري طويل الأمد في قلب الشرق الأوسط.
لكن لاحقًا تبين أن التكلفة العسكرية الباهظة التي تجاوزت 270 مليار دولار، وتراجع صادرات النفط العراقية بنسبة 50٪، ومقتل أكثر من 250 ألف شخص، وتدمير البنية التحتية العراقية، وتنامي السخط الشعبي، لم تكن سوى جزء من التداعيات بعيدة المدى لهذا التدخل.
وفي النهاية، انهار حلم «الديمقراطية المستقرة» في بغداد، ليحل محله اضطراب عميق تجسد في صعود جماعات إرهابية مثل تنظيم داعش.
أفغانستان؛ صورة للحرب وتداعياتها المؤلمة
عقب الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كانت أفغانستان الهدف الأول لما سُمّي بـ«الحرب العالمية على الإرهاب»، حيث سارعت الولايات المتحدة إلى إسقاط حكم طالبان، وأقامت نظام جمهوري في كابول. غير أن هشاشة البنى الديمقراطية، واستشراء الفساد، والفقر الواسع، أدت إلى انزلاق هذه التجربة إلى دوامة من عدم الاستقرار.
خلال عشرين عامًا، قُتل أكثر من 230 ألف شخص، وأُنفقت أكثر من 211 مليار دولار. وفي 30 آب/ أغسطس 2021، انسحبت الولايات المتحدة بشكل كامل من الأراضي الأفغانية، وعادت طالبان إلى الحكم مجددًا. أمّا الانسحاب الفوضوي من كابول، وسقوط الحكومة المدعومة من الغرب بسرعة مذهلة، فقد أعادا إلى الأذهان مشاهد سقوط العاصمة الفيتنامية السابقة سايغون في فيتنام.
حرب فيتنام؛ هزيمة بحجم قوّة عظمى
بين عامي 1954 و1975، تحولت جنوب شرق آسيا إلى ساحة مواجهة بين قطبي الحرب الباردة. دخلت الولايات المتحدة الحرب بذريعة منع تمدد الشيوعية، وخاضت صراعًا دمويًا مع فيتنام الشمالية. تمركز أكثر من 500 ألف جندي أمريكي في البلاد؛ لكن المقاومة الشرسة لفيت كونغ، والدعم الصيني والسوفيتي، والغضب المتصاعد داخل المجتمع الأمريكي، أجبرت واشنطن في نهاية المطاف على الانسحاب.
تُعرف حرب فيتنام بحق بأنها «حرب أمريكا»، إذ شكّلت الهزيمة هناك أول تصدع كبير في صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى لا تُقهر. الخسائر البشرية الهائلة، وسقوط سايغون، وتراجع الثقة العالمية في سياسات البيت الأبيض، جعلت من هذه الحرب رمزًا لفشل النموذج التدخلي الأمريكي.
ليبيا وسوريا واليمن؛ خطوط المواجهة في الحروب بالوكالة
في عام 2011، وفّرت الاضطرابات التي عُرفت بـ«الربيع العربي» فرصة لتدخل القوى الغربية. دخلت الولايات المتحدة، إلى جانب حلف شمال الأطلسي، الصراع الداخلي في ليبيا تحت شعار حماية حقوق الإنسان؛ لكن إسقاط نظام القذافي لم يجلب الاستقرار، بل حوّل هذا البلد الغني بالنفط إلى ساحة للفوضى وانتشار الإرهاب. وانخفضت صادرات النفط بنسبة تصل إلى 70٪، فيما أصبحت السيطرة على الحقول النفطية الهدف الرئيسي للاعبين الخارجيين.
وفي سوريا، منذ عام 2013، دخلت الولايات المتحدة في صراع غير مباشر بين حكومة دمشق والجماعات المسلحة المعارضة. وقد أسهم الدعم العلني والضمني لبعض هذه الجماعات، تحت غطاء محاربة داعش، في توسيع دائرة الصراع وإضعاف الحكومة السورية. وأسفرت الحرب عن دمار واسع للبنية التحتية، ونزوح أكثر من خمسة ملايين لاجئ، وولادة تنظيم داعش.
أمّا اليمن، فمنذ عام 2015، فقد تحول إلى ساحة جديدة للتنافس الإقليمي والدولي. دعمت الولايات المتحدة التحالف العربي بذريعة حماية «الشرعية»؛ لكن النتيجة كانت تدمير ما يصل إلى 90٪ من البنى الخدمية، وارتفاع معدلات البطالة بشكل حاد.
الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة؛ قناع الأمن ولعبة الموارد
إن استقراء هذه الحروب مجتمعة يُظهر أن أولوية الولايات المتحدة لم تكن نشر الديمقراطية أو مكافحة الإرهاب، كما تزعم، بل السعي للسيطرة على الموارد الطبيعية الاستراتيجية مثل النفط والغاز، والتحكم بالمواقع الجغرافية الحساسة، وبسط النفوذ الجيوسياسي في مناطق الأزمات.
الخلاصة والآفاق المستقبلية والأهداف المعلنة والخفية:
في الخطاب الرسمي، تؤكد الولايات المتحدة التزامها بمحاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية؛ لكن التطبيق العملي يكشف أن السيطرة على الموارد، وتعزيز النفوذ الدبلوماسي، والتحكم بمسارات الطاقة الحيوية هي الأهداف الأساسية.
الآثار الاقتصادية:
- تدمير كلي أو جزئي للبنى التحتية الحيوية، تضخم الديون العامة، تراجع الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم، وهي نتائج شبه ثابتة في الدول المستهدفة.
الآثار الاجتماعية:
- تصاعد موجات الهجرة، انتشار الاضطرابات النفسية، تفكك النسيج الاجتماعي، ونمو الجماعات المتطرفة، وهي من أبرز الانعكاسات المباشرة للحروب على المجتمعات المحلية.
الآثار السياسية:
- اختلال موازين القوى وصعود الجماعات المتمردة وتعاظم تبعية الدول المتضررة للقوى الخارجية وتآكل الثقة بالحكومات المدعومة من الغرب.
الآثار بعيدة المدى:
- فتح مساحات جديدة للإرهاب وإضعاف السيادة الوطنية وتعميق الفوضى السياسية والاقتصادية، بما يقوض أي جهد لتحقيق استقرار مستدام.
في المحصلة، تُظهر تجربة الحروب الأمريكية في العالم، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، أن السياسات التدخلية للولايات المتحدة لم تفشل فقط في تحقيق أهدافها المعلنة، بل أسهمت بصورة متكررة في إنتاج كوارث إنسانية، وتدمير البنى التحتية، وتهديد الاستقرار الإقليمي والدولي. واليوم، تبدو إعادة قراءة هذه السياسات ضرورة تاريخية، ليس فقط للدول المتضررة، بل للولايات المتحدة نفسها.
