أوروبا موحدة في وجه مطامع أمريكا
ترامب يُهدد حلف الناتو بالتفكك.. قد يربح الجزيرة ويخسر القارة
/ أشعلت رغبة ترامب في ضم غرينلاند فتيل خلافٍ حاد داخل حلف الناتو، فقد تسببت التصريحات الأخيرة له بشأن ضم الجزيرة وفرض رسوم جمركية على دول أوروبية في أزمةٍ غير مسبوقة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأظهرت تصدعات عميقة في الثقة بين ضفتي الأطلسي، وطرحت تساؤلات جدية حول مستقبل التحالف الغربي الذي شكل حجر الزاوية في الأمن الأوروبي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا وتتحرك الدول الأوروبية على مسارين مختلفين، ففيما بحثت بروكسل حزمة عقوبات محتملة على شركات أمريكية كبرى وبنوك، أجمع سفراء الاتحاد الأوروبي على ضرورة تعليق الاتفاقية التجارية مع واشنطن؛ إلاّ أن المخاوف تتزايد من الانزلاق إلى أزمة تصعيد خطيرة بين الجانبين.
هل ترامب أول رئيس أمريكي يسعى للسيطرة على غرينلاند؟
أصرّ قادة الدنمارك وغرينلاند مرارًا وتكرارًا على أن غرينلاند ليست للبيع. وفي الأيام القليلة الماضية، تظاهر سكان غرينلاند احتجاجًا على رغبة ترامب في ضمّ غرينلاند. مع ذلك، سعى الأخير إلى ضمّ هذه المنطقة القطبية منذ ولايته الأولى، وهو ليس أول رئيس أمريكي يسعى إلى مثل هذه الصفقة.
فبعد شراء ألاسكا من روسيا عام ١٨٦٧، سعى وزير الخارجية آنذاك، ويليام إتش سيوارد، دون جدوى، إلى شراء غرينلاند. وفي الحرب العالمية الثانية، احتلت الولايات المتحدة غرينلاند بعد غزو ألمانيا للدنمارك، وأنشأت فيها منشآت عسكرية وإذاعية. ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بوجود دائمٍ لها حتى اليوم في قاعدة بيتوفيك الفضائية شمال غرب البلاد.
في عام ١٩٤٦، عندما كانت غرينلاند لا تزال مستعمرة دنماركية، عرض الرئيس هاري إس ترومان سرًا على الدنمارك مئة مليون دولار مقابل الجزيرة، لكن كوبنهاغن رفضت، لم يُطرح الاقتراح للعلن إلا في عام ١٩٩١.
لماذا يرغب ترامب في ضم غرينلاند؟
يُضفي موقع الجزيرة ومواردها الطبيعية أهمية استراتيجية بالغة على واشنطن. فهي تُعدّ جزءًا جغرافيًا من أمريكا الشمالية، وتقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي. ويبلغ عدد سكانها 56 ألف نسمة، معظمهم من السكان الأصليين من الإنويت.
تقع عاصمة غرينلاند، نوك، على بُعد 2900 كيلومتر (1800 ميل) تقريبًا من مدينة نيويورك، مقارنةً بالعاصمة الدنماركية، كوبنهاغن، التي تقع على بُعد 3500 كيلومتر (2174 ميلًا) شرقًا.
يُتيح موقعها أقصر الطرق الجوية والبحرية بين أمريكا الشمالية وأوروبا، مما يجعلها ذات أهمية استراتيجية حيوية للعمليات العسكرية الأمريكية وأنظمة الإنذار المبكر بالصواريخ. كما سعت واشنطن إلى توسيع نطاق تغطية الرادار حول الفجوة بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة لمراقبة تحركات روسيا والصين.
غرينلاند غنية بالمعادن، بما في ذلك معظم «المواد الخام الحيوية» المدرجة في قائمة الاتحاد الأوروبي، ومع ازدياد انفتاح القطب الشمالي بفعل تغير المناخ، تتزايد اهتمامات القوى الكبرى، كالولايات المتحدة وكندا والصين وروسيا، بمواردها غير المستغلة.
كيف ردّت أوروبا على تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية؟
يُثير طموح أمريكا لضم غرينلاند نزاعًا حادًا داخل حلف الناتو. فقد أعلن ترامب، غاضبًا من معارضة الحلفاء الأوروبيين لجهوده لضم الإقليم الدنماركي ذي الحكم الذاتي، في 17 يناير/كانون الثاني، أنه سيفرض رسومًا جمركية بنسبة 10% على الواردات من ثماني دول أوروبية كانت قد أرسلت قواتها إلى هناك قبل يومين، وأكد القادة الأوروبيون أنهم لن يرضخوا للترهيب.
فقد اجتمع جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي البالغ عددهم 27 عضوًا في اجتماع طارئ يوم الأحد لمناقشة مجموعة من الخيارات للرد على التهديدات الاقتصادية التي يوجهها ترامب، بما في ذلك فرض تعريفات جمركية انتقامية وقيود على أسواق الشركات الأمريكية.
ويمتلك الاتحاد الأوروبي أداة للدفاع عن نفسه ضد الضغوط التجارية، وهي لائحة تُطبق في الحالات التي تحاول فيها دولة ثالثة استخدام تدابير تجارية لإجبار الاتحاد أو دولة عضو على اتخاذ قرار معين. وتسمح هذه اللائحة بفرض رسوم جمركية مضادة والعديد من الإجراءات الأخرى، على الرغم من أن هذه الأداة لا تستخدم إلا كملاذٍ أخير. وتؤثر الرسوم الجمركية المهدد بها في الدول التي أرسلت في الآونة الأخيرة جنوداً في مهمة استكشافية إلى الجزيرة القطبية التي تُمثل محور النزاع. تتيح هذه الآلية، التي لم تُستخدم من قبل، فرض قيود شاملة على الاستثمارات وسحب حماية الملكية الفكرية للشركات الأجنبية في الاتحاد.
في المحصلة هذه الخطوات المتبادلة من الحرب الاقتصادية بين أمريكا والاتحاد الأوروبي ستُضعف العلاقات عبر الأطلسي، كذلك تُهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة، وستؤدي بطبيعة الحال إلى وضع اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي جرى التوصل إليها العام الماضي، موضع تساؤل.
خسائر متبادلة للطرفين
يعتقد عدد من القادة الأوروبييين أن هذه الحرب التجارية ستؤدي إلى خسائر متبادلة بين الطرفين فقد أكدت وزيرة الزراعة الفرنسية آني جونوفار، أنّ ترامب الذي يُهدّد دولاً أوروبية بفرض رسوم جمركية سيخسر الكثير وأن هذا التصعيد قد يكون كارثياً على الاتحاد الأوروبي وعلى الولايات المتحدة أيضاً.
وفي هذا السياق، ظهر رفض في الداخل الأمريكي لتصريحات ترامب، فقد أعلن زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي، تشاك شومر، إنه سيسعى لمنع الرسوم الجمركية التي هدد ترامب بفرضها على حلفاء أوروبيين بسبب النزاع على جزيرة غرينلاند. فهو يعتبر أن هذا التصرف المتهور سيؤدي إلى رفع الأسعار والإضرار بالاقتصاد الأمريكي مؤكداً أن الديمقراطيون سيقدمون في مجلس الشيوخ تشريعاً لمنع هذه الرسوم الجمركية قبل أن تُلحق المزيد من الضرر بالاقتصاد الأميركي وبحلفاء أمريكا في أوروبا.
كذلك أشارت استطلاعات الرأي إلى أن المواطنين الأمريكيين لا يؤيدون ضم واشنطن لغرينلاند. هذا الأسبوع، أظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إيبسوس وشمل سكان الولايات المتحدة أن أقل من واحد من كل خمسة مستطلعين يؤيدون فكرة ضم غرينلاند.
الأزمة الأخطر في تاريخ حلف الناتو
تُعد الأزمة الحالية التي تضرب حلف الناتو الأكثر خطورة منذ تأسيسه، إذ تمس الدور الأميركي نفسه الذي يعتبر العمود الفقري العسكري والسياسي للناتو، ولكن الخطر الذي يُهدد حلف الناتو اليوم هائل.
والجدير ذكره أن الخلافات بين أعضاء الناتو ليست بالأمر الجديد. ففي الفترة الممتدة من الخمسينيات إلى السبعينيات، خاضت بريطانيا وأيسلندا ما يُعرف بحروب سمك القد، حيث فتحت السفن الأيسلندية النار عام 1975. كما أن تركيا دخلت في صراع مباشر مع الجيش القبرصي اليوناني وبعض القوات اليونانية، وردّت اليونان بالانسحاب من القيادة العسكرية المشتركة لحلف الناتو لمدة ست سنوات، وغيرها من الأحداث.
ولكن لم يكن لهذه المناوشات تأثير يُذكر على المدى البعيد. إن التهديد الأمريكي لغرينلاند أشد خطورة بكثير لأن الولايات المتحدة لا تزال الركيزة السياسية والعسكرية لحلف الناتو. فقد شغل جنرال أمريكي منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا لمدة 75 عامًا، ووضع خطط الدفاع الخاصة بحلف الناتو لأوروبا، بما في ذلك غرينلاند، القائد الأعلى السابق، كريس كافولي، وتتضمن هذه الخطط مشاركةً أمريكية واسعة، ويتولى ضباط أمريكيون زمام القيادة في جميع القيادات الرئيسية، هذا كله يجعل لأي تصدع في العلاقة مع واشنطن ذا تبعات إستراتيجية واسعة.
ويرى محللون أن ضم غرينلاند، حتى دون مواجهة عسكرية مباشرة، سيُشكل صدمة عميقة للأوروبيين، ويضعف ثقتهم في التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها في مواجهة التهديد الروسي. ختاماً إن طمع أمريكا في غرينلاند يُهدد حلف الناتو بالتفكك، فقد يكسب دونالد ترامب الجزيرة ويخسر القارة.
