الصفحات
  • الصفحه الاولي
  • محلیات
  • اقتصاد
  • دولیات
  • الثقاقه و المجتمع
  • مقالات و المقابلات
  • الریاضه و السیاحه
  • عربیات
  • منوعات
العدد سبعة آلاف ومائتان وتسعة عشر - ٢٥ أبريل ٢٠٢٣
صحیفة ایران الدولیة الوفاق - العدد سبعة آلاف ومائتان وتسعة عشر - ٢٥ أبريل ٢٠٢٣ - الصفحة ٥

رحيل الأديبة الفلسطينية التي واجهت المركزية الغربية وتشويه صورة العرب

سلمى الخضراء الجيوسي.. سفيرة الأدب العربي إلى العالم

الوفاق/ دون شك لا تُخفى أهمية الكتاب والقراءة على أحد، مع الكتاب والقراءة نسافر عبر الزمان والمكان والخيال إلى شتى البقاع والأصقاع، نعيش الحاضر ونسترجع الماضي ونقتحم المستقبل بشتى علومه وأسواره، ونعيش مع كل كتاب حياة أخرى، ونزور عوالم جديدة بلا أجنحة ولا أقدام، وقد صدق الشاعر العربي الكبير المتنبي حين قال: "أعز مكان في الدنيا سرج سابح/ وخير جليس في الزمان كتاب". للكتاب شأن رفيع بما أنه هو خلاصة أفكار المؤلف ونتيجة علمه ودراساته الواسعة في الكتب العلمية والأدبية، وبذر حب الأدب في النفوس منذ نعومة الأظفار موجودة عند العديد من الأشخاص، فهي جزءا لا يتجزأ من ثقافة الحياة والعمل وجسر يربط بين الأجيال وعبر الثقافات، فيوم الأحد الماضي تزامن مع اليوم العالمي للكتاب، ومن جهة أخرى قبل أيام فقدنا الأديبة والشاعرة والناقدة والمترجمة الفلسطينية الدكتورة سلمى خضراء الجيوسي التي تركت إرثاً كبيراً من العلم والأدب في كتبها القيّمة، رحلت عن عالمنا عن عمر يناهز الـ 95 عاماً، بعد مسيرة أدبية وأكاديمية طويلة. ونعت وزارة الثقافة الفلسطينية الجيوسي في بيان. وقال وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف: إنّ "الثقافة الفلسطينية والعربية خسرت أكاديمية فلسطينية كرّست حياتها لنشر الفكر والثقافة الفلسطينية والعربية، وأنّه كان للجيوسي أدوار وطنية وثقافية متعددة، ساهمت في رفعة شعبنا وإعلاء ثقافته وتعميمها على العالم، وتقديم أدبه إلى قراء اللغة الإنكليزية خاصة، وكانت طوال عمرها مدافعة عن قضية شعبها وعن حضارته ومنجزاته المعرفية والفكرية، وإبداعاته الفنية والأدبية".
ويؤكّد أبو سيف أن الجيوسي "آمنت بقوة الثقافة في التعبير عن الهوية الوطنية، وعن الحق التاريخي وفي الكفاح من أجل استعادة البلاد، وكانت بقوة الكلمة تعبر عن رواية شعبها صاحب الحق وصاحب البلاد".
قدّمت صنوف الإبداع العربي
تُعدّ الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي من أبرز المشتغلين على تاريخ الأدب العربي ونهضة الحضارة العربية الإسلامية ضمن مشروعها القائم على مواجهة ادعاءات مركزية الثقافة الغربية. وعلى مدار أكثر من نصف قرن، قدّمت أبحاثاً معمّقة باللغتين العربية والإنكليزية حول تأصيل الكتابة والفنون وصنوف الإبداع العربي منذ ما قبل الإسلام وحتى العصور الوسيطة، وأعمالاً موسوعية أحاطت بهذا التراث الثريّ المتعدّد، واعتُمد بعضٌ من هذه المؤلّفات مراجع علمية معتمدة في عدد من الجامعات والمراكز البحثية الغربية. الجيوسي، التي يُختلف في عام ميلادها بين سنوات 1926 و1927 و1928، رأت النور في مدينة السلط الأردنية في نيسان/ أبريل.
والدها صبحي الخضراء كان أحد السياسيين الفلسطينيين الأوائل الذين انخرطوا في العمل من أجل وحدة العرب وحقوقهم، ووالدتها أنيسة يوسف سليم تنتمي إلى عائلة لبنانية شارك أبناؤها في الثورة السورية ضدّ الاستعمار الفرنسي.
رائدة الترجمة والشعر والنقد
قليلة هي الأسماء النسائية في الأدب والشعر الفلسطيني، ولكن التميز بينهنّ ذات جودة ونوعية، وذلك للمصاعب التي يواجهنها لتظهر أسماؤهن للملأ، فلا يصعد منهن إلا ذوات الكفاح والنضال من أجل رسالتهن. وإذا كان الشعر الفلسطيني قد توّج فدوى طوقان، فإن الأدب والترجمة توَّجتا سلمى الخضراء الجيوسي، تُعدّ الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي رائدة الترجمة والشعر والنقد.
صحيح أنها ابنة المدينة، وصحيح أنها متعددة اللغات، ومتخصصة بالموسوعات والترجمات، إلا أنها كانت سبّاقة لعصرها في الشعر الفلسطيني، أكاديمية ميدانية لا تتوانى عن السفر من أجل إنتاجها الإبداعي.
انخرطت الراحلة أيضاً في السجال الذي دار حول تجديد الشعر العربي، وكانت صوتاً فاعلاً من خلال كتاباتها النقدية في عدد من المجلّات العربية، تناولت خلالها بنية القصيدة الجديدة وآراءها في تجارب أسماء مثل أدونيس ومحمد الماغوط وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وجبرا إبراهيم جبرا وخليل حاوي، وراكمت مدوّنتها النقدية المؤثرة في الشرق والغرب حتى كتبت التقرير الخاص بـ"جائزة نوبل" حول الأدب العربي، والذي على إثره استحق نجيب محفوظ الجائزة
عام 1988.
ومنذ الستينيات، عملت بشكل موازٍ على الترجمة من وإلى العربية، وأسّست لاحقاً مشروعها الكبير "بروتا" لترجمة موسوعات وكتب في الحضارة العربية الإسلامية، وروايات ومسرحيات وسيراً شعبية وأنطولوجيات شعرية وغيرها من العربية إلى الإنكليزية، من بينها "موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر" بالإنكليزية أيضاً، والتي قدّمت فيها العديد من التجارب البارزة إلى القارئ الغربي.
الجوائز
حظيت الدكتورة الجيوسي بتكريمات عربية عديدة، من بينها: "وسام القدس للإنجاز الأدبي" (1990) من "منظمة التحرير الفلسطينية"، و"جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي" من "مؤسسة سلطان العويس الثقافية" (2007)، و"جائزة الشيخ زايد للكتاب" (2020)، و"جائزة محمود درويش للإبداع" (2023).
الإتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث
في النقد الأدبي صدر لها باللغة الإنجليزية عدد من الكتب، مثل: "الشعر العربي الحديث" (1987)، و "أدب الجزيرة العربية" (1988) و "الأدب الفلسطيني الحديث" (1992)، لكن كتابها النقدي الأشهر، والمعتمد عند الرعيل المؤسس لنقد الشعر الحديث، هو "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث" في جزءين عام 1977، وقد نقله إلى العربية الناقد والمترجم العراقي عبد الواحد لؤلؤة.
 يدرس هذا الكتاب تطور الشعر العربي الحديث منذ عصر النهضة حتى سبعينيات القرن العشرين بوصفه شكلا فنّيا، ويبرز أنّ هذا التطور كان عضويّا ينبع من داخل الفن نفسه ويسير في خط لا تقرره التطوّرات الاجتماعية والثقافية وحدها، بل كذلك تقرره – إلى حد بعيد- الحاجة الفنية التي يمليها الفن نفسه.
 ويتألف الكتاب من ثمانية فصول هي: "الجذور الثقافية للشعر العربي الحديث"، "بواكير التطور في القرن العشرين"، "استمرار التطور الشعري في الوطن العربي"، "التيار الرومانسي في الشعر العربي الحديث"، "ظهور الإتجاه الرمزي في الشعر العربي الحديث"، "عبود ومندور وأثرهما النقدي في الشعر"، "تغيرات جذرية بعد 1948"، "إنجازات الشعر الجديد حتى مطلع السبعينيات"، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة وملاحق مفردة لنظرية محمد مندور في النبر، ولتجارب قديمة كبرى في الشكل. فالكتاب مرجع شامل للحركات والاتجاهات التي عرفها الشعر العربي الحديث، ولتطور النقد الذي عاصرها جميعا. وحررت الأديبة الراحلة بمجهودها الشخصي عشرات الموسوعات والكتب والدراسات بالإنجليزية لتعريف العالم الغربي بكنوز الحضارة العربية الإسلامية القديمة والحديثة، وروت في حلقة من برنامج "رائدات" الذي بثته قناة الجزيرة رحلة عائلتها وبداياتها من الوعي السياسي إلى الأدب والترجمة.
وقالت الجيوسي: "رسالتنا تقوم على إعادة الحياة لتراثنا، وقد أصبحت المعرفة ميسرة، وصراعنا مع الآخر معرفي وثقافي، إننا في صراع مع عدو لئيم يستعمل المعرفة والثقافة وسيلة للسيطرة والهيمنة، وقد مر من خلال الجهل، وبالتالي فإن الرد هو العلم والإبداع في الثقافة والأدب والفنون".
موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر
هذا السفر الفريد والشامل يقدم للقارئ أوسع المنتخبات من الأدب الفلسطيني المعاصر، إذ يضم مختارات واسعة من الشعر والقصص، ومقاطع من الروايات وكذلك قصائد مترجمة لبعض الشعراء الذين يكتبون باللغة الإنجليزية، وتضم الموسوعة أيضاً فصولاً من السيرة الذاتية للكتاب الفلسطينيين تصور المظاهر المختلفة لحياتهم منذ مطلع القرن حتى الآن.إنها تصور الحياة في فلسطين قبل العام 1948 وخلال حربي 1948 و1967، وهي تنبض بالتجارب والأجواء التي عاشها الفلسطينيون في المنفى وتحت الاحتلال، إذ جرى اختيار أجيال عديدة من الكتاب الفلسطينيين سواء ممن صمدوا في أراضيهم من عرب الداخل أو في قطاع غزة والضفة الغربية، أو من أولئك الذين كتبوا من منظور شتاتهم في المنافي وصوروا الأزمة التي عاشها شعبهم.
كذلك جرى تقديم نبذة عن حياة الأدباء وتقديم استعراض لأهم المفاصل التاريخية الفلسطينية من شأنه أن يساهم في فهم خلفية بعض الأحداث والمواقع التي ورد ذكرها في النصوص.
أما المقدمة التي كتبتها المحررة فقد قدمت مسحاً نقدياً شمولياً ومكثفاً لتاريخ الأدب الفلسطيني في القرن العشرين. ويثبت هذا الكتاب أنه، حتى في ظل أقسى ظروف القهر السياسي، يمكن للمواهب الأدبية أن تتفتح وتنضج فنياً. إن هذا العمل الفذ سوف يعين القراء ويلهمهم لسنوات عديدة قادمة.
وعن مشروعها، قالت الجيوسي: "حاولت إدخال أفضل ما عند العرب من إبداع ضمن الموسوعة، وأظن أن كل إضافة تأخذ مكانها، وتنعكس على مكانتنا الثقافية".
بيتها مركز للدراسات
والجيوسي -التي درست في السودان والجزائر وأميركا- لطالما حلمت بأن تنجز تاريخ الشعر العربي منذ الجاهلية، وكانت مؤسسة قائمة بذاتها، وكان بيتها مركزا للدراسات برفوفه وصناديقه التي تطوي مغاليقها على مشاريع وكتب.
ولا شكَّ أن من عرف سلمى الجيوسي يستطيع أن يلمس في خطابها، وحديثها اليومي، ووعيها الذاتي بفلسطينيتها أولاً، وفي كونها امرأة ثانياً، تلك الخيوط المؤسسة التي صاغت تجربتها الشخصية، والأدبية، والثقافية.

 

 

 

 

البحث
الأرشيف التاريخي