المؤلف السیاسی الفلسطینی الدکتور محمد البحیصی للوفاق:
الضفة.. التحدّی الأکبر لأجهزة العدو الصهیونی
اشتعال الداخل الفلسطینی فی الأراضی المحتلة من أسخن الملفات الطارئة على مکاتب مراکز أبحاث الإحتلال الصهیونی المؤقت، وقضیة تسلیح الضفة وتسارع عملیات الشباب الفلسطینی الجبّار ضد الجیش الصهیونی ومغتصبی الاراضی الفلسطینیة المحتلة هو العنوان الأبرز فی الحیاة السیاسیة الداخلیة للکیان العبری المتهالک، هواجس و مخاوف کثیرة تدفع قادة الإحتلال الى التخبط المستمر فی ظل تصاعد مستوى عملیات المقاومة الفلسطینیة.
على هذا الاساس، بدورها نقلت صحیفة الوفاق هذه التساؤلات الى الکاتب والباحث والمؤلف السیاسی الدکتور محمد البحیصی من غزة فلسطین، رئیس جمعیة الصداقة الفلسطینیة الإیرانیة من فلسطین. 
سابقاً کانت عملیات الضفة تتم ببنادق ومسدسات قدیمة وتحدث أثراً بالغاً فی الساحة الفلسطینیة، ماذا سیتبدل عند دوائر الاحتلال الأمنیة والعسکریة أمام انتشار الأسلحة الحدیثة بین أیدی الشباب الفلسطینی المقاوم؟
للضفة الغربیة موقعاً متمیزاً فی المعرکة مع العدو الصهیونی، ذلک أنّها تقع على هضبة تتحکّم بأکتاف الکیان، ولا یفصلها عن مدنه الکبرى سوى بضعة کیلومترات، ناهیک عن کونها تضم القدس والمسجد الأقصى وما یعنیه ذلک من رمزیة ومرکزیة فی معادلة الصراع، وإذا کانت غزّة من موقعها تطلق النار على أقدام الکیان، فإنّ الضفة من موقعها تطلق النار على رأسه، ومن هنا فإنّ الاحتلال یرى أنّ معرکته الکبرى مع الفلسطینیین هی فی الضفة ومنها القدس، ولیس فقط لمکانتها الأیدیولوجیة لدى الیهود، ومرکزیّتها فی وعیهم عبر روایة (یهودا والسّامرة)، وهی الروایة التی اعتمد علیها مؤسسو الحرکة الصهیونیة فی الترویج لمشروعهم الاستیطانی الإحلالی، وإنّما لدیمغرافیتها القاتلة بالنسبة لـ "إسرائیل".
وقد کانت الضفة فی فترة العشرینیات والثلاثینیات وحتى 1948 من القرن الماضی مرکزاً للثورات والهبّات الفلسطینیة وأهمّها ثورة الشهید الشیخ عز الدین القسّام الذی استشهد فی أحراش یعبد بجنین فی العام 1935، حیث لم یکن فی ذلک الوقت شیء اسمه (الضفة)، وإنّما عُرفت هذه المنطقة بهذا الاسم بعد نکبة 1948 وبعد إلحاق الجزء المتبقی من فلسطین غربی النهر بإمارة شرق الأردن وإعلان المملکة الأردنیة الهاشمیة تخلیها عن الضفة الشرقیة، وبهذا المعنى فإنّ الضفة بمدنها وقراها وأریافها ولاجئیها ومواطنیها تختزن إرثاً جهادیاً کبیراً، حیث حاول النظام الأردنی تغییبه إلّا أنّه وبعد العام 1967 عاد من جدید لیعبّر عن الوطنیة الفلسطینیة من خلال انخراط أبناء الضفة فی الثورة الفلسطینیة والعمل الفدائی والانتفاضات.
لکلّ هذا کانت سلطات الاحتلال ولا تزال ترى فی الضفة الخطر الأکبر على وجود الاحتلال، ومن هنا جاء ترکیزها وعبر أدوات سلطة أوسلو لضبط الأمن، وقامت بمحاولات مستمیتة لمنع وصول السلاح إلى أیدی شباب الضفة من خلال المداهمات والتفتیش والاعتقال ومصادرة کل أدوات الدفاع عن النفس حتى سکین المطبخ کما صرّح بذلک رئیس السلطة محمود عباس.
وقد کان سماحة قائد الثورة الإسلامیة الامام السید علی الخامنئی (حفظه الله) أول من لفت النظر إلى هذه المسألة أی مسألة تسلیح الضفة واعتبرها أولویة تتحمّل مسؤولیتها الفصائل الفلسطینیة لإدراک من سماحته على أهمیة هذا الأمر وما یمثّله من دور فاعل وحاسم فی معادلة المعرکة، وهو ما نرى نتائجه هذه الأیام حیث باتت الضفة تمثّل التحدّی الأکبر أمام أجهزة العدو العسکریة والأمنیة، وحتى أمام أجهزة السلطة الفلسطینیة التی تقوم على قاعدة التنسیق الأمنی مع العدو، والتی خرج بین صفوفها العدید من المجاهدین والشهداء فی الآونة الأخیرة.
ما موقف المخابرات الصهیونیة بعد دعوة سماحة القائد الامام السید علی الخامنئی( حفظه الله) الذی دعا لتسلیح الضفة الغربیة مع ما تملک التجربة الإیرانیة من جدّیة الالتزام وقوة التنفیذ لهذا الأمر؟
بلا شک أنّ دعوة السید قائد الثورة الإسلامیة کان لها الدّور المرکزی فی تحفیز الشباب الفلسطینی، والقوى المقاومة الفلسطینیة لإعادة الضفة إلى موقعها ومکانها الطبیعی فی بؤرة الصراع مع العدو، وقد رأینا ثمرات هذا منذ العام 2015 فی صورة العملیات الفردیة البطولیة التی ابتدعها الشباب الفلسطینی، وذلک استجابة لدعوة سماحته، ولإیمان الشباب الفلسطینی بضرورة أداء الواجب والتکلیف الإلهی إزاء تغوّل المشروع الصهیونی، وانبطاح النظام الرسمی العربی وسقوطه.
وقد انکبّت الأجهزة الأمنیة الصهیونیة ومعها مراکز الأمن القومی والدراسات والبحوث الأمنیة على دراسة هذه الظاهرة فی محاولة لتحلیلها واستیعابها وتقدیم الحلول الأمنیة والاقتصادیة والإعلامیة لها، ولکن دون جدوى، وسنة وراء سنة کان الخط البیانی للمقاومة فی الضفة یتصاعد جنباً إلى جنب مع بناء القوة فی غزة رغم الحصار والحروب التی تعرّضت لها.
بین اراضی ١٩٤٨ و ١٩٦٧، وبعد إعلان الاحتلال مراراً اعتقاله لخلایا تعمل بإمرة إیرانیة على حد قوله، خلایا رصدت لبناء وتشکیل مجموعات عسکریة.. ما هو السیناریو المتوقع فی الأیام القادمة للضفة وأهلها فی ظل حالة غلیان الشارع الفلسطینی ؟
کان العدو الصهیونی ولا یزال یراهن على تقسیم الشعب الفلسطینی إنساناً وجغرافیة لإدراکه أنّ وحدة هذا الشعب تمثّل الخطر الوجودی لکیانه الغاصب.
ولأجل هذا الهدف تحرّک العدو فی کل الاتجاهات لتمزیق وحدة هذا الشعب، وسلخ بعض فئاته عن الهم الوطنی، وعن تطلّعات أبنائه للتحرّر من الاحتلال، وإنهاء الوجود الصهیونی على أرضه.. ولهذا رأینا الفصل بین غزّة والضفة والـ48، والقدس وحتى مخیمات الشتات..
وقد جرّب الاحتلال نتائج وحدة الشعب فی مراحل نضاله، وکانت الانتفاضة الأولى انتفاضة الحجارة نموذجاً لهذه الوحدة، حیث دقّ العدو ناقوس الخطر من أن تتعمّق هذه الوحدة وتتصاعد فاعلیتها، ومن هنا جاء التفکیر الصهیونی بإیجاد السلطة الفلسطینیة عبر اتفاق أوسلو الذی دقّ إسفیناً فی الجسد الفلسطینی.
ومع هذا فقد ظلّت وحدة الشعب هدفاً یسعى إلیه مخلصو هذا الشعب وهذه الأمّة حتى کانت معرکة سیف القدس فی مایو 2021، تلک المعرکة التی دشّنت مرحلة جدیدة من مراحل وحدة شعب فلسطین فی کل أماکن تواجده، وکان لفلسطینی 1948 عبر هبّتهم الکبیرة أثناء المعرکة، والنماذج الاستشهادیة التی قدّموها بعد ذلک رسالة قویة وواضحة على ما ینتظر العدو فی مستقبل الأیام جرّاء الفعل الفلسطینی المقاوم..
مع تزاید وتیرة عملیات الشباب الفلسطینی المقاوم بفعالیة اکبر بعد التسلیح.. هل نحن أمام بدایة النهایة لوجود الاحتلال الصهیونی لأرض فلسطین العربیة ؟
لقد وُلد الکیان الصهیونی فی ظروف دولیة وإقلیمیة منحته شرعیة زائفة، ولذا فإنّه ومنذ الیوم الأول لنشأته کان یحمل بذور فنائه، حیث لا مستقبل لهذا الکیان فی هذه الأرض، وکل حقائق الدین والتاریخ والواقع تؤکّد على هذه الحقیقة.
وعلیه فإنّ مراکز الدراسات الاستراتیجیة فی الکیان، وکبار الباحثین والمفکّرین یصرخون لیل نهار کی یؤجّلوا انهیار هذا الکیان، وقد رأینا کیف أنّ قادتهم أمثال نتنیاهو، وباراک وغیرهما قد کتبوا فی الآونة الأخیرة عن عقدة (العقد الثامن).
ولقد کانت القبضة الأمنیة الحدیدیة فی الأرض المحتلة ولا سیّما فی الضفة، مع ما تقدّمه السلطة الفلسطینیة من خدمات أمنیة، من الأسباب الرئیسیة التی وفّرت للعدو أجواء هادئة أمنیاً، وأعطته الفرصة للتغوّل على الأراضی الفلسطینیة عبر زرع مئات المستوطنات والبؤر الاستیطانیة، وعلى القدس عبر محاصرتها بالمستوطنات وزرع مئات آلاف المستوطنین فی أحشائها.. وقد جاء على لسان مسؤولی السلطة الفلسطینیة مراراً أنّ الاحتلال الإسرائیلی فی الضفة تحدیداً هو الاحتلال الأقل کلفة فی العالم.
ومن هنا فإنّ رفع کلفة الاحتلال عبر العملیات العسکریة والمواجهات الیومیة هو الذی سیغیّر ویقلب المعادلة، وهو الذی سیحشد الشباب حول مشروع المقاومة المشروع الوحید والخیار الأوحد أمام الشعب لتوحید صفوفه وانتزاع حریته.
الخوف الصهیونی القادم هو أن تصبح کل مستوطناته ومدنه المغتصَبة غلاف تماس مع المدن والقرى العربیة، وهذا ما یؤرّق الاحتلال.. إلى أی مدى ممکن أن یتمادى العدو لمنع هذا الأمر وما هو موقف المقاومة الفلسطینیة ؟
کما أسلفت فإنّ مقتل الکیان الصهیونی یکمن بالأساس فی الضفة، وهی فی نفس الوقت تعد مرکز مشروعه الخرافی، فإذا اتّسعت دائرة الفعل المقاوم فی الضفة فإنّ هذا یعنی أنّ أکثر من /400/ مستوطنة وبؤرة استیطانیة وما یُقارب الـ/800/ ألف مستوطن، سوى نصف هذا العدد فی القدس (الشرقیة) سیکونون فی دائرة الخطر المباشر، وبالفعل ستکون کل خطوط التماس مع المستوطنات جبهات مفتوحة، ممّا یؤدی إلى:
1- وقف عملیة الاستیطان، وکذلک توقّف الهجرة الیهودیة إلى الکیان.
2- بدء عملیات الإخلاء من المستوطنات.
3- الدفع باتجاه الهجرة المعاکسة.
4- انضمام ساحات فلسطینیة أخرى وانخراطها فی المواجهة ولا سیّما الداخل فی الـ 48.
5- انهیار السلطة الفلسطینیة والتحاق الألوف من منتسبیها بالمقاومة.
هل هناک دور للسلطة الفلسطینیة فی محاولة منع تسلیح الضفة الغربیة وکیف یمکن تجاوز الأمر ؟؟
علّة تأسیس السلطة کان هو البعد والدور الأمنی، بمعنى أنّ السلطة وبحسب اتفاق (أوسلو) جاءت لتقوم بدور وکیل الاحتلال والحارس له، ورفع کلفة الاحتلال عنه، وبات (التنسیق الأمنی) هو العنوان الأبرز فی وظائف السلطة، بل هو الوظیفة التی تحفظ بقاء السلطة بنظر الرؤیة الصهیونیة.. وعلیه فإنّ منع المقاومة، وملاحقة کل أشکالها حتى بالکلمة تحت عنوان التحریض کان هو الشغل الشاغل للسلطة، وقد مارست السلطة القتل والمطاردة والاعتقال والفصل من الوظیفة، والحصار على کل من وقع فی دائرة شکّها بأنّه یقاوم أو یدعم أو یتعاطف مع المقاومة...
وأکثر من هذا فإنّ الجنرال الأمریکی (دایتون) المشرف على تدریب وتأهیل کوادر السلطة کان مشروعه بالأساس تخریج أجیال من الفلسطینیین لدیهم القابلیة للتعامل مع الکیان الصهیونی ورفض ومحاربة کل أشکال المقاومة.. ومع کل هذا فإنّ وعی شعبنا الفلسطینی وقدرته على التحمّل وعلى ابتکار أسالیب جدیدة فی المواجهة، واستعداده للتضحیة أفشل هذا المشروع السلطوی الصهیونی، ورأینا کیف أنّ منتسبی الأجهزة فی السطلة کانوا الأکثر حضوراً فی انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانیة)، وکیف أنّ عشرات الشهداء من هؤلاء ارتقوا على طریق مقاومة المحتل.