من الحالات السلبیة التی تکثر فی العالم العربی؛
لجوء الأولیاء الى ممارسة العقاب البدنی للأبناء
 مما لا شک فیه أن للعنف أثار کبیرة جدا على الأبناء، لیس العنف الذی یمارسه الابناء ذاتهم مع الاخرین، بل العنف إزاءهم وما یولده من تبعات نفسیة واجتماعیة، خاصة عندما یقوم بذلک الاولیاء سواء فی البیت أو فی المدرسة. فهی حالة بکل تأکید سوف تعرقل نمو الأبناء مثلما تنعکس سلباً على مستقبل المجتمع حین سیخسر جیلاً یخلو من الابداع والتواصل والانتاج، نتیجة تبعات ما خلفه العنف إزاءهم.
وفی رأی غریب لأحد المسؤولین فی محافظة الغربیة بمصر، قال قبل مدة لیست بالبعیدة: أنه لیس من حق ولی الأمر مهما کان، معاقبة أو محاسبة المعلم، وأنه مع الترهیب والترغیب فی المدارس، وأنه لا یمانع فی ضرب التلامیذ شریطة ألا یکون الضرب مبرحا، وبدون عصا ونقلت بعض وسائل الإعلام الأخرى أن الوزیر ذکر أن ضرب الطلاب لیس مشکلة، وأیا کانت الروایة صحیحة أم لا، فإن هذا الأمر یبدو خطیرا لیس فقط ضد الابناء وإنما أیضاً ضد الانسانیة.
ومن المعروف أن ضرب الأطفال فی المدارس وفی غیرها ممنوع بحکم القانون فی کل العالم، کجزء من حقوق الإنسان وحقوق الطفل بوجه خاص، ولم یقل أحد أن التعلیم لدیهم قد انهار، أو أن هیبة المعلم قد سقطت. لذلک تکمن الخطورة فی تصریحات المسؤول أنها تعطی ضوءا أخضر للمدرسین بأن یفرغوا غضبهم فی أطفال المدارس والتی یمکن أن تؤدی إلى الموت کما حدث لتلمیذ ابتدائی فی الإسکندریة حیث ضربه المدرس بقدمه فی بطنه فمات. 
وهنا یتوجب التذکیر بأن الضرب کما هو معروف لدى علماء النفس والتربیة هو أضعف وسائل التغییر والتهذیب، وإذا ترتب علیه نتیجة سریعة فهی مؤقتة بالضرورة، أما الأضرار فهی کثیرة ومنها أننا ننشئ جیلا جبانا یعیش بالخوف والزجر والترهیب، ولا یجرؤ على إعلان رأیه، فالضرب فی المدارس یحدث ارتباطا شرطیا سالبا بین العلم والإیذاء البدنی فیکره الطالب العلم وما یتصل به ویفقد قدرته على الإبداع لأن الإبداع لا ینشط إلا فی جو من الحریة والإحساس الإیجابی بالذات وبالموضوع العلمی وبالبیئة المحیطة.
إذن فهذا النهج العدوانی التسلطی فی العملیة التعلیمیة لا یعد فقط انتهاکا لقانون الطفل فی العالم الذی یمنع تعریض الأطفال للعنف والإساءة داخل المؤسسة التعلیمیة، والذی یعاقب المسؤول عنه بالحبس  وما شابه، إنما یعد أیضاً انتهاکا للکرامة الإنسانیة لأطفالنا حین نعرضهم للعقاب البدنی ونؤسس فیهم أن العنف والعقاب البدنی هو الوسیلة السلیمة للتربیة، وحق صاحب السلطة أیاً کان موقعة فی استعمال الضرب والإساءة دون ترک أثر حین یقعون فی الخطأ ولیس الحوار والتوجیه التربوی السلیم.
 ما یعنی، الادعاء أن العملیة التعلیمیة والسیطرة على الطلاب لا تتم بدون ضرب یعکس ضعفا فی المهارات التعلیمیة وعجزا لدى الإدارة، فمن المعروف أن التربیة الإیجابیة تتم من خلال ثلاث عناصر وهی بالترتیب: القدوة، ثم الثواب، ثم العقاب. إذن فالعقاب یأتی فی مؤخرة الوسائل التربویة، والعقاب هنا لا یعنی الضرب بالضرورة، وإنما هناک عقوبات تؤثر فی الطفل دون أن تؤذیه نفسیا أو بدنیا أو تجرح کرامته مثل حرمانه من بعض الأنشطة التی یحبها، أو استدعاء ولی أمره لمحاسبته، أو حرمانه من بعض درجات المواد.
وقد تکون هناک مشکلة فی بعض المدارس الثانویة حیث یمارس بعض الطلاب عنفا تجاه المدرسین وقد یتحالف ولی الأمر مع ابنه المعتدی على المدرس وهنا یأتی دور الإدارة فی حمایة کرامة المدرس، وقد عرضت فکرة تکوین مجالس تأدیب فی المدارس للنظر فی أمر الطلاب الذین یحاولون الاعتداء سواء على الزملاء منهم أو على المعلمین.
وفی هذا الخصوص، أبـدى‌ کثـیرٌ‌ مـن‌ المتخصِّصین وخصوصاً علماء النفس منهم، مخالفتهم بصورة کلّیّة للعقاب البدنیّ، مؤکِّدین بصورة‌ خـاصّة على الأبناء وضرورة عدم استخدام العقاب البدنی معهم. کما أثبتت الدراسات الحدیثة الاثار السلبیة التی یخلفها العقاب بنوعیه سواء بدنیا أو لفظیا على نفسیة الطفل ومساره التعلیمی، لذا انکب الباحثون والعاملون فی مجال التربیة على إیجاد و ابتکار بدائل تربویة حدیثة تغنی عن العقاب البدنی و تداعیاته على مستقبل الطفل، ناهیک أن العقاب البدنی تم تجریمه قانونیا لذا صار من الضروری نهج أسالیب تربویة ناجعة کبدیل للعقاب البدنی للحد من معاناة المعلمین و الأساتذة فی التعامل مع التلامیذ المشاکسین. لذا، فإن العمل بمبدأ العقوبة هو جزء لا یتجزأ عن العملیة التربویة فتعوید الطفل على احترام القوانین وضبط النفس و عدم تجاوز حدود حریته الشخصیة و حفظ حقوق الاخرین من شأنه أن یسهم فی بناء رجل المستقبل الواعی و المواطن الصالح، و لا یمکن بأی حال من الأحوال أن یکون الحل الأمثل فی تربیة الطفل تربیة سلیمة هو العقاب البدنی، فما هذا الأخیر إلا مسکنا یزول تأثیره بزوال الألم، وسرعان ما یعود الطفل لنفس السلوک المعاقب علیه.